22/10/2019
علاء الدين الخطيب
الثلاثاء الماضي نشر المراسل أولغ بلوخين الذي يعمل مع الكرملين فيديو على صفحته على الفيسبوك حول ماذا ترك الأمريكيون في انسحابهم السريع من منبج، مظهرا الخيام والمقرات المتروكة على عجل. وفي فيديو آخر بثته وكالة أنْنا نيوز الروسية العاملة مع الكرملين على اليوتيوب نرى تفاصيل أكثر حول ماذا ترك الجنود الأمريكيون خلفهم، أجهزة مقطوعة الكابلات، متعلقات شخصية، وجبات لم ينتهوا من أكلها، برادات مليئة بالمياه الغازية. التقرير يقول أنهم تحركوا فجأة وبشكل مفاجئ، فما وُجد خلفهم يدل على أنهم كانوا يخططون للبقاء فترة أطول.
https://www.youtube.com/watch?v=X5dyWr7NAhY&feature=youtu.be
ونقلت النيويورك تايمز عن الباحث الروسي المتخصص بالشرق الأوسط ألكساندر شوميلين من معهد أوروبا في أكاديمية العلوم الروسية قوله: “ما يحدث الآن رباط معقد جدا لا يمكن فكه، هذه هدية غير متوقعة لبوتين“.
وأضاف شوميلين موضحا: “يجب أن أقول أن معظم النجاح الذي أصابته روسيا في سوريا، لم يكن نتيجة توجيه موسكو جهودها لتحقيقه، هذه النجاحات ببساطة سقطت في حضن بوتين وموسكو مثل المنِّ يسقط من الجنة نتيجة السلوك الغريب للدول الغربية وتركيا“.

وعلى ما يبدو أن لا سعادة تعادل سعادة بوتين، فهو يهيئ نفسه لملء الفراغ الذي تركه الأمريكيون، وبنفس الوقت سيزيد من قوة علاقة تركيا ببلاده، وبالتالي إبعادها عن حلفائها الغربيين والناتو. ولا ننسى أنه منذ أيام قام بزيارة مهمة إلى الإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية، أيضا ليقدم ما لديه لملء الفراغ الذي خلقته الأحداث الأخيرة في الخليج، والتي قلصت من ثقة حكومات الخليج العربي باستعداد الولايات المتحدة الأمريكية لنجدتها.
اليوم الثلاثاء سيلتقي بوتين مع أردوغان، والخميس مرة ثانية سيعود نائب ترامب ووزير خارجيته مايك بينس ومايك بومبيو إلى أنقرة للقاء أردوغان، بعد أن يكون الأخير قد تفاوض مع بوتين على أسس التعاون مع روسيا، وأسس تجنب الاحتكاك مع قوات النظام الأسدي على الحدود السورية التركية.
أما ترامب فعلى ما يبدو أن سياسة الانعزال الأمريكية التي يؤمن بها على كل الصعد تسير وفق خطته، خاصة وأن روسيا ستتلقف هديته بكل حفاوة، وستحاول القيام بما لم يرد هو القيام به. خاصة وأنه قد استطاع إقناع بعض سياسيي الجمهوريين أن سياسته في سوريا صحيحة، وستجنب الولايات المتحدة مصاريف غير ضرورية. أي أن تاجر العقارات الأمريكي يمارس مهنته بكل حرفية ما بين السمسرة والتدليل، لكن هل هذا هو ترامب الذي تنبأ به أتباعه العرب يوم استلم الرئاسة شامتين بأوباما الذي وصفوه بالرئيس الضعيف؟
هل سيترك ترامب سوريا؟ الاحتمال قائم ما لم تتصاعد إجراءات إقالته. لكن هل سيبقى الأمريكيون طويلا خارجها؟ من المستبعد أن يحصل ذلك، فرغم أن تسليم روسيا الملف، والذي يحمل تأثيرا جانبيا قد يبدو مفيدا للأمريكيين، وهو استنزاف روسيا أكثر في منطقة شديدة التوتر، وكذلك دفع تركيا وروسيا للصدام مرة ثانية بين رؤية الطرفين حول سوريا، بما قد يوتر العلاقات بينهما؛ إلا أن الخسارة الأمريكية ستتزايد مع توسع سياسة ترامب بالانسحاب من المناطق الحيوية حول العالم عسكريا، ولاحقا سياسيا، وبالتوازي مع سياسة الانكفاء الاقتصادي التي يتبعها.
السؤال الأهم: هل سيستطيع بوتين وأردوغان التوافق على استراتيجية وتكتيكات عملهم في الشمال السوري؟ وهل ستستطيع مسد التأثير على توافقهما أو اختلافهما؟ وهل يمكن لمسد أن تقبل إدخال جنود وأمن النظام إلى داخل المدن وسيطرته عليها؟ وهل أساسا يملك النظام الأسدي الإمكانيات العسكرية والأمنية لفعل ذلك؟ أسئلة كثيرة معلقة حتى نهاية الأسبوع القادم.
أسئلة كثيرة بحاجة لقراءة متروية بعيدة عن حكايا نظريات المؤامرة، والتكهن بعبقريات تضع الخطط بعيدة المدى، وبعيدا عن حرب التخوينات والاتهامات. فلا بوتين ولا أردوغان ولا ترامب كانوا يتوقعون قبل شهور تطور الأحداث بهذا الشكل.









