
علاء الخطيب
10/04/2026
لقراءة الترجمة الكاملة لمقال راسل انقر هنا – ترجمة د. عدي الزعبي
ولقراءة النص الانجليزي للمقال كاملاً انقر هنا
(انتظروا قريبا مقالي للرد على طرح راسل)
ينطلق برتراند راسل Bertrand Russell في مقاله من موقف واضح وصريح للغاية: هو لا يرى الدين كظاهرة محايدة يمكن تقييمها بسهولة، بل يعتبره، منذ البداية، ظاهرة سلبية في جوهرها، ويصفه بأنه
“مرض ولد من الخوف ومصدر لمعاناة لا تُحصى للبشرية” “ I regard it as a disease born of fear and as a source of untold misery to the human race“
بهذه الجملة، يضع راسل الإطار الكامل لمقاله: الدين، في جوهره، ظاهرة سلبية، ناتجة عن خوف الإنسان من المجهول، وليست نتيجة بحث عقلاني عن الحقيقة.
ومع ذلك، يحاول أن يبدو منصفاً، فيعترف بوجود مساهمات محدودة جداً للدين، لكنها في رأيه هامشية. فيقول:
“لقد ساعد في بداياته على ضبط التقويم… والتنبؤ بالكسوف… وهاتين الخدمتين أعترف بهما، لكنني لا أعرف غيرهما.” “ It helped in early days to fix the calendar… and… to predict eclipses… These two services I am prepared to acknowledge, but I do not know of any others“.
فهو يعترف بأن الدين قدّم مساهمتين فقط للحضارة: المساعدة في تنظيم التقويم، وتطوير ملاحظة الظواهر الفلكية عند كهنة مصر. لكنه يصرّح بوضوح أنه لا يعرف أي مساهمة أخرى ذات قيمة حقيقية.
من هنا يبدأ راسل بناء أطروحته: إذا كان للدين أي دور إيجابي، فهو محدود جداً، بينما أثره العام كان سلبياً. ثم ينتقل إلى نقطة مركزية في تحليله، وهي أن الدين ليس تجربة فردية بقدر ما هو ظاهرة اجتماعية. ولذلك، لا يجب تقييمه من خلال تعاليم مؤسسيه، بل من خلال ما فعلته مؤسساته عبر التاريخ. ويضرب مثالاً واضحاً على ذلك بالمسيحية، حيث يرى أن تعاليم المسيح نفسها – كما تظهر في الأناجيل – لم يكن لها تأثير حقيقي على سلوك المجتمعات المسيحية. فالمسيح دعا إلى الفقر، وعدم القتال، وعدم الحكم على الآخرين، لكن الكنيسة، تاريخياً، لم تتبنَّ هذه القيم فعلياً. وبالتالي، فإن “المسيحية كقوة اجتماعية” يجب تقييمها من خلال الكنيسة، لا من خلال المسيح.
“تعاليم المسيح كان لها تأثير ضئيل للغاية على أخلاق المسيحيين” “ The teaching of Christ… has had extraordinarily little to do with the ethics of Christians“.
من هذه البداية، يبني راسل حجته الأساسية: الدين، في نظره، ليس فكرة فردية أو تجربة روحية، بل هو بالأساس ظاهرة اجتماعية، تتجسد في “المؤسسة الدينية”، أي الكنيسة أو ما يعادلها. ولذلك، يرى أنه لا يجب الحكم على الدين من خلال تعاليم مؤسسيه أو نصوصه الأصلية، بل من خلال ما فعلته هذه المؤسسات في التاريخ.
ويعمّم هذا الطرح ليشمل ديانات أخرى، مثل البوذية، حيث يفرّق بين شخصية المؤسس المتسامحة، والمؤسسة الدينية التي تحولت – بحسب رأيه – إلى سلطة قمعية واستبدادية. ومن هنا يصل إلى فكرة محورية: كل دين، عندما يتحول إلى مؤسسة تدّعي امتلاك “حقيقة مطلقة”، ينشئ طبقة من المفسّرين الذين يحتكرون هذه الحقيقة، ويحوّلونها إلى مصدر سلطة. وهذه السلطة، كأي سلطة أخرى، تُستخدم للحفاظ على الامتيازات ومقاومة التغيير.
وبالتالي، يرى أن “الكنيسة” هي الفاعل الحقيقي، لا النصوص. وهذه الكنيسة، بحسب راسل، لم تكن قوة أخلاقية، بل مؤسسة سلطة. ويشرح كيف أن أي دين يدّعي امتلاك “حقيقة مطلقة” سينتج طبقة من المفسرين الذين يحتكرون هذه الحقيقة، فيتحولون إلى قوة سياسية واجتماعية تسعى للحفاظ على امتيازاتها.
في هذا السياق، يربط راسل بين الدين ومعاداة التقدم العلمي، ويستشهد بأمثلة تاريخية مثل معارضة الكنيسة لأفكار غاليليو غاليلي وتشارلز داروين، ليؤكد أن الدين بطبيعته يقف ضد أي تغيير فكري؛ بل وحتى ضد الفكر الحديث في عصره مثل أفكار سيغموند فرويد، ليؤكد أن الدين يميل دائماً إلى الوقوف ضد أي تطور يهدد “الحقيقة الثابتة” التي يدّعي امتلاكها. ويعبّر عن ذلك بشكل مباشر عندما يشير إلى أن المؤسسة الدينية:
“تصبح بالضرورة معارضة لكل تقدم فكري وأخلاقي” “ become necessarily opponents of all intellectual and moral progress“.
لكن نقد راسل لا يتوقف عند الجانب الفكري، بل يمتد إلى الجانب الأخلاقي. فهو يرى أن الأخلاق الدينية ليست فقط غير ضرورية، بل ضارة في كثير من الأحيان. ويعتبر أن بعض التعاليم الدينية شجعت على القسوة بدل الرحمة، خصوصاً من خلال مفهوم “الخطيئة” والعقاب. ويضرب مثالاً بموقف الكنائس من العدالة الاقتصادية، حيث كانت – في رأيه – تدافع عن الامتيازات الطبقية، وتعارض التغييرات الاجتماعية، مثل إلغاء العبودية أو إعادة توزيع الثروة
ويخصص جزءاً كبيراً من مقاله لنقد الأخلاق الجنسية في المسيحية، معتبراً أنها قائمة على نظرة سلبية وغير طبيعية للجسد والمرأة، وأنها أدت إلى كبت وإلى أضرار نفسية واجتماعية واسعة. ويرى أن ربط الجنس بالخطيئة خلق شعوراً بالذنب غير مبرر، وساهم في نشر الجهل بدلاً من المعرفة، خصوصاً عندما منعت المؤسسات الدينية نشر التثقيف الجنسي، حتى عندما كان ذلك ضرورياً للصحة العامة. ويشير إلى أن منع المعرفة، خاصة في الأمور الجنسية، كان له آثار خطيرة على الصحة النفسية والاجتماعية، مؤكداً:
“لا أعتقد أنه يمكن الدفاع عن فكرة أن المعرفة أمر غير مرغوب فيه” “ I do not think there can be any defense for the view that knowledge is ever undesirable“.
ومن هنا ينتقل إلى نقد أعمق لفكرة “الخطيئة” نفسها، معتبراً أنها توفر مبرراً أخلاقياً للقسوة. فبدلاً من التعامل مع الأخطاء البشرية كظواهر تحتاج إلى فهم ومعالجة، يتم تصويرها كجرائم تستحق العقاب، حتى لو أدى ذلك إلى معاناة الأبرياء. وهو يرى أن هذا المنطق يعكس نوعاً من “السادية المقنّعة بالأخلاق”.
ثم يتوسع راسل في نقده ليشمل العقائد الأساسية للدين، مثل فكرة الله والروح والخلود. فهو يرى أنه لا يوجد دليل علمي أو منطقي على وجود إله، ويعتبر أن الإيمان بوجود “قوة كونية تهدف إلى الخير” هو في النهاية تعبير عن رغبة إنسانية، لا عن حقيقة موضوعية. بل إنه يعتبر أن الكون، كما يظهر علمياً، لا يقدم أي دليل على وجود هدف أخلاقي أو غاية إنسانية.
كما ينتقد فكرة الخلود الفردي، معتبراً أنها عززت النزعة الفردية على حساب المسؤولية الاجتماعية. فبدلاً من التركيز على تحسين العالم، أصبح التركيز على “الخلاص الشخصي”، وهو ما أدى، في رأيه، إلى إهمال العمل الاجتماعي والسياسي لصالح الفضائل الفردية المنعزلة.
ومن أبرز انتقاداته أيضاً فكرة “البرّ” أو “الصلاح”، التي يرى أنها في كثير من الأحيان ليست إلا تعبيراً عن رأي الجماعة، يتم فرضه بالقوة، وليست حقيقة أخلاقية موضوعية. ويقول إن هذا المفهوم يسمح للمجتمع بتبرير القسوة والعقاب، عبر تصويرها كعدالة. ويختصر هذه الفكرة بقوله:
“جوهر مفهوم الصلاح هو إعطاء مخرج للسادية عبر تغليف القسوة بلباس العدالة” “ The essence of the conception of righteousness… is to afford an outlet for sadism by cloaking cruelty as justice“.
. فتصنيف السلوك على أنه “صالح” أو “طالح” يمنح المجتمع مبرراً لمعاقبة المختلفين، ويحوّل القسوة إلى فضيلة. ويرى أن هذا المنطق كان وراء الكثير من مظاهر التعصب والاضطهاد في التاريخ.
وفي النهاية، يميز راسل بين نوعين من الاعتراض على الدين: اعتراض فكري، يقوم على غياب الأدلة على صحته، واعتراض أخلاقي، يقوم على أن تعاليمه تعود إلى عصور أكثر قسوة، وبالتالي فهي لا تتناسب مع الضمير الأخلاقي الحديث. وهو يربط بين الاثنين، معتبراً أن الإيمان دون دليل يؤدي بالضرورة إلى رفض التفكير النقدي، وإلى التمسك بالمعتقدات حتى عندما تتعارض مع الواقع.
الخلاصة التي يصل إليها راسل واضحة: الدين، في نظره، لم يكن قوة إيجابية في تطور الحضارة، بل كان – في معظم الأحيان – عائقاً أمام التقدم الفكري والأخلاقي. وإذا كان قد قدّم بعض الفوائد في بداياته، فإن هذه الفوائد محدودة جداً مقارنة بما يعتبره من أضرار واسعة وعميقة. ويصل إلى نتيجة واضحة: الدين، كما يراه، لم يكن قوة تقدم، بل كان عائقاً، وأن الحضارة تقدمت عندما بدأت تتحرر من سلطته، وتعتمد على العقل والتجربة بدلاً من الإيمان والخوف.








