الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

تكاليف اللجوء السوري الاقتصادية خارج سورية حتى منتصف 2017

14/10/2017

علاء الدين الخطيب

 من دراسة موسعة حول اللجوء السوري في دول الجوار، واللجوء في أوروبا) المرجع 1).

وفق احصائيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNCHR حتى منتصف العام 2016، يوجد 13.5 مليون سوري، بمن فيهم 6 ملايين طفل، بحاجة للحماية والمساعدة الإنسانية؛ بينهم 6.5 مليون مهجرين من بيوتهم داخل سورية، أكثر من 5 مليون لاجئ سوري في دول الجوار ومصر، بالإضافة لما يقارب مليون لاجئ سوري في أوروبا، بمن فيهم 235 ألف طفل تحت عمر الأربعة عشر سنة. هي أرقام مرعبة، من بين 23 مليون سوري كانوا مقيمين في سورية في العام 2010، أكثر من نصفهم مشردون في بقاع الأرض، وأكثر من نصف أطفال سورية يخضعون لتجارب حياتية مريرة.

غادر ملايين السوريين بيوتهم مُكرهين، خوفا على حياتهم وحياة أطفالهم، عديد منهم استطاعوا في آخر لحظة لملمة مدخرات العمر، وغالبية منهم نزحوا خالي الوفاض، إلا من رحمة السماء. وتوجهوا نحو ملاذات أكثر أمنا واستقرارا، على أمل عودة سريعة للوطن، أمل يتضاءل يوما بعد يوم، مع توحش الأطراف المتصارعة فوق سورية.

تجاوز عدد اللاجئين السوريين المسجلين لدى UNHCR، في دول الجوار ومصر في آذار/مارس 2017، الخمسة ملايين لاجئ؛ حوالي 2.97 مليون في تركيا، أكثر من مليون في لبنان، حوالي 658 ألف في الأردن، وحوالي 237 ألف في العراق، وأكثر من 120 ألف في مصر؛ تصل نسبة الأطفال بين هؤلاء إلى 48%.

clip_image002

تتباين الحالة المعاشية للاجئين السوريين في دول اللجوء كثيرا، فهم يعيشون أسوء الظروف في لبنان، وبظروف أفضل قليلا لكن دون المستوى المقبول في الأردن، وبحالة أفضل في كوردستان العراق، وتركيا ومصر؛ أما من حالفه الحظ ولم تبتلعه مياه المتوسط، فيعيش نسبيا بحالة جيدة في أوروبا الغربية. هذا التباين يعود لسببين أساسيين:

·        أولا حالة وسياسة الدولة المضيفة، من الناحية الاقتصادية والسياسية والقانونية، فمن المتوقع أن تكون حالهم أفضل في تركيا مقارنة بدول الجوار، فهي الدولة الأغنى بين هذه الدول، والأكثر استقرارا وتطورا مؤسساتيا. ومن المتوقع كذلك أن تكون حالهم أسوء بكثير في لبنان، ليس فقط بسبب مشاكل لبنان الاقتصادية، بل بسبب طبيعة السلطة السياسية المفككة والمتناحرة داخل لبنان، وبسبب تدني مستوى أداء مؤسسات الدولة اللبنانية، حتى مع مواطنيها. بينما حال السوريين في أوروبا هي الأفضل، لأن دول أوروبا الغربية دول غنية جدا بالنسبة لدول الجوار، وهي دول مؤسساتية متطورة ذات نظام قوي، وتتمتع بتأسيس قانوني وتشريعي راسخ لحماية حقوق الإنسان، حتى لو كان هذا الإنسان لاجئا إليها. والكلام هنا عن الظروف السياسية والاقتصادية وليس عن الشعوب، فغالبية الشعوب في هذه الدول أبدت تضامنا وتعاطفا إنسانيا راقيا، حسب استطاعتها.

·        ثانيا حال اللاجئين السوريين أنفسهم؛ فعديد ممن لجأ لمصر في بداية الأزمة، كان ممن يملك هامشا ماديا معقولا، بالمقارنة النسبية، فاستطاع تأسيس حياة مقبولة في مصر. لكن غالبية السوريين الفقراء لجؤوا إلى لبنان والأردن وتركيا، وهم الأكثر حاجة للمساعدة والدعم. من ناحية ثانية غالبية من استطاع الوصول إلى أوروبا أتى عبر تركيا، ومن الصعوبة افتراض أنهم الأغنى ماديا، لكن على الأقل كان بإمكان كل لاجئ منهم توفير ثلاثة آلاف دولار ككلفة وسطية للوصول إلى أوروبا.

من ناحية ثانية، مما يلفت النظر، أن غالبية الرساميل السورية الكبيرة، لم تغادر دول الجوار، فغالبيتها توجهت إلى مصر وتركيا ودول الخليج العربي، قليل جدا منها توجه إلى أوروبا. فالرساميل المعتادة على الاستثمار في الشرق الأوسط لن تخاطر بالانتقال المفاجئ إلى دول مختلفة كليا بنظامها الاقتصادي مثل أوروبا.

المساعدات المقدمة في دول الجوار والداخل السوري:

بلغ مجموع المبالغ المالية والمساعدات المقدمة، للاجئين السوريين في دول الجوار ومصر، وداخل سورية، عبر برنامجي الأمم المتحدة: الخطة الإقليمية للاجئين والصمود Regional Refugee and Resilience Plan (3RP) وخطة الأمم المتحدة للتجاوب الإنساني Humanitarian Response Plan (HRP)، من بداية العام 2011 إلى منتصف العام 2017 حوالي 10.5 بليون دولار (البليون = ألف مليون)، وهو مبلغ بقي أقل بكثير مما طلبته الأمم المتحدة من الجهات المانحة. كان أكبر المتبرعين خلال هذه الفترة:

·        الولايات المتحدة الأميركية بما مجموعه حوالي 3 بلايين دولار؛

·        الاتحاد الأوروبي بما مجموعه حوالي 1.2 بليون دولار؛

·        ألمانيا بما مجموعه حوالي 1.1 بليون دولار؛

·        بريطانيا بما مجموعة حوالي 0.9 بليون دولار.

بين الدول العربية، كانت السعودية أكبر المتبرعين خلال نفس الفترة الزمنية، بمبلغ 329 مليون دولار، ثم الكويت 283 مليون دولار، ثم الإمارات العربية المتحدة 255 مليون دولار، ثم قطر 66 مليون دولار. من الجدير بالملاحظة أن إيران لم تسجل أي دولار كمساعدة إنسانية، أما روسيا فتبرعت بمبلغ 26 مليون دولار ما بين العامين 2012 و2015 ثم توقفت، أما فرنسا فتبرعت فقط بحوالي 107 مليون دولار.

clip_image004

الشكل 1 المساعدات المقدمة لبرنامج الأمم المتحدة لدعم اللاجئين السوريين في دول الجوار والداخل السوري حسب الدول المانحة (المصدر UNOCHA).

تضمنت المساعدات أيضا جهات مانحة كثيرة غير حكومية، وخارج الأمم المتحدة، غالبيتها أوروبي وأميركي، فقد ساهم مجلس اللجوء النرويجي بحوالي 249 مليون دولار ما بين 2013 و2016، وساهم مجلس اللجوء الدانماركي بحوالي 237 مليون دولار خلال نفس الفترة، أما منظمة المساعدة الإسلامية العالمية فساهمت بحوالي 45 مليون دولار، وبين المنظمات العربية ساهمت هيئة الصحة الأردنية بحوالي 9 ملايين دولار، والهلال الأحمر القطري بحوالي 8 ملايين دولار خلال نفس الفترة.

تجاوز مبلغ المساعدات المقدمة إلى لبنان بين العامين 2011 و2016 قيمة 3.4 بليون دولار، وخلال نفس الفترة تجاوزت المساعدات المقدمة إلى الأردن مبلغ 2.5 بليون دولار، ثم تركيا حيث تجاوزت مبلغ 1.2 بليون دولار، ثم العراق بما يتجاوز 641 مليون دولار، ثم مصر أكثر من 207 مليون دولار؛ أما المساعدات الموجهة للداخل السوري فقد تجاوزت 896 مليون دولار.

clip_image006

الشكل 2 المساعدات المقدمة للاجئين السوريين حسب الدول المتلقية لهذه المساعدات (المصدر UNOCHA).

 

تكاليف اللاجئين السوريين في أوروبا

وصل عدد طالبي اللجوء لأول مرة في أوروبا ما بين 2010 و2016 إلى حوالي 4,399,045، يشكل السوريون 20% منهم، فقد قارب عدد اللاجئين السوريين في أوروبا المليون سوري في منتصف العام 2017، حوالي 53% منهم في ألمانيا، و12% في السويد، وحوالي 5% في النمسا، و4% في هولندا، والباقي موزعون على بقية الدول الأوروبية، ومما يلفت النظر هنا أن أقل الدول استقبالا للاجئين السوريين مقارنة بعدد السكان في أوروبا الغربية هي فرنسا وبريطانيا.

حسب دراسة أعدها صندوق النقد الدولي عن اللاجئين في أوروبا في بداية العام 2016، فإن الكلفة الإجمالية المتوقعة في 2016 لكل اللاجئين كانت 30 بليون يورو، أي تقريبا 0.19 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقارب 6 بلايين يورو تكلفة اللاجئين السوريين في أوروبا بالنسبة للحكومات الأوروبية.

لكن في العام 2017، تجاوزت التكاليف توقعات الصندوق، فكانت الضعف تقريبا في ألمانيا والنمسا والسويد، حيث بلغت تكلفة اللاجئين الكلية في العام 2016 في ألمانيا حوالي 20 بليون يورو، أي حوالي 6 بلايين يورو كتكلفة حقيقية للاجئين السوريين، أي أن تكلفة اللاجئ الواحد وسطيا هي 12000 يورو في 2016؛ أما في النمسا فقدرت الأرقام الرسمية أن كلفة اللاجئين الكلية في العام 2016 تجاوزت 1.7 بليون يورو، أي 340 مليون يورو تكلفة اللاجئين السوريين، أي ما يقارب 9000 يورو تكلفة اللاجئ الواحد وسطيا في 2016؛ أما في السويد فقد بلغت التكلفة الكلية للاجئين حوالي 5.45 بليون يورو في نفس العام، أي 1.5 بليون يورو تكلفة اللاجئين السوريين، بمعدل وسطي بسيط 15300 يورو كلفة اللاجئ الواحد في العام 2016.

يمكن الاستنتاج من هذه الأرقام، بتمديد الأرقام المتوفرة من الدول الثلاثة المذكورة، أن كلفة اللاجئين الكلية في أوروبا في عام 2016 بلغت حوالي 40 بليون يورو، منهم 8 بليون يورو كلفة اللاجئين السوريين، بمعدل كلفة وسطي لكل لاجئ 12000 يورو في العام 2016.

clip_image008

الشكل 3 تكلفة اللاجئ الوسطية السنوية في السويد حسب الفترة التي أمضاها في السويد (المصدر: المجلس المالي السويدي)

من المهم ملاحظة أن هذه التكاليف هي ما قدمته الحكومات عبر مؤسساتها رسميا للاجئين، من مساعدة مالية مباشرة، وضمان صحي واجتماعي، وتعليم وسكن؛ أما ما قدمته المؤسسات الإنسانية الغير حكومية في أوروبا فهو يضاف لتلك الأرقام، ومن الصعب تقديره بشكل دقيق؛ لكن من المعروف أن منظمتي كاريتاس ودياكوني (التابعتين للكنيسة) في ألمانيا والنمسا قدمتا دعما ملموسا للاجئين، وخاصة في فترات انتظار صدور قرارات اللجوء.   فعلى سبيل المثال، زادت منظمة كاريتاس في النمسا عدد موظفيها مدفوعي الرواتب في 2015 إلى 14871 موظف، بالإضافة إلى 55000 متطوع عمل مجانا معهم، للتعامل مع 800 ألف لاجئ عبروا أراضي النمسا في 2015، وتأمين الحاجيات الأساسية لهم.

خاتمة

في دول الجوار، يعتمد نسبة كبيرة من اللاجئين على المساعدات الدولية، التي يُخشى أن تتراجع مع الزمن، بعد أن استطاعت كل الدول المتورطة في سورية، إيجاد مخرج إعلامي لها برمي اللوم على الآخرين أو العجز عن المساهمة بالحل؛ وتزداد صعوبة حياة اللاجئين السوريين داخل سورية وفي دول الجوار، خاصة في لبنان والأردن مع تشابك الصراعات السياسية الإقليمية، وفقدان اللاجئين لأي حماية حقوقية إنسانية أو قانونية من قبل حكومات الدول المضيفة، التي تعاني أساسا من مشاكل اقتصادية ضخمة. لذلك فالبحث عن حل يضمن الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية للاجئين داخل سورية وفي دول الجوار، هو واجب دولي أساسا، ويتعدى المساعدات المادية، إلى الدعم القانوني والسياسي.

هذه الأرقام الواردة هنا، أرقام رسمية موثقة، ومرت عبر عدة أقنية حكومية وبنكية، ولا يمكن التلاعب بها، مهما قيل عن مشاكل الإغاثة والمساعدة في دول الجوار، فالجهد المطلوب للتعامل مع ملايين اللاجئين، والتنظيم والإدارة والمؤسسات جهد كبير وليس بسيطا، إنه أشبه بإدارة دولة كاملة. طبعا حصلت تجاوزات، وفساد على الطريق، وسوء توزيع، وتدخلت السياسة بعدة مناسبات، لكن يبقى دور منظمات الإغاثة والأمم المتحدة، والجهات المانحة دورا أساسيا ومهما في توفير ما أمكن من مساعدات للسوريين اللاجئين، خاصة الفقراء منهم في دول الجوار.

clip_image010

كذلك من المهم توضيح فكرة مغلوطة، منتشرة لحد ما، عن المساعدات في أوروبا نفسها؛ الدول الأوروبية لا تتلقى أي مساعدة مالية من الأمم المتحدة، بل الاتحاد الأوروبي ككتلة اقتصادية، والعديد من الدول الأوربية كحكومات ومنظمات تقدم التبرعات والمساعدات لمنظمة الأمم المتحدة.

14/10/2017

 

المراجع:

1-      دراسة “ اللاجئون السوريون في دول الجوار واللاجئون في أوربا” – موقع بيت السلام – 12/08/2017

https://www.infosalam.com/immigrants-refugees/studies/refugees-syria-europe

2-      التقارير السنوية للهيئة العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة UNHCR Global Report

3-      قسم الإحصاء في المفوضية الأوروبية Eurostat

4-     بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية – خدمة تتبع التمويل

UNOCHA United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs – Financial Tracking Service fts

5-      دراسة صندوق النقد الدولي حول اللاجئين في أوروبا: التحديات الاقتصادية 2016‏

IMF, The Refugee Surge in Europe: Economic Challenges, January 2016,

JEL Classification Numbers: F22, J6, J11, J24

 

 

قد يهمك