
قراءة نقدية في سؤال برتراند راسل
علاء الخطيب
18/04/2026
طرح برتراند راسل، عملاق الفلسفة والرياضيات في القرن العشرين، عام 1930 سؤالاً بسيطاً من حيث الشكل: هل قدم الدين فائدة للحضارة البشرية؟ سؤال مباشر وبسيط كما يبدو، وقد يجد الكثيرون أن الجواب بديهي وسهل، سواء أجابوا بنعم أو لا. لكن التعمق بالسؤال، وقراءة مقال راسل، تدفعنا لإعادة التفكير، والتساؤل: هل السؤال بحد ذاته صحيح؟
قدم راسل جواباً واضحاً، الدين لم يقدم فوائد كبيرة للحضارة البشرية، بل العكس هو الصحيح بالنسبة لراسل. هو رأى أن الدين كان دائما قوة معيقة للعلم، وكان قوة محافظة كابحة للتفكير. كما أن راسل رأى أن الإنسان قادر على إبداع منظومته الأخلاقية من خلال التجربة والتعايش الاجتماعي والعقل، رافضاً للمقولة السائدة أن الدين هو مصدر الأخلاق.
ذهب راسل لأبعد من ذلك، حيث اعتبر أن مصدر الدين هو الخوف: الخوف من الموت، والمجهول، والعقاب. وبناء على ذلك رأى راسل أن الدين حاجة نفسية أكثر منه حقيقة معرفية أو ضرورة حضارية، استجابة عاطفية وليس نتيجة محاكمة عقلية.
فرق راسل أحيانا، بنقده للدين، بين الدين والمؤسسة الدينية. فقد حمل المؤسسة الدينية، متمثلة بالكنيسة الغربية، الكثير من الأخطاء واللوم على ممارساتها تاريخياً.
لو توقفنا هنا لربما شاركنا راسل رؤيته، ففعلا كان للكنيسة، خاصة الغربية، تاريخ من الصدام مع العلم والفكر، والتحالف مع السلطة الظالمة. ولم يكن راسل وحده من تبنى هذا الموقف الحاسم من الدين والمؤسسة الدينية، وممن شاركه هذه النظرة، وإن كان من زوايا مختلفة، هربرت جورج ويلز، وجورج برنارد شو، وغيرهم.
ربما لم يُطرح سؤال راسل بهذا الشكل المباشر والقاسي في المنطقة العربية، لكنه طُرح بأشكال غير مباشرة، خصوصاً في خضم الصدام ما بين التيار الإسلامي السياسي والمشيخي وبين التيار الحداثي الذي يدعو للديمقراطية والعلمانية وشرعة حقوق الإنسان. لكن، خلال العقود الثلاث الماضية، ومع انفجار ثورة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ومع صعود مشكلة الإسلام السياسي و”الإرهاب الإسلامي”، وتوسع ظاهرة “الإسلاموفوبيا”، ظهر هذا السؤال بشكله المباشر والحاد في الفضاء العربي، وحصلت حوله معارك جدالية كبيرة: هل الدين مفيد للبشرية أم لا؟ هذا السؤال باللغة العربية كان موجهاً للإسلام بالذات، بحكم كونه دين الغالبية السكانية.
أناقش في هذا المقال سؤال وجواب راسل، كجسر لنقاش دور الدين في المجتمع والدولة، وتأثيره على المسيرة الحضارية للبشرية. والبداية هي سؤال صحة السؤال نفسه.
هل الدين أداة خارجية أم لبنة بنيوية؟
يحمل السؤال ضمنيا فرض أن الدين أداة خارجية، مثله مثل العجلة أو القلم أو الكومبيوتر. لكن الدين كان تاريخياً، وما زال، أحد المكونات الأساسية للفرد والجماعة البشرية؛ مثله مثل اللغة أو المشاعر أو الفلسفة أو الأيدلوجية أو الحاجة للانتماء. من هنا لا يمكن اعتبار الدين أداة أو شيء خارج عن الإنسان، بل يجب فهمة كأحد المكونات البنية النفسية والاجتماعية وحتى الفكرية الإنسانية.
ضمن هذا السياق تبرز أعمال عالم النفس الاجتماع جوناثان هايدت، الذي يرى أن الدين أداة تطورية واجتماعية قوية لتعزيز التماسك والتعاون داخل الجماعات، وليس مجرد مجموعة من المعتقدات الخرافية. على الرغم من كونه ملحداً، إلا أنه يقدم نظرة إيجابية للدين من الناحية الوظيفية، معتبراً إياه “غراءً اجتماعياً” يربط الأفراد ببعضهم البعض. فهو يتبنى نظرية “الانتخاب متعدد المستويات” لعالم الأحياء ديفيد سلون ويلسون، ويرى أن التدين تطور كشكل من أشكال التكيّف البيولوجي ليساعد الجماعات البشرية على الترابط والتماسك. المجموعات التي طورت أدياناً مكثفة عاطفياً وملزمة كانت قادرة، على المدى الطويل، على التفوق على المجموعات الأقل ترابطاً. فلهايدت نظرة متباينة تماماً مع نظرة راسل الذي يرى الدين مجرد مجموعة من المعتقدات الخاطئة. يرى هايدت أن الدين استجابة داخلية لحاجة الإنسان للجماعة، فمن خلال الدين يمكن تحويل الـ”أنا” إلى الـ”نحن، فالتدين يساهم في تماسك الجماعة أخلاقيا وعاطفياً، ومن خلال الطقوس الدينية المشتركة يذوب الفرد في الجماعة، التي تتملكها مشاعر أنها جزء من كيان أكبر.
لذلك إن اختزال الدين إلى مجرد معتقدات “خرافية”، وطقوس جماعية، يهمل الناحية التركيبية للنفس وللمجتمع الإنساني، حيث يشكل الدين جزءاً أساسياً من هذه التركيبة. فالدين لم يكن يوماً برنامجاً يمكن مسحه من الكومبيوتر البشري دون التأثير على نظام التشغيل. الدين مكون يساهم في تعزيز قدرة الجماعات البشرية على التضحية والتعاون والانتماء والإحساس بالمعنى في عالم مادي بارد صامت.
النقاش حول فائدة الدين، كالنقاش حول فائدة اللغة أو فائدة العواطف، هو نقاش لا يدرك طبيعة الشيء الذي يحاول تقييمه على ميزان الفائدة والضرر، لأنه يتعامل معه كأداة، بينما هو مركب أساسي في التكوين الإنساني الفردي والجماعي. لذلك محاولة فهم الحضارة البشرية دون الدين يشبه محاولة فهم اللغة دون اعتبار حاجة الإنسان للتواصل؛ فالدين ليس ما يفعله الإنسان، بل هو جزء مِن “مَن نحن”.
هل الدين ناتج عن الخوف فقط؟
اختصر راسل تفسير الدافع الديني عند الإنسان بالخوف، لكن علوم النفس والاجتماع والأعصاب الحديثة تؤكد أن الدين ظاهرة إنسانية معقدة، تتداخل فيها عدة دوافع ومؤثرات نفسية واجتماعية وبيولوجية ومعرفية. صحيح أن الخوف هو أحد هذه العوامل أو الدوافع لكنه بالتأكيد لا يكفي لتفسير الظاهرة الدينية.
تؤكد الأبحاث الحديثة أن الإنسان بطبيعته كائن غائي، أي يبحث عن الغاية، فأسئلة “من نحن؟” و”لماذا وكيف وُجدنا؟” و”ماذا بعد الموت؟” أسئلة أساسية عند الإنسان. وهذا ما يؤكده علماء مثل باسكال بوير، عالم الأنثروبولوجيا المعرفية وعلم النفس التطوري، الذي يشرح، في كتابه “شرح الدين”، كيف أن عقولنا مبرمجة للبحث عن “خالق” أو “فاعل”، تماماً كما هي مبرمجة للسؤال عن تفسير لحركة الشمس.
أما هايدت فيعتمد في تفسيره للدافع الديني على مستويين تطوريين، يجمع بين الآليات المعرفية التلقائية كنواتج ثانوية، والانتخاب الثقافي الاجتماعي كتكيّف اجتماعي. هذا النموذج يقدم الدين كنتيجة لتفاعل معقد بين بنيتنا المعرفية وحاجتنا الاجتماعية العميقة. فهايدت يعارض فكرة أن الدين مجرد وهم بسيط أو خطأ عقلي، كما يدعي راسل و”الملحدون الجدد”؛ وأيضا يعترض على نظرية “التصميم الذكي”، فالدين لا يحتاج لخالق ليظهره، بل الانتخاب التطوري، الجيني والثقافي، كافٍ لنشوئه وتفسيره.
حتى على المستوى البيولوجي، تشير الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب إلى وجود نشاطات عصبية في الدماغ مرتبطة بالتجارب الدينية. مما يساهم بتأكيد أن التدين ليس مجرد خيار ثقافي أو عاطفي، بل له جذور في بنيتنا البيولوجية نفسها، وأن التدين هو “برمجة عصبية” أصيلة في نظامنا العصبي وليس فقط ردة فعل على الخوف.
بالمحصلة، لا يمكن اختصار الظاهرة الدينية بدافع واحد فقط مثل الخوف أو البحث عن العزاء، كما ادعى راسل، بل يبدو أن الدين نتيجة تفاعل معقد ما بين العقل والعاطفة والمجتمع والبيولوجيا، مما يجعل الدين ظاهرة أكثر تعقيداً وتركيباً لنحكم عليها “مفيدة أو ضارة”.
علاقة الدين بالأخلاق
كان راسل ناقداُ شرساً لما رآه “أخلاقاً قمعية” مرتبطة بالمسيحية التقليدية التي عاشها في بريطانيا. وقد رأى أن الأخلاق الدينية ليست فقط غير مفيدة، بل ضارة بكثير من الأحيان. تعاليم مثل “الخطيئة” و”العقاب”، والنظرة الدينية للمرأة والجنس، شجعت القسوة بدل الرحمة.
نظرة راسل للأخلاق فيها نوع من التبسيط ضمن هذا السياق، فهو يغفل ترابط الدين والأخلاق تطورياً، وكونهما غالباً انعكاس لحركة المجتمعات البشرية وليسا مولدان لها. فمثلا، لم يضع الدين المرأة ضمن قالب جنسي، وبمستوى أقل من الرجل فجأة. هذا التطور التاريخي للمجتمعات البشرية الأبوية توجه عبر آلاف السنين باتجاه الحط من قيمة المرأة اجتماعياً، وحصرها بمهمتها الجنسية والتكاثرية، وهنا كان الدين متجاوباً ومساهماً في تبني هذه النظرة.
في علم الاجتماع التطوري، الصورة مختلفة تماماً. بروفيسور علم النفس المقارن واللسانيات مايكل توماسيلو يشرح أن الأخلاق نفسها لم تنشأ من نصوص أو قوانين، بل من التعاون. الإنسان الأول لم يكن أخلاقياً لأنه قرأ كتاباً، بل لأنه احتاج إلى الآخر. احتاج أن يصطاد معه، أن يعيش معه، أن يعتمد عليه. ومن هنا ظهرت فكرة “نحن”، ومعها ظهرت فكرة “يجب”. يجب أن تلتزم، يجب ألا تخون، يجب أن تتعاون.
الأخلاق، بهذا المعنى، لم تكن فكرة مجردة، بل نتيجة مباشرة لحاجة عملية: كيف نعيش معاً دون أن ننهار؟ لكن هذه الأخلاق، في بدايتها، كانت محدودة. داخل مجموعة صغيرة. السؤال الذي لم يجب عليه نموذج توماسيلو بالكامل هو: كيف تتحول هذه الأخلاق إلى نظام واسع، يشمل آلاف أو ملايين البشر؟ إن “الأخلاق البيولوجية” (التعاون) كانت أفقية (بين الأفراد)، فجاء الدين ليجعلها عمودية (بمباركة إلهية)، لينقلها من التعاون “القائم على القرابة” إلى التعاون “القائم على الغريب”. هذا التطور رافق تحول الجماعات الإنسانية من قبائل صغيرة نسبياً باتجاه مجتمعات كبيرة.
وهنا نصل إلى نقطة مهمة جداً: إذا كانت الأخلاق قد نشأت من التعاون، فإن الدين ساهم في توسيع هذا التعاون ليشمل مجتمعات أكبر وأكثر تعقيداً. ليس لأنه اخترع الأخلاق، بل لأنه أعطاها إطاراً جماعياً ومعنى مشتركاً. بكلمات أخرى لم يكن لدين أن يوجد وينتشر إن لم يعتنق أخلاق مجتمعه ويتبناها.
لكن هذا لا يعني أن راسل كان مخطئا بشكل كامل عند تحليله للأخلاق الدينية. ففعلاً يتم أحياناً استخدام الأخلاق الدينية لتبرير “القسوة”، تحت حجة “البر” أو “الصلاح”، التي تكون أحيانا مجرد فرض لرأي الجماعة الدينية وليست حقيقة موضوعية. فراسل يختصر هذه الفكرة بقوله: ““جوهر مفهوم الصلاح هو إعطاء مخرج للسادية عبر تغليف القسوة بلباس العدالة“.
بالواقع هنا تتجلى خطورة الدين كأحد أهم حوامل المنظومة الأخلاقية، فبسبب طبيعة الدين العاطفية، وقوة تأثيره على أتباعه، يستطيع الدين بسهولة أكثر تحويل عمل “الشر” إلى عمل “صلاح” باستخدام الدين والانتماء الديني. فالأديان، والطوائف ضمنها، ترى الآخر مرتبطا بالشر لأن كل جماعة تحتكر عبر إلهها الخير المطلق، وبالتالي يصبح إيذاء الآخر المختلف دينيا أو طائفيا أو المتمرد على الجماعة مبرر أخلاقياً.
لكن السؤال هنا، هل الدين هو سبب هذه السادية ضد الآخر، أم أن تركيبة المجتمع والصراعات المسيطرة على المجتمعات بين أصحاب السلطة والقرار تتطلب هذه السادية، والدين مجرد أداة تخدم أهداف الصراع؟ التاريخ والواقع يخبرنا أن الصراع على السلطة يستطيع أن يجد دائما المبرر الأخلاقي لكل طرف، فإن وجد الدين والطوائف تم استخدامها، وإلا لوجد أدوات أخرى تخدم هذا الصراع. مثلا وبعد اندلاع الثورات العربية 2011، في سوريا مع التنوع الطائفي والقومي الكبير، استخدم الصراع الطوائف والقوميات في تبرير هذا الصراع. بينما في ليبيا حيث لم يوجد الاختلاف الديني أو الطائفي تم استخدام القبلية والمناطقية في الصراع. بل إننا نجد أن الصراع في الغرب حالياً بين اليمين المتطرف وباقي القوى السياسية يعتمد على أدوات الخوف من الآخر والانتماء القومي والعرقي. المشكلة أن الدين لا يخلق العنف، بل أنه يمنح العنف معنى.
الدين والعلم
كتب راسل عن المؤسسة الدينية أنها: ““تصبح بالضرورة معارضة لكل تقدم فكري“، ويستشهد بأمثلة تاريخية مثل موقف الكنيسة المعارض من غاليليو غاليلي وتشارلز دراوين، بل وموقفها من العلماء المعاصرين مثل سيغموند فرويد. ويؤكد راسل أن الدين يميل دائما إلى معارضة العلم والأفكار الجديدة التي تهدد “الحقيقة الثابتة” التي يدعي امتلاكها.
ما ذكره راسل صحيح لحد ما، فالتاريخ يخبرنا الكثير عن إعاقات مارستها المؤسسة الدينية في وجه العلم. وفي التاريخ الإسلامي وقفت، أيضا، المؤسسة الدينية، ممثلة برجال الدين، أحيانا كثيرة ضد العلم؛ فقد تعرض العديد من علماء المسلمين لاتهامات الزندقة والفسق بل والكفر، واعتبر شيوخ المسلمين أن علوم الدين هي الأسمى والأهم كما قال الإمام الغزالي في كتابه “إحياء علوم الدين”: ” وبهذا تبين أن أشرف العلوم العلم بالله عز وجل وملائكته وكتبه ورسله والعلم بالطريق الموصل إلى هذه العلوم فإياك أن ترغب إلا فيه وأن تحرص إلا عليه“.
لكن هل ما ذكره راسل عن علاقة الدين والمؤسسة الدينية بالعلم كان صحيحاُ دائما؟
كما ذكر التاريخ المناسبات التي وقف بها الدين ضد العلم، كذلك ذكر عندما كان الدين أحد دوافع التطور العلمي. فعلى سبيل المثال، ساهمت الحاجة إلى تحديد أوقات الصلاة واتجاه القبلة في دعم علوم الفلك والمثلثات؛ وكذلك اعتبر عديد من الفقهاء أن دراسة الطب فرض كفاية على المسلمين، بالإضافة لما شكله تعقيد قضية المواريث من دافع للخوارزمي لتطوير علم الجبر.
كذلك لم تقف الكنيسة المسيحية دائما ضد العلم، بل إن أفضل الجامعات حاليا تم تأسيسها من قبل الكنيسة، مثل جامعات أكسفورد، باريس، وبولونيا. ناهيك عن دور الرهبان العلماء مثل جريجور مندل مؤسس علم الوراثة، واسحق نيوتن عالم الفيزياء الكبير، وغيرهم عديدون. حتى في تاريخ البوذية فإن مساهمة الأديرة البوذية لا يمكن تجاهلها مثل جامعة نالاندا التي ساهمت في دراسة العقل والوعي قبل قرون من ظهور علم النفس الغربي الحديث، وكذلك مساهمة رهبان بوذيين مثل ديغانغا صاحب المساهمات الكبيرة في المنطق والرياضيات.
القراءة الموضوعية للتاريخ الإنساني، ومقارنة دور الدين والمؤسسة الدينية بمؤسسات السلطة والحالة الجيوسياسية والاقتصادية يؤكد أن الدين والمؤسسة الدينية كانا منفعلين وفاعلين في الاتجاهين، في اتجاه تطوير العلوم، وفي اتجاه إعاقتها.
من ناحية ثانية يبرز سؤال: إذاً لماذا مع تراجع دور الدين في الغرب، ومع صعود العلمانية والليبرالية، تسارعت الحركة العلمية بما لم يشهده التاريخ سابقاً؟
البعض يستنتج من هذا الربط أن السبب هو الدين، لكنهم بذلك يقعون بخطأ كبير لا يميّز بين الارتباط وبين السببية، ما بين التلازم الزمني وبين التسبب المنطقي. تاريخيا، سارت المعرفة البشرية ببطء شديد عبر مئات آلاف السنين من وجود الإنسان على الأرض، وبالتدريج بدأت بالتسارع، لأن المعرفة البشرية تراكمية، فكلما زادت كمية المعرفة زاد تسارع انتاجها. فالتسارع العلمي المذهل في الغرب لم يكن بسبب غياب الدين كعامل وحيد، بل كان نتيجة وصول المعرفة البشرية التراكمية إلى “نقطة الانفجار”. المعرفة لا تسير بخط مستقيم، بل بمنحنى أسي؛ فكلما زادت الأدوات، زادت سرعة الاكتشاف، سواء كان الدين حاضراً أم غائباً.
من ناحية ثانية، يميل التفكير الديني إلى إعطاء وزن أكبر لما هو ثابت وموروث، وبذلك هو يعاكس العلم الذي يفترض أن الأحدث هو الأصح. وبالتالي فإن ما حصل من تزامن بين تراجع دور الدين، وتسارع التقدم العلمي يعود إلى طبيعة الدين والعلم أولاً، وإلى الظروف التطورية للمجتمعات والدول.
مشكلة التعميم
إن محاكمة الدين بمسطرة واحدة تتجاهل “سياقية الظاهرة الدينية“. راسل حاکم “المسيحية الإنجليزية والفرنسية” في عصره، وعمم الحكم على “البوذية التبتية” و”الإسلام العباسي”. فالأحكام التي أطلقها راسل كانت تعميمية زمانياً ومكانياً وهوياتياً، لكن التعميم بهذه الحالة أقرب لحكم شخصي أكثر منه موضوعي. فرغم التشابه إلا أن تفاعل الدين المسيحي مع المجتمع في أوروبا مختلف عنه في الشرق الأوسط، وكلاهما مختلفان عن تفاعل الدين الإسلامي مع المجتمع العربي عنه مع المجتمعات غير العربية.
يغفل نقد راسل أن الدين ليس “كتلة صماء”. فإسلام بيت الحكمة الذي احتضن الفلسفة والترجمة، يختلف جذرياً عن إسلام عصور الانحطاط الذي حارب المطبعة. ومسيحية إسحق نيوتن (الذي كان متديناً بعمق) تختلف عن مسيحية محاكم التفتيش. الدين ليس فاعلاً مستقلاً، بل هو “وعاء” يتشكل بشكل المجتمع وصراعاته.
هل الدين مفيد للبشرية؟
انتشر بين الكثيرين، خاصةً على السوشيال ميديا العربية، مقولة أشد حدة: الإسلام هو سبب تخلفنا، وسبب حروبنا وضعفنا. ولعل هؤلاء قد تأثروا بما قاله راسل وغيره حول “ضرر الدين”، وبالحال المأساوية التي تعيشها شعوب هذه المنطقة. وهم بذلك وقعوا بنفس الأخطاء المنهجية في القراءة، لكن لعل ذلك بحاجة لمقال مستقل لمناقشته.
نعود إلى السؤال الذي بدأ به راسل: هل كان الدين مفيداً للحضارة؟ ربما المشكلة ليست في الإجابة، بل في السؤال نفسه. لأن الدين ليس اختراعاً بشرياً بسيطاً يمكن تقييمه بمعايير الربح والخسارة، بل هو جزء من البنية التي أنتجت الإنسان والحضارة معاً. الدين، مثل اللغة، مثل الأخلاق، مثل الانتماء، ليس شيئاً خارجنا حتى نحاكمه، بل هو أحد الشروط التي جعلتنا ما نحن عليه.
نعم، ارتبط الدين عبر تاريخه بالمآسي كما ارتبط بالإنجازات، تماماً كما ارتبطت الزراعة بالحضارة وبالحروب، وارتبطت اللغة بالعلم وبالدعاية، وارتبطت الدولة بالحماية وبالقمع. هذه ليست مفارقة، بل طبيعة كل ظاهرة تأسيسية في حياة الإنسان.
لذلك، فإن اختزال الدين في كونه “مفيداً” أو “ضاراً” ليس تحليلاً، بل تبسيط.
ربما لم يكن راسل مخطئاً عندما رأى أضرار المؤسسة الدينية، لكنه أخطأ عندما ظن أن الدين يمكن عزله عن الإنسان، ووضعه على طاولة التقييم كأي أداة. فالسؤال الذي لا جواب نهائي عليه: هل يمكن للإنسان أن يعيش بدون “مقدس”؟ هل يمكن للإنسان أن يخلق “مقدسات علمانية” (مثل حقوق الإنسان) تؤدي وظيفة الدين في التماسك؟ الأسئلة المفتوحة ما زالت كثيرة، والانزياح لجواب حدّي قد لا يكون هو الجواب الصحيح.
الدين لم يكن مجرد فكرة نؤمن بها،
بل كان دائماً جزءاً من الطريقة التي نفهم بها العالم، ونفهم بها أنفسنا.
والسؤال الحقيقي ليس: هل كان الدين مفيداً؟
بل: كيف نضمن ألا يتم استخدام مكوناتنا الثقافية والنفسية والاجتماعية بما فيها الدين للضرر؟
——–








