الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

اللاجئون كسلاح تدمير شامل، أزمة اللاجئين على الحدود البيلاروسية البولندية

 

 

علاء الخطيب

23/11/2021

الورقة الاصلية على موقع مركز حرمون للدراسات

مقدمة

من غير المؤكد كيف استطاع اللاجئون الوصول إلى بيلاروسيا البعيدة عن سوريا والعراق أكثر من 2000كم، وكيف وصلوا إلى حدود بولندا مع بيلاروسيا. والسؤال الآخر هو كيف ولماذا فتحت بيلاروسيا أمام هؤلاء اللاجئين الطريق إلى حدود بولندا؟ ومن هو المستهدف بهذا “التسامح” الإنساني غير العادي لمساعدة لاجئين للعبور إلى بولندا وبالتالي إلى الاتحاد الأوروبي؟ وما هو دور روسيا الحليف الأهم وربما الوحيد لبيلاروسيا؟ وأخيراً هل انتهت الأزمة بقرار بيلاروسيا إعادة اللاجئين إلى داخل البلد وتوفير أبنية بها بعض الخدمات والتدفئة، والسماح لبعضهم بالمغادرة عودةً للدول التي أتوا منها؟

الأسئلة كثيرة حول هذه الأزمة، غير المستقلة عن سلسلة أزمات تضرب العلاقات الدولية عموما، والعلاقات الروسية الغربية والأمريكية، والعلاقات السيئة جدا بين بيلاروسيا مع الغرب، ومع بولندا ودول بحر البلطيق، ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا، أي أعضاء حلف الناتو الجدد نسبيا. ناهيك عن ارتباط هذه الأزمة بالمأساة الإنسانية التي ضربت سوريا خلال السنين العشرة الأخيرة، بسبب توحش النظام الأسدي ودعم حلفائه روسيا وإيران له، وتحول قضية المعاناة الإنسانية بحد ذاتها لمادة تجارة على موائد المساومات بين الدول المشتبكة بالصراع فوق سوريا.

سنحاول في هذه القراءة الإحاطة قدر الإمكان وباختصار بظروف وملابسات أزمة اللاجئين بين بيلاروسيا وبولندا ضمن سياق العلاقات الدولية والإقليمية، وبانعكاسات كل ذلك على الوضع السوري واللاجئين السوريين.

كيف وصل اللاجئون إلى حدود بيلاروسيا مع بولندا

لا تتوفر معطيات دقيقة حول عدد اللاجئين الذين تجمعوا على الحدود بين الدولتين، بهدف الدخول إلى بولندا، وبالتالي دخول منطقة الاتحاد الأوروبي حيث يصبح انتقالهم إلى أوروبا الغربية وطلب اللجوء ممكنا. لكن المرجح من مختلف المصادر أن العدد يصل لبضعة آلاف من اللاجئين، غالبيتهم عراقيون وأفغان وسوريون، بالإضافة لعدد أقل من دول آسيوية أخرى.

بشكل عام تشير معطيات قوة الحدود الأوروبية المشتركة إلى دخول حوالي خمسة آلاف بشكل غير قانوني عبر حدود دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي من بداية عام 2021 إلى تشرين أول/أكتوبر، أي إلى قبيل هذه الأزمة، بغالبيتهم عراقيون 3868، و590 أفغاني، و265 سوري، و207 من الكونغو، و182 من روسيا.

 التقارير المعتمدة عند الأوروبيين[1] هي أن مسؤولين بيلاروسيين وشركة الطيران البيلاروسية الحكومية “بيلافيا”، وشركة خطوط الطيران السورية، وشركة أجنحة الشام للطيران السورية الخاصة، وشركات طيران بيلاروسية وشركات أخرى متورطون في نقل جزء كبير من هؤلاء اللاجئين من سوريا والعراق ومن الإمارات العربية المتحدة إلى بيلاروسيا، وبتسهيلات خاصة قدمتها حكومة بيلاروسيا أثناء دخولهم للبلد. ولهذا السبب فضمن سلسلة العقوبات الأوروبية الجديدة ضد نظام لوكاشينكو، ديكتاتور بيلاروسيا، تمت إضافة هذه الجهات إلى قائمة المُعاقبين من قبل الاتحاد الأوروبي. علما أن شركة بيلافيا كانت تحت العقوبات الأوروبية وممنوعة من دخول أجواء الاتحاد الأوروبي قبل اشتعال أزمة اللاجئين الحالية. تشير تقارير[2] أخرى إلى قدوم اللاجئين عبر مطارات بغداد، وبيروت، ودبي، واستانبول، وأنطاليا، وموسكو.

لماذا بيلاروسيا؟

بيلاروسيا دولة صغيرة نسبيا من حيث عدد السكان، حوالي 9 ملايين نسمة، وذات اقتصاد ضعيف ويعاني من مشاكل كبيرة، ويعاني البيلاروسيون من مستوى حياة متدنٍ. موقع بيلاروسيا شديد الأهمية جيوسياسيا وعسكريا واقتصاديا ما بين روسيا وبين حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. فهي تحادِد روسيا من الشرق، وأوكرانيا من الجنوب، وكذلك تحادِد بولندا وليتوانيا ولاتفيا أعضاء حلف الناتو الجدد نسبيا، ومقاطعة  كالينينغراد أوبلاست الروسية؛ أي أن بيلاروسيا تسيطر على خط التواصل البري الوحيد بين روسيا وبين مقاطعة كالينينغراد على بحر البلطيق، كما أن بيلاروسيا تشرف على منطقة سوالكيغات التي تمثل خط الاتصال الوحيد البري ما بين حلف الناتو عبر بولندا وما بين دول البلطيق الثلاث ذات العلاقات المتأزمة مع روسيا وبيلاروسيا (انظر الخريطة المرفقة).

من ناحية ثانية، يمر عبر روسيا خطوط نقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى الاتحاد الأوروبي باستطاعة حوالي 55 مليار متر مكعب سنويا، أي أن بيلاروسيا ثاني أكبر ممر بري لأنابيب الغاز الطبيعي من روسيا إلى أوروبا بعد أوكرانيا التي يمر عبرها خطوط نقل باستطاعة 155 مليار متر مكعب سنويا.

من الناحية السياسية، ترزخ بيلاروسيا تحت حكم ديكتاتوري وفق النمط السوفيتي القديم بقيادة ألكساندر لوكاشينكو، الذي حكم البلد منذ إعلان تأسيس بيلاروسيا عام 1994 إلى الآن، ولنا أن نتخيل ماذا يعني ذلك في مجال قمع الحريات والاعتداء على حقوق الإنسان والفساد وسوء الإدارة. علاقات بيلاروسيا السياسية الخارجية غير مزدهرة مع كثير من دول العالم، ومتوترة دائما مع دول أوروبا الشرقية، بالذات مع بولندا ودول البلطيق، وكذلك مع دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية؛ علاقات بيلاروسيا جيدة جدا مع روسيا وحلفاء روسيا الإقليميين بالإضافة لدول الاتحاد السوفييتي السابق في وسط آسيا، وكذلك لبيلاروسيا علاقات جيدة مع نظامي سوريا وإيران.

تعتمد بيلاروسيا بشكل كبير جدا على علاقاتها التاريخية مع روسيا، وعلى دعم فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي، للوكاشينكو ونظامه، خاصة وأن لوكاشينكو هو الحليف الوحيد المحافظ على قوته نسبيا ما بين روسيا ودول حلف الناتو المتوسع، بعد وقوع أوكرانيا بأزمتها المستمرة منذ 12 سنة. لكن مع ذلك فهناك أزمات ومشاكل حصلت أحيانا بين الزعيمين، لكنها تتراجع سريعا تحت ضغط حقيقة أن بلديهما يواجهان نفس الخصوم، وربما الأعداء، السياسيين إقليميا ودوليا. وكنتيجة لذلك يمكن القول إن لروسيا تأثير كبير وأساسي على سياسة بيلاروسيا، رغم التعثرات على الطريق.

بل بلغ الأمر أن الكرملين الروسي أرسل عدة رسائل لبيلاروسيا كي تنضم إلى روسيا الفيدرالية في نهاية عام 2019 وبدايات 2020، بل ومارست روسيا الضغوط لتحقيق هذه الفكرة، والهدف الأساسي كان منح بوتين التبرير التشريعي اللازم لاستئناف رئاسته لروسيا التي ستنتهي في 2024، فانضمام بيلاروسيا للفيدرالية الروسية سيصفّر عداد سنوات رئاسة بوتين لروسيا، وبالتالي يستطيع حكم روسيا 20 سنة أخرى[3]. لكنه يبقى طلبا شديد الصعوبة على حاكم حكم بلده 25 سنة حكما شموليا مطلقا مثل لوكاشينكو. بكل الأحوال وبسبب تزايد الضغوط على روسيا وبيلاروسيا، أعلن البلدان عن سلسلة اتفاقيات بالشهور الأخيرة تزيد من ترابط علاقاتهما الاقتصادية والسياسية، والتي سيستفيد منها لوكاشينكو بشكل مباشر أكثر مما قد تستفيد روسيا على المستوى الاقتصادي والسياسي.

بيلاروسيا والغرب

توتر العلاقات بين بيلاروسيا والغرب لا يعود إلى أن الغرب يتحرك فعلا وفق مسطرة حماية حقوق الإنسان وفساد النظام الحاكم في بيلاروسيا. فغالبية حكومات أوروبا الشرقية التي جرى ضمها للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو تعاني من مستويات فساد تقارب مستوياته في بيلاروسيا، وإن كانت بيلاروسيا تحتفظ بسجل انتهاكات حقوق الإنسان أسوء بكثير من باقي حكومات أوروبا الشرقية.

من ناحية ثانية يعود توتر العلاقات البيلاروسية الغربية إلى توتر علاقات الغرب بروسيا، خاصةً منذ استلام بوتين للحكم في روسيا، فهو رفض الانصياع الكامل لشروط الدول الغربية المجحفة بحق روسيا، والتي قبلت مثيلاتها دول أوروبا الشرقية. فاتخذت العلاقات مسارات تصعيد التوتر بين الجانبين خصوصا مع توسع حلف الناتو باتجاه الشرق اقترابا من حدود روسيا، ونشر منظومات الصواريخ الأمريكية في أوروبا الشرقية وصولا لدول البلطيق، ذات الموقع الحساس جدا بالنسبة لروسيا.

لكن مع ذلك، فإن نظام لوكاشينكو لم يوفر أيضا حجة انتهاكات حقوق الإنسان في بيلاروسيا ليضيفها للقائمة الغربية ضد بلاده.

ففي 23 أيار/مايو هذه السنة قامت المقاتلات البيلاروسية من طراز ميج بعملية قرصنة جوية[4]، أجبرت بها طائرة الخطوط الجوية ريان إير 4978، والتي كانت متوجهة من أثينا-اليونان إلى فيلونيوس-ليتوانيا، على الهبوط في مينسك عاصمة بيلاروسيا، لاعتقال الصحافي المعارض البيلاروسي رومان بروتاسيفتش وصديقته صوفيا سابيغا المعارضة الروسية. وقد اشتعلت وقتها الاحتجاجات الدولية على الحادثة التي تهدد سلامة الطيران المدني حول العالم، وأضافت الدول الغربية عقوبات جديدة على بيلاروسيا. لكن بوتين تقدم وتبنى قضية لوكاشينكو مرة أخرى ودافع عن سلوكه، وأعلن تأييده له.

سلاح اللاجئين

ليست هذه أول مرة تستخدم بها الحكومات أو الحكام سلاح التهديد باللاجئين. ففي كتاب “سلاح الهجرات الضخمة” لكاتبته كيلي غرينهيل Kelly M. Greenhill، تقول الكاتبة بعد دراسة ظاهرة التهديد بإرسال المهاجرين أو اللاجئين ورصدها، أنه لم تكد تمر سنة منذ خمسينات القرن الماضي لم يحصل بها أزمة تهديد أو تنفيذ إرسال مهاجرين ولاجئين عبر الحدود لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، بل إن الكاتبة تحصي أن ثلاثة أرباع هذه الأزمات أدت إلى تحقيق الأهداف المنشودة كليا أو جزئيا.

فعلى سبيل المثال في عام 1980 وبعد تصاعد الضغط الأمريكي على كوبا، نفذ الزعيم الكوبي وقتها فيدل كاسترو تهديده بإرسال المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وفعلا انتقل حوالي 150 ألف مهاجر كوبي إلى الشاطئ الأمريكي خلال أيام فقط.

وقد اشتُهر عن معمر القذافي استخدامه لسلاح المهاجرين أمام الأوروبيين عدة مرات، فكان بكثير من الأزمات يهدد بفتح الحدود أمام طالبي الهجرة واللجوء الأفارقة كي يصلوا إلى شواطئ أوروبا الجنوبية، وقد أفلح عدة مرات في اقتلاع مكاسب أمام الأوروبيين.

في نهاية عام 2016 أطلقت إيران تحذيرا بأنها ستفتح الأبواب لكي يتحرك اللاجئون الأفغان الذين يقيمون على أراضيها، وعددهم يقدر بثلاثة ملايين، باتجاه أوروبا إذا ما زادت الولايات المتحدة الضغوط عليها[5]. وأعادت هذا التحذير عدة مرات لاحقا مع تصاعد التوتر الأمريكي الإيراني.

لكن أيضا على الطرف الأمريكي كان ترامب أحد أشهر من تلاعب بموضوع المهاجرين في دعايته الانتخابية نحو البيت الأبيض في عام 2016، وبعد تسلمه الرئاسة أصدر عددا كبيرا من القرارات التي تقيد حركة السفر نحو الولايات المتحدة الأمريكية بدعوى حماية الدولة الأمريكية.

وفي المأساة السورية الممتدة منذ عشر سنين، كان أول سلاح استخدمه النظام السوري هو تهجير السوريين الرافضين له، سواء تظاهروا ونشطوا، أو سواء صمتوا وراقبوا. وبالنتيجة كان موضوع اللاجئين السوريين محل تعقيدات سياسية في دول الجوار. وفي أوروبا، بعد موجة اللجوء عام 2015، أصبحت ورقة اللاجئين والمهاجرين وأيضا المسلمين أهم ورقة استغلتها الأحزاب السياسية اليمينية المتشددة والمتطرفة في الوصول للسلطة. وقد رأينا كيف أن إنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية الأقوى خلال الخمسين سنة الماضية، خسرت الكثير بسبب موقفها الإيجابي من اللاجئين.

ما هو المختلف بأزمة اللاجئين بين بيلاروسيا وبولندا؟

طبعا لا بد أن نتذكر ونحن نقرأ سريعا استخدام البشر الأبرياء في صراع الحكومات والقوى حول العالم كسلاح ضغط، أن انتشار هذا الاستخدام غير الأخلاقي وغير القانوني لا يعني أن الممارسة صارت أمرا عاديا مقبولا.

لكن ما يزيد من خصوصية ما حصل على حدود بيلاروسيا، هو أنه هذه أول مرة تقوم به حكومة دولة باستيراد المهاجرين واللاجئين إلى أراضيها بهدف إرسالهم إلى دول أخرى قريبة منها. ففي كل الحوادث التي حصلت سابقا، كان اللاجئون والمهاجرون غير الشرعيين يتخذون أقصر الطرق وأسلمها نسبيا باتجاه البلد المقصود. إلا أن ما حصل في بيلاروسيا هو أن المرور عبر بيلاروسيا إلى الاتحاد الأوروبي ليس خيارا معقولا في عملية اللجوء. فالطرق التي تؤدي إلى أوروبا تمر إما عبر ممر تركيا، والتي من خلالها مرّ غالبية اللاجئين منذ 2015، أو عبر البحر الأبيض المتوسط. بل حتى من أراد الدخول لأوروبا الغربية جوا، اتخذ مسار السفر إلى أحد دول أوروبا الشرقية المنطوية في الاتحاد الأوروبي، لإن الفيزا لهذه الدول تكون عادة أقل صعوبة بكثير، وأكثر قابلية لتقبل الطرق غير القانونية في تحصيلها.

الناحية الثانية هي أن تسرب اللاجئين عبر حدود دول أوروبا الشرقية ضمن الاتحاد الأوروبي لم يتوقف، لكنه الأعداد كانت قليلة كما بينا سابقا، وبمجموعات صغيرة، ومن خلال عدة منافذ، أقلها عبر بيلاروسيا، فالغالبية كانت عبر بلغاريا ورومانيا. لكن ما حصل الآن من تجميع لبضعة آلاف من اللاجئين وخروجهم جماعيا خلال أيام معدودة إلى الحدود مع بولندا وفي الأراضي البيلاروسية يؤكد أن العملية كانت عملية “استيراد” للاجئين بتخطيط حكومي رسمي ولتحقيق أهداف سياسية واقتصادية من خلال ابتزاز الأوروبيين.

هدف بيلاروسيا من الأزمة

تتشابك عدة مصالح لدى الحكومة البيلاروسية، خاصة وأن زيادة العقوبات الاقتصادية عليها خلال الشهور الماضية زاد من مشاكل اقتصادها المنهك أساسا، فأصبحت على خط “لن يكون أسوء مما كان” في علاقتها مع الغرب. وبحسب تجارب التاريخ القريب فإن التهديد بسلاح موجات اللجوء الضخمة حقق نجاحات لمن استخدمه، فالمغامرة لا تبدو خاسرة بأسوء أحوالها، إن لم تنجح بابتزاز الأوروبيين لدفع أموال وتخفيف العقوبات، فهي لن تخسر شيئا من جهة الاتحاد الأوروبي.

من ناحية ثانية، تُـعتبر علاقات بيلاروسيا وروسيا بدول البلطيق وبولندا هي العلاقات الأسوء مع أوروبا الشرقية، وبولندا بالذات من أكبر معارضي خط الغاز البحري الروسي الجديد، نورد ستريم 2 باستطاعة 55 مليار متر مكعب سنويا، الذي يعد بإيصال الغاز إلى ألمانيا دون المرور بأراضي أي دولة ثالثة. فالضغط على بولندا ودول البلطيق بحد ذاته مكسب سياسي كبير بالنسبة للوكاشينكو وكذلك بالنسبة لبوتين.

كذلك لمحت بيلاروسيا إلى إمكانية استخدام سيطرتها على ثاني أكبر خطوط نقل للغاز الطبيعي إلى أوروبا، للرد على عقوبات الأوروبيين الاقتصادية. خاصة وأن أوروبا الآن بوضع شديد الحساسية بعد أزمة الغاز الطبيعي والوقود في أوروبا خلال الشهور الماضية، مما أدى لارتفاع ملحوظ في أسعار الطاقة في دول أوروبا الغربية. لكن هنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا مجرد تهديد، والأوروبيون يصدقون أن بوتين لن يغامر بأن يسمح للوكاشينكو باستخدام خطوط الغاز الطبيعي كورقة ضغط سياسي، لكنها طبيعة لعبة الصراع الدولي.

على الجانب الخلفي يقف بوتين سعيدا ومراقبا لمغامرات لوكاشينكو مؤخرا، والتي لن تكون الأخيرة. فهو يريد تقديم نفسه للأوربيين على أنه المنقذ الوحيد لهذه الأزمة بسبب علاقته القوية بلوكاشينكو، والأوربيون يدركون أن مفاتيح اللعبة في يد بوتين. ومما يؤيد ذلك أن الحكومة الروسية لم تتوقف عن التهديد المبطن باللاجئين السوريين تجاه أوروبا، من خلال محاولات بوتين اليائسة للوصول إلى اتفاق مع الاتحاد الأوربي لتمويل إعادة البناء في سوريا بإشراف روسيا مقابل إعادة اللاجئين السوريين في أوروبا، الذين تجاوز عددهم مليون ومئتي ألف لاجئ. لكنه جوبه كل مرة برفض حاسم خاصة من قبل المستشارة الألمانية ميركل[6]. بطريقة أو أخرى يذكرنا ذلك بنفس الألعاب التي مارسها حافظ الأسد في لبنان بخصوص قضايا كثيرة حول اختطاف غربيين خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

هل انتهت الأزمة؟

رغم أن بيلاروسيا أعلنت أنها ستسمح لمن يرغب بالعودة للدول التي أتوا منها، وقد غادر حسب التقديرات بضع مئات، وأنها ستمنح الباقي ملاجئ مجهزة بالتجهيزات الأساسية ومنها التدفئة في هذا الجو البارد على مسافة غير بعيدة من الحدود البولندية، وفعلا فقد أكدت بولندا أن الشريط الحدودي أصبح خاليا من التجمعات الكبيرة للاجئين[7]؛ إلا أن ذلك لا يعني أن الأزمة قد انتهت.

ما حصل هو تدخل قوي من قبل المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل، ووعود معلنة وغير معلنة قدمتها للنظام البيلاروسي أدت إلى حلحلة الأزمة مؤقتا. فحسب المعلن وعدت ميركل بمناقشة الموضوع مع الشركاء الأوروبيين، وربما فتح ممر إنساني للاجئين. لكن المرجح أيضا أنها قد تكون قدمت ضمانات مالية على الأقل للتكفل بتكاليف إبقاء اللاجئين في منشآت خاصة في بيلاروسيا.

من الصعب أن نتخيل أن ميركل ستنجح بإقناع حتى حكومتها باستقبال بضعة آلاف إضافيين، أي المقيمين على حدود الأزمة حاليا، فما بالك بإقناع الشركاء الأوربيين. لكن يمكن ترجيح أنها تريد تهدئة الأوضاع حاليا وإخراجها من ساحة الإعلام للتعامل مع الأزمة بهدوء وتدريجيا، مع الالتزام بتحمل مصاريف اللاجئين في بيلاروسيا. مع محاولتها ضمان ألا تتكرر هذه الابتزازات تجاه الأوروبيين مستقبلا، خاصة مع زعيم مثل لوكاشينكو أصبح بوضع يسمح له باستخدام كل الأساليب طالما أن خساراته وصلت أقصاها مع الغرب، والزعيم الروسي يدعمه بكل الأحوال.

ماذا عن اللاجئين؟

المؤكد حتى الآن وفاة على الأقل 11 شخصا[8] خلال الأسابيع الأخيرة، وبعض التقديرات تذكر 13 ضحية، والأصغر طفل بعمر سنة واحدة. لكن المؤسف كما هي عادة الصراعات الدولية فهؤلاء المساكين ليسوا أكثر من ورقة من أوراق اللعب على موائد القمار السياسية.

لا يُعرف بالضبط أعداد اللاجئين وجنسياتهم، لكن الراشح أن غالبيتهم سوريين وعراقيين ويمنيين وأفغان. فلم يكن مفاجئا أن النظام الأسدي لم يحاول أي شيء حتى من قبيل السؤال لدى الحكومة البيلاروسية، على اعتبار أنه واحد من الحكومات القليلة حول العالم التي تمتلك علاقات ممتازة بالنظام البيلاروسي. والمؤسف أننا أيضا لم نسمع بجهود حقيقية حاولتها الجهات المعارضة السورية للتواصل أو الاستقصاء عن حال السوريين بين هؤلاء اللاجئين المعلقين الآن بين السماء والأرض بانتظار حسم مصيرهم.

الخاتمة

هذه الأزمة الإنسانية بعمقها، هي بالواقع مجرد فصل جديد من فصول الصراع بين حكومات الدول، الصراع الذي يزداد بشاعة وانحطاطاً أخلاقيا. فلا بيلاروسيا كانت أساسا ملجأ للاجئين، حيث يبحث سكانها أنفسهم عن بلاد لجوء بسبب ديكتاتورية وفساد نظامها برئاسة لوكاشينكو. ولا بولندا أيضا تمثل مطمعا كبلد للجوء، فلا حكومتها ولا سياسيوها اليمينيون مستعدون حتى لمناقشة الفكرة، ولا حالتها الاقتصادية تساعدها على أن تكون مستقرا للاجئين.

لكن الحقيقة المرّة تبقى، وهي أنها ليست المرة الأولى التي يتم استخدام اللاجئين عموما، واللاجئين السوريين خصوصا كأوراق ضغط بين حكومات الدول في خضم صراعاتها المتزايدة والمتصاعدة. والمؤكد أن الأزمة لم تنتهِ الآن لكنها وضعت بحالة جمود بانتظار البحث عن حلول مؤقتة.

قد لا يكون لهذه الأزمة تأثيرا مباشرا سياسي على الوضع السوري، إذا أخذنا بمنهج القراءة السياسي السائد الذي لا يرى معاناة الناس العاديين، بقدر ما يرى انتصار وهزيمة هذا الطرف أو ذاك. لكن تأثيرها غير المباشر سيكون واضحا في السنوات القادمة حيث كانت المأساة السورية هي الحدث الأكبر الذي فجر بارنويا الخوف من اللاجئين والمهاجرين في أوروبا بعنف غير مسبوق. وللأسف أن شهرة السوريين على المستوى الدولي أصبحت مرتبطة باللجوء والهجرة غير القانونية، بدل أن يسير تاريخهم بالصعود كدولة تحقق تطورها ونموها بهمة أبنائها وبناتها، وبنموذج يُحتذى من الديمقراطية والعلمانية وحماية حقوق الإنسان.

[1] تقرير نيويورك تايمز – 18 تشرين ثاني/نوفمبر 2021

https://www.nytimes.com/2021/11/15/world/europe/belarus-poland-eu-sanctions-migrants.html

[2] تقرير البي بي سي – 18 تشرين ثاني/نوفمبر 2021

https://www.bbc.com/news/59233244

[3]  تقرير يورو أكتيف – 14 شباط/فبراير 2020

https://www.euractiv.com/section/europe-s-east/news/the-kremlin-is-pushing-belarus-to-merge-with-russia-lukashenko/

[4] مقال في مجلة أتلانتيك الأمريكية – 28 أيار/مايو 2021

https://www.theatlantic.com/ideas/archive/2021/05/belarus-ryanair-hijacking/619028/

[5] مقال في جريدة فوا – 24 تشرين أول/أوكتوبر 2016

https://www.voanews.com/a/iran-criticized-for-threat-to-deport-afghan-refugees/4919557.html

[6]  دراسة: روسيا واللاجئون السوريون، فاقد الشيء لا يعطيه – 08 كانون ثاني/يناير 2018

https://www.infosalam.com/immigrants-refugees/studies/russia-refugees

[7]  تقرير من البي بي سي – 19 تشرين ثاني/نوفمبر 2021

https://www.bbc.com/news/world-europe-59341765

[8]  تقرير منظمة المواطن العالمي – 19 نشرين ثاني/نوفمبر 2021

https://www.globalcitizen.org/en/content/refugees-crisis-poland-belarus-border-explain/

قد يهمك