
اللجنة الدستورية السورية مشروع روسي فاشل
04/10/2019
علاء الدين الخطيب
لم يكن إعلان تشكيل اللجنة الدستورية مفاجئا، فالحكومة الروسية تعمل على هذا المشروع منذ بداية 2018، وتحاول عبر كل مناوراتها السياسية دفع هدف تشكيل لجنة سورية لكتابة دستور جديد لسوريا، ليكون الأولية المطلقة في سياسة روسيا في سوريا.
طبعا هذا لا يعني أن عملية إعادة البناء الدستوري للدول ما بعد الأزمات ليست جزءا أساسيا من عملية إعادة التأهيل وإحلال السلام. بالواقع العقود الأربعة الماضية شهدت عدة تجارب في عدة دول حول العالم، كانت تعاني من حروب أهلية وأزمات، وكان لعملية وضع دستور للدولة في مرحلة ما بعد الأزمة دور أساسي، أحيانا ساعد على الاستقرار مثلما حصل في دول يوغسلافيا السابقة وناميبيا، وأحيانا ساعد على استقرار هش مثلما هو حال أفغانستان، وأحيانا آمن استقرارا مؤقتا كما حصل في كامبوديا، أو فشل تماما كما حصل في تيمور الشرقية والعراق.
المشاكل التي تواجه هذه اللجنة كفكرة وكآليات عمل كثيرة، لكن أهمها يتلخص في عدة حقائق لا يمكن إنكارها، بما يتعلق بحامل المشروع، المتحمس للفكرة ومحركها، أي روسيا، بالتشاور مع إيران وتركيا.
الحقيقة الأولى هي أن روسيا بحد ذاتها دولة تعاني الأمرين. فهي دولة لا تحترم أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأقرب للديكتاتورية منها للديمقراطية. كذلك على صعيد البنية المؤسساتية، روسيا ذات بنية مؤسساتية ضعيفة، وما زالت بعد ثلاثة عقود تحتفظ بهيكليات الشيوعية السوفيتية، بالإضافة لفساد فاحش، وسوء إدارة وتخطيط.
ولا أدلّ على ذلك من أن دولة بإمكانيات روسيا الطبيعية والبشرية ما تزال معتمدة على اقتصاد ريعي، يقوم أساسا على بيع النفط والغاز الطبيعي. فقد كاد الاقتصاد الروسي أن ينهار في صيف 2015 بسبب انخفاض أسعار النفط، لكن عودة أسعار النفط للارتفاع في أواخر 2015 أوقف الانهيار مؤقتا. قد يمكن تفهم ذلك في دول نامية ريعية، لكن ليس في دولة تقدم نفسها على أنها دولة عظمى معنية بمساعدة الدول الأخرى.
الحقيقة الثانية تتجلى في الكوميديا السوداء التي تأتي من قلب دائرة بوتين في الكرملين. فمن المعلوم أن موضوع تعديل الدستور الروسي قد أثير السنة الماضية في شهر تشرين أول\أكتوبر، بما يضمن استمرار بوتين في رئاسة روسيا. ومؤخرا في 16 أيلول\سبتمبر طرح سيرغي تشيموزف، حليف بوتين المقرب، الفكرة مرة ثانية في لقاء مع الجريدة الروسية RBK، وتشير عدة أخبار إلى أن الموضوع قيد التسخين في روسيا.
روسيا التي تريد رعاية بناء دستور لسوريا، هي من تقوم باختراق دستورها نفسه وفي ذات التوقيت، تأسيسا للديكتاتورية البوتينية. ولربما يطرح هذا سؤالا حول إصرار بوتين على إنجاح عملية كتابة دستور لسوريا، بغض النظر عن نتائج ذلك على سيرورة الصراع.

الحقيقة الثالثة هي فشل روسيا في تأمين استقرار مستدام في الدول التي تقع على حدودها. فمشكلة أوكرانيا ما زالت مشتعلة؛ ودول الاتحاد السوفيتي السابق على الحدود الجنوبية والجنوبية الغربية لروسيا قائمة على صفيح ساخن من المشاكل الداخلية العميقة، والتوترات البينية الخطيرة ذات الأبعاد العرقية والقومية، والتي تشكل بالواقع كابوسا مستداما لروسيا والصين بالذات.
بل حتى إن منطقة القوقاز والشيشان، داخل روسيا، ما زالت تحتوي على قنابل موقوتة، ولا أدلُّ على ذلك من تعمُّد روسيا فتح طريق تسلل أكثر من 3000 مقاتل إسلامي قاعدي للالتحاق بداعش والنصرة في سوريا، بالإضافة لآلاف غيرهم تسربوا من دول الاتحاد السوفيتي السابق، من خلال الأراضي الروسية والإيرانية.
الحقيقة الرابعة هي أن روسيا، حتى بتحالفها مع الصين وإيران وتفاهمها القلق مع تركيا، لا تملك من القوة والتأثير والسلطة الدولية والإقليمية لفرض ما يمكن أن ينتج عن هذه اللجنة، بافتراض نجاحها. فروسيا لم تستطع فرض ما تريد بالنسبة لأوكرانيا وهي الأكثر أهمية عند روسيا، فكيف ستستطيع ذلك في سوريا؟ خاصة وأن الصراع الممتد فوق سوريا منذ صيف 2011، يوم تيّقنت كل الحكومات أن نظام الأسد غير قابل للإصلاح أو التراجع، اكتسب أهمية استراتيجية عظمى لدى كل الدول الإقليمية والكبرى. فحتى لو حصل تراجع في الفترة الأخيرة من قبل الغرب عن لعب دور أساسي في تطورات الصراع، وحتى مع صمت المضطر الذي يمارسه أردوغان، إلا أن روسيا لا تملك التأثير والسلطة الدولية اللازمة لفرض دستور يؤدي لحل في سوريا.
الحقيقة الخامسة، بافتراض أن ما ذُكر سابقا لا يؤثر فعليا على مستقبل الصراع فوق سوريا، فما زالت الحقيقة القائمة، التي يعرفها الجميع. لم تحافظ روسيا منذ 2011 على أي وعد من وعودها التي قدمتها للسوريين الرافضين لنظام بشار، سواء عبر قيادات المعارضة أو عبر التصريحات الرسمية، أو حتى عبر الاتفاقيات المناطقية التي تم عقدها خلال السنتين الماضيتين بضمانتها داخل سوريا. فها هم المدنيون يتم قتلهم بسلاح روسي في إدلب، بعد أن وعدتهم روسيا بالأمان هناك، وها هي الانتهاكات تتوسع في الجنوب والغوطة رغم وعود روسيا. بل حتى إن أشهر وعد قدمه بوتين للروس قبل السوريين بإنهاء الأزمة السورية سريعا بعد إرساله قواته العسكرية إلى سوريا، أو على الأقل عدم البقاء طويلا، يتم رميه في سلة المهملات، والواضح أن جيش بوتين سيبقى مشتركا بالقتال والأزمة السورية لن تنتهي قريبا.
بل إن بوتين لم يحافظ على وعوده لرئيس تركيا، وتركيا هي من أهم الدول التي ترى موسكو أن التفاهم أو التحالف معها هو مصلحة روسية استراتيجية عليا. فانتكاسات علاقته بأردوغان لم تتوقف على أزمة إسقاط الطائرة الروسية في نهاية 2015، بل إن كل وعوده بما خص الشمال السوري عموما، وإدلب خاصة؛ ووعوده بدعم الموقف التركي أمام واشنطن في ملف مجلس سوريا الديمقراطية والقوات الكردية، لم يحافظ عليها، فلم تتأخر الإدانة الروسية للاتفاق الأمريكي التركي الخاص بالمنطقة الآمنة في الشمال، مع كل مرارته عند أردوغان.
بالمحصلة إن كان رب البيت بالدف ضاربا، فشيمة أهل البيت كلهم الرقص. فروسيا المتحمس الأكبر لصياغة دستور جديد، لا تملك الخبرة من بنيتها الداخلية كدولة، ولا هي نجحت في ضمان استقرار مستدام لجيرانها المباشرين، ولا تملك القوة الكافية على الساحة الدولية، ولا تتحلى بالمصداقية في سياستها، فكيف لها أن تضمن تحقيق دستور يؤدي لاستقرار في سوريا. كل هذا بغض النظر عن انحيازها المسبق لنظام الأسد وافتقادها للحيادية المتوقعة بحدها الأدنى في مثل هذه الحالات.

أما إيران، فهي في حال أسوء بكثير من حال روسيا، كدولة محكومة بحلف ديني-سياسي مهترئ، وبمؤسسات فاسدة وعاجزة، وبمشاكل اقتصادية هائلة. وبكل الأحوال لا تمارس إيران في هذا المنحى سوى تأييد حليفها الاستراتيجي روسيا، وربما تلعب أحيانا مع طفلها المدلل في دمشق لإزعاج الروس في مساعيهم، بما يمكن تسميته مشاغبة بسيطة.
ومن نافل القول إن مشروع الدستور بالنسبة للجانب التركي لا يعنيه إلا بقدر ما يفيده في صدامه مع واشنطن حول الشمال السوري، وبقدر ما يساعده على تجنب تحمل نتائج الكارثة الإنسانية في إدلب. خاصة وأن المعضلة التركية ما زالت مستمرة في محاولة انتهاج سياسة الإمساك بالعصا من منتصفها ما بين موسكو والغرب، لسبب بسيط جدا وهو أن لا وجود لهذه العصا بين روسيا والغرب.
إذا ماذا تريد روسيا من مشروع الدستور؟
أولا، بوتين يعاني من مشاكل متصاعدة داخلية اقتصادية وسياسة، بالإضافة لانخفاض شعبيته. والتي بدأت تتأثر بمخالفته لوعده بسحب القوات الروسية سريعا من سوريا، وفشله في تحقيق أي حل حقيقي. لذلك فإن النجاح في تفعيل عملية دستورية شكلية سيكون له مردود معنوي داخلي. عدا عن دعم موقف من يريد تغيير الدستور الروسي لصالح منح بوتين حقوق الحكم مدة أطول.
ثانيا، ضمن صدام وصراع روسيا بوتين مع الغرب، فإن الموضوع السوري من أهم المواضيع المثارة بين الطرفين، وخاصة بما يتعلق بمشكلة اللاجئين. وبما أن الغرب يرفض اعتبار ما حققه بوتين مع حلفائه في سوريا استقرارا يمكن البناء عليه لعودة اللاجئين وإعادة الإعمار؛ فإن بوتين يريد دعم موقفه بإنجاز ضخم نظريا وهو العملية الدستورية.
لا يسعى بوتين لإقناع السياسيين بجدية العملية الدستورية، فهو يعلم أن السياسيين الغربيين يدركون أنها مجرد مسرحية سياسية. لكنه يريد زيادة التأثير على الرأي العام الغربي لمصلحة اليمين الغربي المتطرف الأوروبي والترامبي، وقد استطاع ضمن هذا المنحى تحقيق نجاحات متعددة، فمن خلال رفع الشعار الإعلامي يمكن لليمين الغربي المتطرف متابعة معركته الشعبوية ضد المهاجرين واللاجئين والحجة أن بلاد اللاجئين قد استقرت.
ثالثا، لا بد لروسيا أن تزيد من نقاط قوتها في سوريا قبل نهاية العام 2020، أي قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية، لأن هذه الانتخابات ربما تكون الأهم في التاريخ الأمريكي الحديث، وبما أن نتائجها لا يمكن توقعها، هل سيبقى ترامب أن يخسر هو وتياره السياسي، فروسيا بحاجة لكسب أكبر عدد من نقاط القوة.
رابعا، من خلال العملية الدستورية المطروحة، يمكن لروسيا سياسيا وديبلوماسيا تنسيق تعاملها وتفاوضها ومقايضاتها مع حليفيها إيران وتركيا بشكل أفضل بكثير.
لا بد في النهاية من الإشارة سريعا لحقيقتين لا تقلان أهمية:
أولهما أن النظام الأسدي عاجز ذاتيا وبنيويا وموضوعيا ودوليا عن ضمان استقرار سوريا والخروج بها من هذه المأساة، بافتراض نجاح المسعى الروسي لناحية دستور جديد، وبافتراض أنه استعاد السيطرة العسكرية على كامل سوريا. فهذا النظام المتوحش أكل ذاته وحرق نفسه وهو يحرق سوريا ليبقى الأسد في كرسيه.
والحقيقة الثانية الأشد ألما فهي أن قيادات المعارضة القائمة، سواء قبلت المشاركة باللجنة أم لم تقبل، غير مؤهلة سياسيا ولا تقنيا، ولا تتمتع بالاستقلالية اللازمة، ولا تملك رؤيا، والأهم لا تحظى بثقة جزء وازن من السوريين. بل إن فشلها طوال ثماني سنوات كان من أسباب تحول مصير سوريا إلى مجرد ورق لعب على مائدة القمار الدولية. والجميع يدرك أن مفاوضات الدستور هي قرار روسي إيراني تركي، ولن تغيّر صور المشاركين باللجنة شيئا جوهريا.
أما الحقيقة الجامعة فهي، مع كل ما ذكرناه، ومهما كان رأينا بالمعارضة، لا يجوز بأي حال استخدام أسلوب شعبويات بعض قادات المعارضة وتوزيع الاتهامات بالخيانة أو العمالة، فتوزيع هذه الاتهامات لا يقل كارثية عن كارثية أداء المعارضات السورية.
ولعل الاختبار الأول لن يكون بعيدا، فرغم تراجع حدة الهجمات على إدلب مؤقتا، إلا أنها ستعود وبنفس الشراسة ضد المدنيين والمهجرين، ولننتظر هل ستستقيل هذه اللجنة أم أنها ستتابع عملها، مع بيانات إدانة. لا حق لأحد بالحكم الآن، لكن للكل حق التوجس.









