13/01/2015
علاء الدين الخطيب
ما الذي يحدث حولنا؟ تزداد الخيوط كثافة وتعقيدا حول سوريا، أرض أبشع مأساة إنسانية بالقرن الحالي. لنحاول وصف المشهد الدولي حول وفوق سوريا.
أولا: روسيا تستشعر رفع يد أمريكية مؤقت عن سوريا فتسارع للنداءات الديبلوماسية لعلها تجد مخرجا لفتح ممر خلفي مع الغرب تخفف من خلاله هذا الضغط الهائل عليها بسبب الحصار الاقتصادي، من خلال الدعوة لمؤتمر سوري بين النظام السوري وبين المعارضة في موسكو.
بنفس الوقت تقريبا تعلن التصعيد مع الغرب وتوقف العمل بأكبر خط نقل غاز طبيعي موجود حاليا من روسيا إلى أوروبا عبر مياه البحر الأسود وهو المسمى خط السيل الجنوبي South stream.
ثانيا: خلال شهرين تهبط أسعار النفط إلى النصف تقريبا متجاوزة أسوء التوقعات وذلك لسببين أساسيين:
1- الولايات المتحدة الأمريكية تصبح أكبر منتج للنفط في 2014 متجاوزة السعودية وتتوسع فيها حقول استخراج النفط الصخري Shale Oil بشكل جنوني.
2- السعودية ودول الخليج العربي ترفض بإصرار تخفيض الإنتاج للمحافظة على سعر معقول للنفط (أكثر من 80 دولار للبرميل) وتعلن استعدادها للتعامل مع سعر يصل حتى ل 20 دولار للبرميل.
حرب أسعار النفط هذه تمنح المستهلكين سعادة كبيرة، وبنفس الوقت تنذر بكساد اقتصادي في روسيا وإيران وفنزويلا ونيجريا الذين لا يستطيعون احتمال أسعار نفط أقل من 80 دولار للبرميل لفترة طويلة، وبنفس الوقت تحدّ كثيرا من إمكانيات استخراج النفط الصخري والنفط تحت المياه العميقة في بحر الشمال.
ثالثا: تفتح الصحيفة الألمانية الأكثر انتشارا دير شبيغل ملفا كان قد تم إغلاقه وهو ملف “السلاح النووي في سوريا”. من خلال تقرير تزعم الصحيفة أنه يعتمد على مصادر استخباراتية غربية موثوقة تؤكد أن النظام السوري بالتعاون مع حزب الله وإيران وكوريا الشمالية يقومون ببناء منشأة نووية حصينة تحت الأرض قرب القصير باسم رمزي هو “زمزم”.
رابعا: جريمة إرهابية مروعة ضد الصحيفة الفرنسية شارلي إيبدو ينفذها بضعة شبان إسلامويي التوجه يحملون أجندة الفكر القاعدي الإرهابي. وكنتيجة لها كما يبدو من حيث الشكل جبهة دولية هائلة ضمت حوالي 40 زعيم دولي تتظاهر بفرنسا ضد الإرهاب.
خامسا: وفق الصورة الأشمل، التقارب الروسي الصيني يتزايد باطراد ليصل إلى 59 بليون دولار تبادل تجاري بين البلدين، بنفس الوقت الإعلان عن دعم الصين للروبل من خلال مبادلة ما يقابل 25 بليون دولار من العملة الصينية اليوان مع الروبل خلال 3 سنوات. بالإضافة للإعلان عن صفقات جديدة تبيع من خلالها روسيا صواريخ S-400 ومقاتلات روسية حديثة بالإضافة لأحدث الغواصات الروسية الحربية. كذلك لا ننسى مبادرة الصين لدعم تبادلها التجاري مع البرازيل والأرجنتين من خلال مبادلة عملتها اليوان معهما بما يقابل 30 و11 بليون دولار على الترتيب. 
سادسا: بالعودة للصورة على الأرض السورية، قادات الفصائل المسلحة الإسلاموية يتابعون التصارع مع بعضهم في سبيل السيطرة على أكبر ما يمكن من مساحات وحسب جهات التمويل، قطرية-تركية أو سعودية أو إيرانية. والنظام السوري يتابع أعماله الإرهابية في مواجهة المستقبل السوري مع حلفائه قادة إيران وحزب الله وروسيا وبدعم مستتر من قبل حكومة الصين ومنظمة البريكس.
بنفس الوقت ما زالت ما يسمى معارضة سورية سياسية تتخبط ما بين المكاسب الشخصية والولاءات الخارجية أو محدودية الرؤية السياسية والوطنية وتتصرف وفق ردود الفعل لا الفعل.
النتيجة:
كما هو ظاهر من حركة المال والعلاقات السياسية المعسكران الأساسيان المتصارعان فوق مساحة الدم السوري يسيران للتصعيد وكسب أوراق إضافية في المعارك القادمة خلال السنة القادمة وما يليها. لقد توافق معسكرا الصراع على حصر حربهما المباشرة فوق الأرض السورية.
معسكر روسيا إيران النظام السوري يستغل حالة الإحباط العام وابتعاد الاهتمام الأمريكي حاليا لفتح قناة حوار سياسي في شكلها، عبثية في نتائجها ويرص صفوفه ضمن التحالفات الدولية بالسوق لمواجهة حرب أسعار النفط والحصار الاقتصادي على روسيا. وبنفس الوقت يستقر على استراتيجية الحركة العسكرية البطيئة للنظام السوري على الجغرافية السورية حتى لو كانت النتيجة هي التخلي عن الشمال والشمال الشرقي من سوريا.
معسكر الغرب ودول الخليج العربي وتركيا يسير في خط التصعيد أمام روسيا وإيران. يجهز المعسكر الغربي كرت السلاح النووي لطرحه على الطاولة حين اللزوم. تركيا تفتح كافة الخطوط مع المعسكرين، فتتابع تضخيم علاقاتها التجارية مع روسيا وإيران وبنفس الوقت مع قطر والغرب. صراع جبهة قطر وتركيا ضد جبهة السعودية في سورية من خلال قادات الفصائل المسلحة أصبح هو مجال الصراع الوحيد المسموح للطرفين أمام التصعيد الروسي الغربي.
أما ما يثار من غبار حول قصص القاعدة وداعش والإرهاب الإسلاموي فسيبقى كما كان منذ حرب أفغانستان كروت لعب إضافية على طاولة الصراع الكبيرة الدولية.
قد لا تكون هذه الاستنتاجات هي الأصح. لكنها تبقى متماشية مع موضوعية الرؤية للحركة الجيوسياسية الاقتصادية الدولية. ولا أجد بالواقع نتائج موضوعية أخرى إذا احتفظت برؤية متحررة من أساطير المؤامرات الكونية سواء كان وراءها آلهة الصهيونية أو الماسونية أو الرأسمالية أو الصليبية.
السبيل الوحيد ما زال نشر الوعي بحقيقة الصراع السياسي الدولي حول وفوق سوريا واستحالة قدوم الحل ممن يتحكمون بالمال والسلاح والإعلام والزعماء السياسيين السوريين، وبحقيقة أن الحل هو ضمان مستقبل أطفال سوريا وشبابها من خلال التمسك بوحدة الشعب السوري ورفض أي تحريض طائفي أو عرقي أو سياسي أو موالي ومعارض، هو التمسك بهدف سوريا الدولة المدنية الديمقراطية اللاإسلامية واللابعثية. طريق طويل يبدأ من عقل الفرد وقلبه لينتشر ببطء للجمع السوري، لكنه بالنهاية سيضمن ألا يفرض زعماء الإقليم والعالم على سوريا وبعد سنين طويلة حالاً أسوء مما هي حال العراق أو لبنان الآن. كلا الطريقين طويلان، لكن الفرق بينهما يبقى هل سيشكرنا أطفال سوريا بعد 10 سنين أم يلوموننا كما لمْنا أباءنا.
13/01/2015








