الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

لماذا نهدم هويتنا السورية

علاء الدين الخطيب

عن شبكة جيرون 14/03/2017

كان موجودا، لكن بعد العام 2011 زاد لحد المرض في بلادنا، إنه جلد الذات، الذي يتكلم في معنى الدولة السورية وفقدان الهوية وإشكالية الانتماء الوطني والجدليات والصيرورات والوجوديات … الخ؛ ومن ثم يغرق في سايكس بيكو واتفاقية لوزان، ويبحر في التاريخ البعيد؛ ثم يأتي الدعم من كيسنجر، فقد قال أن سوريا دولة مصطنعة، “فالله أكبر، كيسنجر قالها، إذا نحن مجرد كذبة”؛ السوري المتكلم هنا، يقول أحيانا أنه يقف موقفا علميا تحليليا محايدا ويسهب في ذكر أسماء منظرين وفلاسفة، ليؤكد أن “لا دولة سورية”، أن “لا هوية سورية”، أو على الأقل الدولة والهوية متشظية وضائعة، وهو يريد باكيا إنقاذها وإعادة تعريفها، فحدود الدولة السورية التي نعرفها “مصطنعة” وهي قرار المستعمر، والسوريون ينتمون لطوائفهم وعروقهم وليس لسورية؛ إنه يطلق هذه الأحكام بكل بساطة، لكن اعتمادا على ماذا؟

هل فعلا سورية دولة مصطنعة لأن سايكس بيكو ولوزان رسموها؟

لننظر إلى بعض الدول في العالم، وخاصة في أوروبا، حيث نشأت الدولة الحديثة. وفق الحجة المساقة: فإن الدولة التي رسم حدودها “الأغراب” أي حكومات دول أخرى منتصرة هي حدود مصطنعة. بالواقع لو تأملنا خريطة أوروبا من بدايات القرن الماضي، مرورا بالحرب العالمية الأولى، ثم الحرب العالمية الثانية، وصولا إلى يومنا هذا، سوف نجد أن حدود معظم هذه الدول رسمتها حكومات دول أخرى، والصورة المرفقة توضح ذلك. كذلك الأمر ستصيبنا الدهشة لو نظرنا لخريطة الولايات المتحدة الأميركية والمكسيك وتغيرها خلال القرنين الماضيين، بل وتغير الولايات المتحدة مع بدايات القرن. ولن تفاجئنا خريطة آسيا كذلك ما بين الصين ومنغوليا والدولة التي اختفت عن الخريطة منشوريا بعد أن عاشت لمدة ثلاثة قرون قبل العام 1912.

eu map historyبالواقع من النادر أن نجد دولة في العالم حافظت على حدودها كما هي خلال القرنين الماضيين، وغالبية الدول تغيرت حدودها خلال القرن الماضي. الادعاء أن رسم الحدود من محتل أجنبي يعني أن ذلك تهديم لمعنى الدولة سيؤدي لعدم الاعتراف بغالبية دول العالم.

هل فعلا لا توجد هوية سورية؟

لا أريد الدخول في خلافات نظرية حول تعريف الهوية الوطنية، إنها ببساطة شعور الشخص بالانتماء لدولة أو أمة، تميز نفسها من حيث الثقافة واللغة والتقاليد وأيضا الأرض؛ الهوية الوطنية هي بعمقها شعور نفسي عاطفي بالانتماء لجماعة من البشر، تعطي الفرد وعيا بالاختلاف عن جماعات بشرية أخرى، وتشعره بمعنى “نحن” و”هم”. وهي غير الجنسية، فقد يحمل الصيني جنسية أميركية، ويتمتع بممارسة حقوق المواطنة ويؤدي واجباتها كمواطن أميركي، لكنه يشعر دائما أنه صيني أميركي ومختلف عن البقية.

ما حصل مع الكثيرين أنهم خلطوا ما بين الهوية الوطنية وما بين المواطنة، فظهرت أسئلة غير ذات معنى “كيف يمكن لإنسان عاش تحت حكم الديكتاتورين الأسدين دون حقوق ولا كرامة إنسانية أن يملك هوية أو يعيها؟” بالواقع هذا السؤال صحيح لو كان عن “المواطنة”، فطبعا مع أي حكم ديكتاتوري لا يوجد مواطنة بالمعنى الكامل للمواطنة في العصر الحديث.

لكن الهوية الوطنية مفهوم آخر تماما، فقد تكون الهوية هي الانتماء لجمهور الناس الواقع تحت ظلم الديكتاتور، بمعنى أن الانتماء للشعب السوري ليس مشروطا بالديمقراطية واستقرار حقوق المواطنة. وليس بالضرورة أن يكون للهوية الوطنية عمق كبير بالتاريخ، فدول القارة الأميركية كلها دول حديثة نسبيا، لكن لا يمكن لأحد إنكار هوية أي بلد منهم، وحتى إذا دققنا بالهويات الوطنية الأوروبية، ووفق ما وضحناه سابقا عن تغيرات الخريطة السياسية، فالعديد من هذه الدول صغيرة العمر لا تعود لما قبل الحرب العالمية الثانية، بل إن بعض دول أوروبا الشرقية لم تتجاوز بعمرها بضعة عقود.

يقدم آخرون الحجة المعهودة المرتبطة بالمأساة التي تعيشها سورية منذ 6 سنين، وضجيج الدعوات الطائفية والعرقية، وحروب المليشيات المسلحة تحت رايات سنية وشيعية وكردية وعربية؛ ويستنتجون، بسهولة صادمة، أن الانتماء الطائفي والعرقي أقوى من الانتماء الوطني السوري. ومرة ثانية نعود للمقارنة، غالبية دول العالم شهدت حروبا أهلية بين مكوناتها، وأحيانا أكثر دموية مما جرى في سوريا، وطبعا كانت هذه الحروب تقدم المحرض الديني أو القبلي أو العرقي لكي تتجمع الجيوش تحت إمرة صانعي الحرب، لكن هل ضاعت هوية هذه البلاد والدول؟ ومن قال أن الهوية الوطنية بالضرورة تلغي الهوية الدينية أو العرقية أو حتى القبلية؟ الهوية هي شعور مجموع الطوائف والأديان والعرقيات والقبائل بالانتماء لهذه الدولة أو الأمة، لكن مهمة المواطنة، ولأنها وعي وقانون وحقوق وواجبات، هي إلغاء هذه الفروق بين الأفراد على مستوى الحقوق الإنسانية والمواطنية والأخلاقية، وإبقاء هذه الفروق ضمن حيز التنوع الإنساني.

فلماذا يقاتل السوريون بعضهم إذا؟ لنختصر الجواب، أولا، ليس كل المقاتلين مفروزون حسب انتمائهم الطائفي أو العرقي، بل غالبا حسب موقفهم السياسي، الاختياري أو الإجباري؛ وثانيا، من هي تلك الدولة التي اجتمعت عليها كل هذا العدد من الدول العظمى والصغرى، وتم ضخ كل هذه الأموال والأسلحة والتحريض الإعلامي فيها، مثل سوريا في كامل التاريخ البشري؟ بالمقارنة النسبية لن نجد أي دولة وقعت بين فكوك كل هذه الوحوش المتصارعة، فكيف نتوقع، حتى من شعب ملائكي، ألا تلتهب مشاعر جماعته الصغيرة؟

أخيرا، لو سألت كل المتقاتلين في سورية، بغض النظر عن أنك تخونهم أو تؤيدهم أو تخالفهم، لماذا تقاتلون ومن أنتم؟ لأجاب غالبيتهم “نحن نحمي سورية”. ربما لن نسمع هذا الجواب من قلة من مغسولي الدماغ بخبر الخلافة الإسلامية، أو الدولة الكردية أو العربية الكبرى.

التشاؤم سلوك سهل جدا لا يحتاج لمهارات خاصة، وهذه الأسئلة المشككة أو الناسفة لمفهوم الدولة والهوية السورية، من خلال الخلط مع المواطنة، أو من خلال الخبرة الشخصية، أو من خلال شعور القهر العميق الذي ولد يأسا من أي مستقبل، لا يقدم أي خير لإنقاذ ما تبقى؛ الدولة السورية قائمة بحدودها منذ 1946 مستقلة ولا معنى لكل هذه السفسطة حول التقسيم المصطنع؛ والهوية السورية هي بكلمة واحدة “أنا سوري”، ولا تحتاج لكتب أو فلسفة أو أكاديميات. ما تحتاجه سورية هي إعلاء شأن المواطنة ووعيها ودراستها وإعادة تعريفها وبعثها. بالواقع ربما تكون كل هذه الآلام والمعاناة التي لم توفر سوريا واحدا من نيرانها هي ترسيخ للهوية السورية، وربما تكون أعمق من أن هوية مواطن سويسري أعظم همومه هي أين يقضي إجازة العطلة الصيفية.

 

رابط مختصر:
http://wp.me/P2RRDZ-y5

 

 

 

 

 

قد يهمك