رؤية الإعلام والأحزاب الألمانية لزيارة الشرع، حقيقة ترحيل 80 بالمئة من اللاجئين السوريين
رؤية الإعلام والأحزاب الألمانية لزيارة الشرع، حقيقة ترحيل 80 بالمئة من اللاجئين السوريين
علاء الخطيب
31/.3/2026
لم تكن زيارة أحمد الشرع إلى برلين خلال الأيام الماضية حدثاً دبلوماسياً تقليدياً، بل تحوّلت سريعاً إلى لحظة كاشفة لتقاطعات معقّدة بين السياسة الخارجية الألمانية، والانقسام الداخلي حول الهجرة، وحدود البراغماتية في التعامل مع أنظمة انتقالية مثيرة للجدل.
الإعلام الألماني لم يتعامل مع زيارة أحمد الشرع إلى برلين كحدث بروتوكولي عادي، بل كزيارة محمّلة بثلاث عدسات أساسية: عودة اللاجئين، شرعية التعامل مع شخصية مثيرة للجدل، وفرص إعادة إعمار سوريا والمصالح الاقتصادية الألمانية.
الهجرة كعدسة تفسير: عندما تصبح السياسة الخارجية شأناً داخلياً
غطّى الإعلام الألماني الزيارة بشكل شبه موحّد من زاوية واحدة: عودة اللاجئين السوريين. تصريحات المستشار فريدريش ميرتس حول إمكانية عودة نسبة كبيرة من السوريين خلال السنوات القادمة، خصوصاً الرقم المتداول (80%)، تحولت إلى العنوان الرئيسي في معظم التغطيات .
بهذا المعنى، لم تُقدَّم الزيارة كتحوّل في السياسة الخارجية بقدر ما قُدِّمت كأداة ضمن نقاش داخلي ألماني محتدم حول الهجرة والاندماج، وكانعكاس لمنهجية سياسية واقعية براغماتية تتعامل مع الواقع القائم كما هو.
إعلام منقسم: اختلاف في اللغة، اتفاق في الشك
الانقسام الإعلامي كان واضحاً، لكنه لم يصل إلى حد التناقض الكامل:
وسائل محافظة وشعبوية مثل BILD وWELT ركّزت على الطابع “المثير للجدل” للزيارة، مع إبراز الخلفية السياسية والأمنية للشرع وربطها بمخاوف تتعلق بالتطرف والهجرة.
في المقابل، وسائل ليبرالية مثل TAZ وDIE ZEIT قدّمت نقداً مختلفاً: حيث اعتبرت أن الحكومة تستخدم خطاب “الاستقرار وإعادة الإعمار” كغطاء لسياسة هدفها الفعلي هو تسهيل عودة اللاجئين وتخفيف الضغط السياسي الداخلي.
الإعلام العام: براغماتية محسوبة دون تطبيع، وسائل الإعلام العامة مثل ZDF وDeutschlandfunk اعتمدت خطاباً أكثر توازناً، لكنه ظل حذراً. التوصيفات مثل “زيارة مثيرة للجدل” و”قيادة انتقالية” تعكس محاولة الجمع بين: الاعتراف بضرورة التواصل السياسي، ومع الحفاظ على مسافة نقدية مرتبطة بحقوق الإنسان. بعبارة مختصرة: قبول بالتعامل… دون منح شرعية كاملة.
ورغم هذا التباين، بقي القاسم المشترك: غياب أي احتفاء حقيقي بالزيارة أو محاولة تلميع صورة الشرع. كذلك فإن عدة وسائل أشارت إلى احتجاجات مؤيدة ومعارضة في برلين، وإلى الإجراءات الأمنية المشددة، وهذا عزز صورة الزيارة كحدث خلافي داخل المجتمع الألماني نفسه. يعني الخبر لم يُقدَّم فقط على أنه “لقاء بين دولتين”، بل أيضًا كحدث يحرّك الانقسامات الألمانية حول الهجرة، الإسلام السياسي، والسياسة الخارجية الواقعية.
الأحزاب الألمانية: انقسام سياسي يعكس الانقسام الإعلامي
لم يقتصر الجدل على الإعلام، بل امتد بوضوح إلى الساحة الحزبية الألمانية، حيث ظهرت ثلاثة خطوط رئيسية:
اليمين الشعبوي: رفض حاد وتوظيف للهجرة
حزب البديل من أجل ألمانيا AFD تعامل مع الزيارة كدليل إضافي على “فشل سياسة الهجرة”، وركّز على ضرورة تسريع الترحيل وربط أي انفتاح على دمشق بعودة السوريين فوراً، اعتبروا أن وعود ميرتس بإعادة 80% من السوريين هي “وعود فارغة” و”ذر للرماد في العيون” قبل الانتخابات. خطاب الحزب كان الأكثر حدّة، حيث استخدم الزيارة لتعزيز سرديته حول الأمن والهوية، فيحاول “اللعب على الحبلين”؛ من جهة يريد ترحيل السوريين (وهو ما تهدف إليه الزيارة ظاهرياً)، ومن جهة أخرى يرفض أن يتم ذلك عبر “شرعنة” أحمد الشرع كشريك سياسي، ويستخدم تاريخه القتالي كأداة لضرب مصداقية الحكومة الألمانية الحالية.
اليسار والخضر: نقد أخلاقي وتحذير من التطبيع
أحزاب مثل الخضر واليسار وتحالف 90 لم ترفض التواصل من حيث المبدأ، لكنها انتقدت بشدة توقيته وشكله، معتبرة أن الحكومة تتجاهل ملف حقوق الإنسان، وتغامر بمنح شرعية سياسية غير مستحقة لقيادة انتقالية لم تُختبر بعد. هذا الخط يعكس قلقاً من أن تتحول “الواقعية السياسية” إلى تطبيع مبكر.
ركز الخضر على ملف الأقليات والقوى الديمقراطية. وأعربوا عن قلقهم من أن الصفقة مع الشرع قد تتم على حساب “الإدارة الذاتية” في شمال شرق سوريا (الكرد) والأقليات الدينية. وانتقدوا “الأرقام الجوفاء” (نسبة الـ 80%)، معتبرين أن العودة يجب أن تكون طوعية وبضمانات دولية، وليس عبر “صفقات سياسية” تهدف لتهدئة الناخبين اليمينيين قبل الانتخابات الإقليمية.
كان حزب اليسار الأعلى صوتاً في رفض الزيارة من منظور حقوقي وإنساني، وصف قادة الحزب (مثل يان فان أكين) استقبال الشرع بأنه “إفلاس أخلاقي” للحكومة الألمانية. واعتبروا أن ميرتس “يُطبع مع إسلامي متطرف سابق” من أجل مكاسب سياسية داخلية؛ كما رفضوا بشدة وعد ميرتس بإعادة 80% من السوريين، واصفين إياه بـ “غير الإنساني“. وأكدوا أن سوريا لا تزال غير مستقرة أمنياً، وأن إجبار الناس على العودة يمثل انتهاكاً لاتفاقية جنيف للاجئين.
الوسط السياسي: براغماتية مشروطة
في المقابل، تبنّت أطراف من التيار الوسطي، خاصة داخل الاتحاد المسيحي الديمقراطي CDU، مقاربة أكثر براغماتية، ترى أن الاستقرار في سوريا مصلحة أوروبية، والتواصل مع السلطة القائمة، حتى لو كانت انتقالية، هو خيار عملي لا يمكن تجاهله. لكن حتى هذا المعسكر لم يقدّم دعماً مطلقاً، بل ظل حذراً ومشروطاً.
الشرعية المؤجلة: حضور سياسي بلا اعتراف كامل
رغم الطابع الرسمي للزيارة، لم يتم التعامل مع الشرع إعلامياً أو سياسياً كرئيس دولة طبيعي. التوصيفات بقيت تدور حول “المرحلة الانتقالية” و”الشخصية المثيرة للجدل”. وهذا يعكس حالة يمكن وصفها شرعية مؤجلة أو قبول وظيفي دون إعادة تأهيل كاملة.
الاقتصاد في الخلفية: ملف مهم بلا تأثير إعلامي
رغم الحديث عن إعادة الإعمار وفرص التعاون الاقتصادي، ووجود إشارات إلى تمويلات ومشاريع محتملة، بقي هذا الملف ثانوياً في التغطية. الاهتمام الإعلامي بقي مركّزاً على الهجرة، والجدل الأخلاقي حول الزيارة.
زيارة دبلوماسية… أم مرآة لأزمة ألمانية؟
اللافت أن التغطية لم تقتصر على الاجتماعات الرسمية، بل ركزت أيضاً على الاحتجاجات في برلين، الإجراءات الأمنية، والانقسام الشعبي حول الزيارة. وهذا يعزز فكرة أن الحدث لم يكن مجرد لقاء بين دولتين، بل مرآة لانقسام داخلي ألماني حول الهجرة، الإسلام السياسي، وحدود البراغماتية في السياسة الخارجية.
الخلاصة: بين الضرورة والإحراج
في المحصلة، يمكن تلخيص موقف الإعلام والسياسة في ألمانيا تجاه الزيارة بعبارة واحدة: هي زيارة مفهومة سياسياً، لكنها غير مريحة أخلاقياً.
فبينما تدفع المصالح الاستراتيجية نحو الانفتاح على دمشق، يبقى القلق قائماً من منح شرعية مبكرة، أو توظيف الزيارة داخلياً على حساب مبادئ أوسع.
وهكذا، تحوّلت زيارة أحمد الشرع إلى أكثر من حدث دبلوماسي إلى اختبار حقيقي لقدرة ألمانيا على التوازن بين الواقعية السياسية والالتزام القيمي.
دليل مبسط: هل ترحيل 80% من السوريين ممكن فعلاً؟
رغم التصريحات السياسية الحادة، هناك “فلاتر” قانونية ومعوقات واقعية تجعل تنفيذ هذا الرقم أمراً شبه مستحيل خلال 3 سنوات. إليك ما يجب أن تعرفه عن وضعك القانوني:
القاعدة الذهبية: لا يوجد “ترحيل جماعي“
في القانون الألماني، لا يمكن ترحيل “شعب” أو “جالية” بقرار واحد. كل ملف يُدرس بشكل فردي. حتى لو قالت الحكومة إن سوريا آمنة، يحق لك إثبات أن وضعك أنت الشخصي غير آمن، وهذا يتطلب سنوات من المراجعات القضائية.
نوع إقامتك هو “درعك” القانوني
الإقامة الدائمة : أنت في منطقة الأمان القصوى. لا يمكن سحب إقامتك إلا إذا ارتكبت جرائم تمس أمن الدولة. خطط الترحيل لا تشملك قانوناً.
الإقامة المؤقتة / الحماية الثانوية: نعم، يمكن للحكومة إعادة تقييم وضعك إذا استقر بلدك، لكن هذا لا يعني ترحيلك فوراً. إذا كنت تعمل، تتحدث الألمانية، أو لديك أطفال في المدارس، فإن قوانين “الاندماج” تحميك وتسمح لك بتحويل نوع إقامتك.
أصحاب الـ (Duldung) أو المرفوضين: هؤلاء هم الفئة الوحيدة التي قد تواجه إجراءات ترحيل مباشرة، وغالباً ما تبدأ بمن ارتكبوا مخالفات قانونية.
المستحيل اللوجستي
ترحيل 800 ألف شخص يحتاج إلى:
آلاف القضاة والموظفين لدراسة الملفات (وهذا غير متوفر حالياً).
تكاليف مادية بالمليارات.
سنوات طويلة من الطعون القضائية في المحاكم، حيث يحق لكل شخص استئناف قرار ترحيله.
الخلاصة للاجئ:
ما تسمعه في الأخبار هو “طموح سياسي” لتهدئة الشارع الألماني قبل الانتخابات أو لفرض واقع جديد. أما “الواقع القانوني” فيقول إن الاندماج، العمل، والالتزام بالقوانين هي أقوى ضمانات بقائك، وأن الدولة الألمانية لا تملك القدرة الإدارية ولا الغطاء القانوني لترحيل مئات الآلاف “بجرة قلم”.
رغم الطابع الحاد للتصريحات السياسية حول إعادة أعداد كبيرة من اللاجئين، فإن الواقع القانوني والإجرائي يجعل تنفيذ مثل هذا الهدف بالغ التعقيد. فقرارات الترحيل في ألمانيا لا تُتخذ بشكل جماعي، بل تخضع لمراجعة فردية لكل حالة على حدة، وفق معايير الحماية الدولية والقانون الأوروبي، وعلى رأسها مبدأ عدم الإعادة القسرية. كما أن أوضاع اللاجئين تختلف قانونيًا بحسب نوع الإقامة: فالحاصلون على إقامة دائمة يتمتعون بحماية شبه كاملة من الترحيل، ولا يمكن المساس بوضعهم إلا في حالات استثنائية ضيقة، بينما يخضع الحاصلون على حماية مؤقتة أو فرعية لإمكانية إعادة التقييم في حال تغيّر الظروف في بلدهم، دون أن يعني ذلك تلقائيًا سحب الحماية أو الترحيل. أما الفئات التي لا تحمل وضعًا قانونيًا مستقرًا، فهي وحدها التي يمكن أن تكون عرضة لإجراءات الترحيل المباشر، وغالبًا ضمن نطاق محدود. وفي جميع الأحوال، فإن التعامل مع مئات آلاف الملفات الفردية—إداريًا وقضائيًا—يفرض عبئًا لوجستيًا هائلًا على مؤسسات الدولة، من حيث الوقت والموارد والكلفة، خاصة مع احتمالات الطعن القضائي وإعادة التقييم المستمر لكل حالة. لذلك، تبدو فكرة تنفيذ عمليات إعادة واسعة خلال فترة زمنية قصيرة، مثل ثلاث سنوات، أقرب إلى التحدي البنيوي منها إلى خطة قابلة للتطبيق السريع.