الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

إعلام الحماقة ووصول ترامب

06/02/2017

علاء الدين الخطيب

 

رونالد ترامب يصل إلى كرسي أقوى رجل في العالم، رئيس الولايات المتحدة الأميركية؛ تيريزا ماي تصل إلى رئاسة أحد أقوى دول العالم، المملكة المتحدة؛ اليمين الأوروبي المتطرف يحقق نتائج قوية في الانتخابات الأوروبية تنذر بقرب وصوله لحكم بعض دول أوروبا الغربية أو كلها؛ هل حصل هذا فجأة وبغفلة من التاريخ؟ وكيف استطاعت ظاهرة التطرف اليميني أن تصبح قوة في الغرب، قوة تتعارض أساسا مع مصالح الغرب الاستراتيجية ومع مكاسب الشركات الكبرى الغربية؟

كي لا نغرق في التاريخ الحديث، يمكن القول إن البداية كانت مع انهيار المعسكر السوفياتي، وانطلاق النظام العالمي الجديد بقيادة وصياغة أميركية منذ التسعينات. تم بناء هذا النظام في زهوة فرحة الانتصار على السوفيات، وبغرور المنتصر لكن الغير مستبصر، وبتسرع هائل قادته الشركات الكبرى والبنوك والمؤسسات المالية الغربية، فنتج نظام مليء بالعيوب والتشققات، لأنه لم يتخلص من عقلية الرأسمال التقليدية بالسعي للربح السريع، ولا من عقلية الحرب الباردة في إدارة الأزمات والتآمر ضمن الصراع الدولي الأزلي. فكانت الأزمة المالية العالمية عام 2008 أول زلزال هز هذا النظام، زلزال لم ينته كما يتوهم العديدون، بل هو مستمر في هزات ارتدادية قد تؤدي لكوارث بركانية. وهنا يكمن السبب الأول لصعود اليمين المتطرف في الغرب، فالعلاج الذي قامت به الحكومات تم على حساب المواطن العادي لصالح نفس الشركات والبنوك التي سببت الأزمة أصلا، وبذلك تخلى الغرب الرأسمالي لحد بعيد عن أحد أهم أسس قوته، وهي العدالة الاجتماعية النسبية، التي كانت مطبقة من خلال توزيع للثروة يقنع الطبقة الأفقر أنها تملك ما يكفي لحياة جميلة نسبيا.

السبب الثاني الذي أدى لزيادة هذا الشعور بالغضب، هو أنه ورغم التطور التكنولوجي الهائل خلال العقود الأخيرة، ودخول الآلة كبديل لليد العاملة البشرية، إلا أن ذلك لم ينعكس على حالة الطبقات المتوسطة والفقيرة في المجتمعات الغربية، فلم تنقص ساعات العمل، ولا ازداد الأجر، ولم يغط الازهار الاقتصادي الضمانات الأساسية الصحية والاجتماعية لعموم الناس.

السبب الثالث والأهم هو انفجار ثورة الاتصالات والمعلومات عبر العالم. فمواطن القرن الواحد والعشرين أصبح يملك إمكانية الاختيار بين عدد لانهائي من المصادر لمعلوماته. فبعد أن كانت صناعة الرأي العام الغربي، رغم حريتها النسبية، مساقة من قبل السلطة السياسية والاقتصادية وإلى حد معقول من قبل النخبة الفكرية خلال القرن الماضي، دخلت هذه الصناعة في فخ الفوضى العارمة، فوضى ناتجة عن عاملين:

العامل الأول هو إعلام الحماقة، كما عبر أحد الإعلاميين الأميركيين: لقد أتاحت الإنترنت لمن كان يلقي حماقاته بين أصدقائه في آخر الليل بعد عدة أكواب من النبيذ أن يصبح محللا وإعلاميا يلقي كلامه أمام الملايين. واستخدام كلمة الحماقة ليس بالمعنى الاستعلائي على حق الناس أن يعبروا عن رأيهم، لكن بمعنى عدم الأهلية لمناقشة القضايا العامة عند العديدين من الناس، لسبب بسيط أن الغالبية من عامة الناس مشغولة في ملاحقة همومها الفردية اليومية، وعندما تريد ربطها بالحالة العامة للمجتمع تسعى خلف ابسط الأفكار وأسهلها، ولا تستطيع إعطائها ما يلزم من وقت وجهد لتحليل عمق هذه المشاكل. فليس مستغربا أن تزداد أعداد المتبنين لنظرية أن الأرض مسطحة، وأن تعود أفكار الفوارق بين الأعراق البشرية، والرجل والمرأة للانتشار، وأن تستعيد الأيدولوجيات الدينية الاقصائية قوتها، وأن يجد المعسكر الرافض لاتفاقيات حماية البيئة انتشارا أكبر، وأن تظهر في الغرب نظرية المؤامرة بشكلها الخرافي، والمتبنية لوجود مؤامرة صينية وأخرى إسلامية ضد الغرب.

العامل الثاني هو دخول الكثير من المال لسوق الإعلام وصناعة الرأي العام الغربي، فقد أصبحت التكاليف أقل بكثير، ومن الممكن للرساميل الصغيرة أن تحدث فرقا في سوق الإعلام، ولأن الصراع في السوق أساسا معقد ومتداخل بشكل كبير، فهناك مصالح مالية خلف سياسات العزلة الوطنية، بمعنى الابتعاد عن النظام العالمي التجاري المفتوح، حتى لو تعارضت هذه المصالح مع مصالح كبرى الشركات العابرة للقارات، وهذا الإعلام الدخيل وجد ساحة خصبة فيما سميناه إعلام الحماقة؛ فهذه المصالح القصيرة المدى استطاعت توفير إجابات أقرب إلى الغريزة الإنسانية اللاعقلانية، أي إجابات سهلة وملموسة لا تهتم بتعقيد الفضاء العالمي، وعزز هذا الإعلام انتشار الأفكار السهلة باستغلال الغضب والتذمر السائد في الشارع الغربي. ليس القصد هنا القول أن الإعلام كما كان هو الأفضل مع القنوات الكبرى، أو أنه كان مهنيا وحياديا، لكنه كان متسقا أكثر مع قوانين الصراع في السوق، وبنفس الوقت لا يستطيع تجاهل القيم الإنسانية الأساسية، ولا الإمعان في الكذب والتسطيح المفضوح.

من أسهل أنواع السيطرة على العقل الجماعي للمجموعات البشرية الضخمة، هي إطلاق عقال الأحكام التعميمية السلبية الساذجة بمضمونها، لكن الكافية لإقناع شريحة واسعة من البشر، لأنها تقدم “شيطانا افتراضيا” يمكن أن يحمل عبء الخطايا ويريح العقل الجماعي من النقد الذاتي وفهم الواقع المعقد. لطالما تم استخدام هذه الوسيلة تاريخيا في حكم الشعوب، وليس آخرها إطلاق جورج بوش مقولة “إما معنا أو ضدنا” وترسيخه لفكرة أن العالم يكره الأميركيين من خلال سؤال “لماذا يكرهوننا؟”. وفي السنوات الأخيرة، وخاصة بعد أزمة 2008 العالمية، انتشرت بالشارع الغربي وخاصة الأميركي أحكام تعميمية كثيرة، منها ما يدور حول الخطر الأصفر الصيني، وحول الخطر الإسلامي، وأيضا حول كذب وفساد الطبقة السياسية والمالية التي سببت الأزمات الاقتصادية، وانحسار الثقة بالنخبة الفكرية الصانعة للرأي العام، وقد رأينا أن أهم مرتكزات دعاية ترامب الانتخابية كانت التشكيك في الإعلام والسياسيين والأكاديميين والاحصائيات الرسمية.

إن وصول ترامب للسلطة في الولايات المتحدة الأميركية، وصعود اليمين الأوروبي المتطرف، ليس حدثا مفاجئا خارج السياق التاريخي، بل هو نتيجة حتمية لفوضى أسسها النظام العالمي الجديد الأميركي، هذه الفوضى خلقت ثغرات كبيرة استطاع من خلالها اليمين الغربي المتطرف القفز والانتشار السرطاني ضمن هذه المجتمعات، فالمسؤولية الإنسانية والأخلاقية بالواقع ليست فقط على هذا اليمين، بل على الطبقة السياسية والنخبوية الغربية أولا، وبمباشرة أكثر وصول ترامب هو خطية أوباما أكثر منه حظ ترامب السعيد.

هذه الظواهر الغربية متصلة بالضرورة بالمشاكل التي تواجهها منطقتنا، ما بين الديكتاتوريات التقليدية الحديدية، وما بين صعود التيار الإسلامي السياسي بكل أشكاله المعروفة وبلونيه السني والشيعي؛ الفرق الأساسي عن الغرب هو أن الرساميل العربية كبيرة وصغيرة مشتركة في مصلحة تحميق العقل الجماعي، لأنها أساسا نتاج نظم حكم شمولية فاسدة، لكن هذا يحتاج لمقال آخر.

 

 

عن: شبكة جيرون

 

 

 

 

 

قد يهمك