12/01/2014
علاء الدين الخطيب
السؤال الذي يسأله كل السوريين والمتعاطفون معهم “إلى متى هذا القتل والتدمير؟ ما هو الحل؟”. سؤال مرير قاس يائس وحالم. لم يعد أحد يصدق ما يقوله هذا أو ذاك على هذه الفضائية أو تلك “خلصت، اسبوعين، شهرين، سننتصر ونخلص ونبني”. لماذا هذا السؤال صعب وإجاباته المتداولة كاذبة؟ ببساطة ووضوح لأن من تصدى للإجابة هو سوق الإعلام الذي يقوم أساسا على تشويه الحقائق وبيع الأوهام وسرقة الأحلام.
قبل أن نجيب على السؤال الصعب والواضح سنرسم باختصار الحالة الراهنة بسوريا موضوعيا وبدون العودة لتاريخ السنوات الأربعة الماضية.
أولا، داخل سوريا يوجد أربع مجموعات أساسية هي:
-
النظام السوري بقواه السلطوية والأمنية والقتالية والإعلامية وما زال هذا الطرف هو الأقوى.
-
الفصائل المقاتلة الإسلاموية مثل النصرة وجيش الإسلام وداعش وأحرار الشام بقواها العسكرية والمالية والإعلامية وبسلاح الدين والشيوخ الموالين لها.
-
بقايا الجيش الحر الوطني ممن قهرهم ظلم النظام وغدر قادات الفصائل الإسلاموية فتفرقوا جماعات.
-
الجيش السوري النظامي الواقع بين نارين: نار النظام القمعي الأمني ونار إطاعة أمير الجماعة المتاجر بسوريا. القوة الرابعة التي نرجأ الحديث عنها هي غالبية الشعب السوري المطحون ألما ودما وقهرا.
ثانيا، خارج سوريا يوجد معسكران أساسيان:
-
معسكر تحالف حكومات روسيا والصين وإيران، وهذا المعسكر طبعا بصف النظام السوري.
-
معسكر حكومات الولايات المتحدة الأمريكية والغرب وحلفائهم حكام تركيا والسعودية وقطر، وهذا المعسكر يدعي شكليا أنه مع الشعب السوري لكنه عمليا يسعى لمصالحه الخاصة. بل زاد البلاء بلاءً أن المعسكر الثاني يتصارع داخليا بين النظام السعودي والقطري.
لكل هذه المعسكرات يوجد جيش إعلامي محترف شديد الدهاء في تمرير رسائله وتبريراته وأجنداته مُغلفا إياها بغطاء مُتْقن من الشعارات الأخلاقية وطنيا ودينيا.
يجب أن نضيف في قرائتنا لهذه الاصطفافات الوضع العالمي الذي يشهد صراعا عنيفا بين الامبراطوريات الصاعدة في الصين وروسيا ضد الامبراطورية الامريكية والغربية وتوسع المجال العسكري للصين وروسيا. واشتداد التنافس بين المعسكرين على وسط آسيا من إيران لجمهوريات السوفييت السابقة.
بإجراء حسبة بسيطة بين هذه القوى، وبما أن كل الأطراف داخل سوريا متعلقة مصيريا بمدى الدعم الذي يأتيها من الخارج. فالنتيجة الواضحة أن الحل بيد المعسكرين الدوليين. وبما أن سوريا بموقعها الإستراتيجي تشكل المرتكز الأهم لكلا المعسكرين، وبما أن كلا المعسكرين غير متضررين مباشرة بشكل كبير من هذا الصراع قياسا بالمصالح الاستراتيجية التي يدافعون عنها. فالنتيجة الواضحة أن لا حلا قادما في المدى المنظور في سوريا مهما قال السياسيون وكذبوا وأعطوا الوعود. إنها حرب استنزاف بين أكبر معسكرين بالعالم على حساب استنزاف شعب سوريا بدمائه ومائه وبنائه.
من السذاجة بمكان أن يتخيّل أي طرف سوري أنه قادر على تغيير المعادلة الدولية في هذا الصراع من خلال “الكلام والأخلاق والقانون واستشحاذ النخوات والقرابات”. أو من خلال “وعود” هو يدرك أن المستمع له يعلم يقينا أن من يقف أمامه لا يملك قوة الحفاظ على الوعود. المعضلة الأساسية لأي طرف سوري حتى لو تخيّل أنه يملك تأثيرا على المقاتلين بسوريا، هي أن لا وجود لسيطرة سورية على السلاح، فمن يسيطر على المقاتل هو من يورِّد له السلاح وليس صاحب اللسان الجزل البليغ.
إذا ما هو الحل؟
الحل الوحيد الذي يمكن أن ينقذ ما تبقى من سوريا هو الطرف الأقوى من الجميع وهو الشعب السوري الذي يدفع ثمن صراع السوق العالمي. وبما أن المال الغزير مُحتكر من قبل المتصارعين الكبار ولا سبيل لتأسيس إعلام وطني شريف فلم يبقى أمامنا سوى سبيل طريق الأنبياء والمصلحين، وهو ليس طريقا مستحيلا أو خياليا فقد سبقنا له شعوب آمنوا بأنفسهم وأوطانهم ورموا غضب الانتقامات خلفهم. لا بد من إعادة توحيد غالبية الشعب السوري خلف وعي جماعي يقوم على الأسس التالية:
1- الوعي بمصالح الدول والحكومات المتصارعة بسوريا وصولا لبناء قناعة أنه المستحيل هو أن هذه الدول ستقدم خيرا لسوريا طالما أن الشعب السوري مفكك الأوصال والعواطف والقناعات.
2- التعصب لمبدأ وأساس سوريا وهو “شعب واحد، بلد واحد، حر، مستقل، ديمقراطي، لا إسلامي ولا مسيحي، لا سني ولا علوي، لا عربي ولا كوردي”. هذا هو التعصب الوحيد المسموح به في طريق رفض تعصب القوميات والطوائف والجماعات. إنه رفع مسار التسامح لا لكي ننسى دماء من رووا أرض سوريا، بل كي لا تزيد دماء من سيرويها بأتون حرب عالمية قذرة على أرضنا. نتسامح لأننا نريد لهذه الدماء أن تكون أساس مستقبل أطفال سوريا وليست جذوة انتقام يدور ويدور ولا ينتهي.
3- الإجماع على أن ديمقراطية وحرية العمل الشعبي لا تعني منح حرية رأي لأي جهة ترفع شعارا أو وسيلة تقوم على أساس نبذ أو إقصاء أو قتل طائفة أو قومية أو جماعة سياسية في سوريا. الديمقراطية هي حرية من يؤمن بالديمقراطية وتساوي الحقوق بين البشر. سوريا لكل السوريين. ومن يريد أن يستثني جماعات من سوريا هو حر، ليسر بدربه. فالحق سيبقى أحق أن يُتبَع.
4- الإجماع على أن قادات النظام السوري الحالي هم المسؤول الأول والأساسي عن دمار سورية، وقادات المعارضة السورية المشهورين وقادات الفصائل الإسلاموية هم المسؤول الثاني عن تدمير البلد، لا مكان لهم في سورية الجديدة. لأن من يدمر يستحيل أن يبني.
هذا العمل التوعوي التجميعي هو جهد متراكم يبدأ من الفرد بحد ذاته ودائرته الضيقة من عائلة وأصدقاء ويحتاج لصبر وثبات أشبه بصبر المسيح على صليبه ومحمد في شعاب مكة. عمل يحتاج لوقت طويل قد يمتد لسنين، لكنه بالنتيجة سيصل لثمار مضمونة لا شك بها وهي وطن سوري لأطفال سوريا. فها قد مضى أربع سنوات ونحن نبحث عن حل سحري يأتي خلال أسابيع أو شهور وما زال حالنا من سيء لأسوء، فهل نرفض هذا الطريق لنجد بعد عشر سنين أنفسنا نجتر ما نقوله اليوم عن هذا السياسي وذاك العسكري وتلك الحكومة وهؤلاء الإعلاميين.
بعد أن نصل كغالبية سورية لتأسيس هذا الوعي السّامي بمصلحة الوطن السوري، يمكننا وقتها السيطرة على غالبية السلاح وإجبار صناع القرار العالمي على الرضوخ لطموحات الشعب السوري. لأن السلاح بدون أيد تحمله مجرد قطعة حديد وهمّنا الأول هو سحب هذه اليد من تأثير القرار الدولي.
وللقاريء الكريم، قبل أن تحكم بعبثية هذا الكلام وتستشهد بمائة أو ألف قصة عن فسادٍ أو طائفيةٍ أو بدائيةٍ أو تخلفٍ وتستسلم لمرض الجموع البشرية المستحكم تاريخيا وهو “الكسل عن المبادرة وانتظار الآخر”. قبل أن تقول ذلك متناسيا أنك أنت من هذا الشعب، حاول أن تبادر وتعمل وتقول قولة الحق حتى بينك وبين ذاتك.وإن كنت ترى هذا وهما، والطريق الآخر في حرب السياسة والإعلام كارثة، هلّا صمتت وأخفيت يأسك ونقمتك. من لا يملك حتى الحلم لا يستطيع تقديم خير لمن حوله ولا لنفسه.
لنسميه وهما إذا أردت يا أخي السوري! لكن أليس العيش مع وهم كهذا أحق من العيش مع وهم أن حكام إيران والسعودية وقطر وتركيا ومن وراءهم ومن فوقهم ومن تحتهم سيجلسون يذرفون الدموع على آلامك وأطفالك؟ أليس هذا الوهم أرقى وأحق بالاتباع من وهم أن الدماء ستوقف الدماء؟
السوريون بين خيارين لا ثالث لهما:
إما متابعة الانتظار والاستماع والمعاناة وتصديق كل ما يُقال أو حتى تصديق وتعميم ما يرونه ويسمعونه بل وما ينزفونه من دم، والتوهان بنفس دوامة الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين خلال 4 سنين، وبالنتيجة قتل أي أمل لبقاء سوريا وطنا لأطفالها.
أو التحرك على طريق المقدس السوري مع الأخ والجار والقريب السوري لضمان وجود وطن اسمه سوريا حتى لو بعد عشر سنين.
12/01/2014









