23/03/2025
علاء الخطيب
يمثل خطاب التحريض والكراهية التحدي الأكبر الذي يواجه سورية ودول المنطقة على طريق تأسيس الدولة الحديثة المستقرة المستدامة.
تزايد تأثير وخطر خطاب الكراهية في الألفية الثالثة على مستوى العالم، وفي سورية ودول المنطقة تتزايد أهمية مواجهة هذه الظاهرة، التي تزايدت استعاراً وخطورةً مع التغيرات الضخمة التي رافقت الألفية الثالثة، ومنها انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وافتقاد هذه الأدوات لآليات مراقبة وتنظيم. لذلك من الممكن نقاش إضافة ما يمكن أن يمثل مواد دستورية، في دول بحالة متأزمة مثل سورية ودول المنطقة، أو مواد قانونية من قبيل:
- تُجرم الدعوة إلى العنف، أو الكراهية، أو الإقصاء الوطني، أو الديني، أو الاجتماعي، ضد أي جماعة سورية تنتمي إلى أي قومية، أو دين، أو طائفة، أو قبيلة، أو منطقة جغرافية، على الوسائل الإعلامية بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي.
- يُمنع من استخدموا وسائل الإعلام الكبيرة ووسائط التواصل الاجتماعي لارتكاب ما ورد في الفقرة السابقة من الظهور على الإعلام العام والخاص، والمناصب ذات العلاقة بالإعلام والتعليم والثقافة.
تأتي أهمية هاتي الفقرتين من حقيقة، أن التحريض وخطاب الكراهية الطائفي والقومي والسياسي كانا من أهم الأدوات التي تم استخدامها خلال المأساة السورية في صراع القوى الداخلية والخارجية كسلاح تجييش شعبوي، لفرز القلة الجاهزة لممارسة العنف تحت شعارات حماية الطائفة، الدين، القومية، الموقف السياسي من الأخر الشرير، والذي أيضا هو مصنف ضمن جماعة طائفية، أو دينية، أو قومية، أو سياسية. ولقد ساد الاقتتال فوق وفي سورية شعارات استعداء العلويين، أو السنة، أو المسلمين، أو المسيحيين، أو الدروز، أو العرب، أو الأكراد، أو المعارضين، أو المؤيدين… إلخ.
والتحدي الكبير حالياً هو أن أدوات التحريض وخطاب الكراهية ما زالت مستعرة، بل وربما عادت أشد مما كانت عليه خلال السنوات الخمس الماضية.
طبعا بكل الصراعات التي حصلت فوق سورية من قبل حكومات الدول، ومن قبل القوى السياسية والعسكرية لم يكن جوهر وسبب الصراع هو الطوائف أو الأديان أو القوميات، بل كان، كما كان دائما، صراع على السلطة والمال. وما زاده حدة هو انتشار وسائل التواصل الاجتماعية وسيطرتها على الخطاب المتداول في الشارع، وهذه المساحات الرقمية خارجة عن أي تحكم قانوني أو أخلاقي، لذلك فقد تم استخدامها بشكل كبير؛ ناهيك عن أنها بواقع الأمر سوق مثل أي سوق، والبضاعة الرائجة به هو الخطاب الأكثر تطرفاً وإشكالية. 
لذلك فإن تقديم قوانين ونصوص دستورية تضع قوانين وقواعد للخطاب والحوار في الساحة السورية تتصدى لخطابات التحريض والكراهية هو ضرورة لا غنى عنها في سورية، إن كان السوريون يريدون تحصين دولتهم ومجتمعهم من اختراقات صناع الصراع والمستفيدين منه، سواء كانوا من داخل أو خارج البلد السوري.
طبعا، هذا لا يعني تحريم أو منع الحوار والنقاش في الأزمات الطائفية والدينية والقومية والسياسية وحتى المناطقية. بالعكس تماما، يجب أن يترافق هذا الإجراء الدستوري والقانوني مع فتح حوار ونقاش حقيقي متوازن وموضوعي ومباشر لهذه الإشكاليات؛ لإن قمع المشكلة إلى تحت السطح يزيد من خطورتها، وهذا بالواقع أحد ما مارسه النظام الأسدي البائد في استغلاله للتنوع البشري في سورية.
لكن هذه القوانين ستؤدي لقمع حرية الرأي والتعبير؟
قد يعترض البعض أن هذه المادة ستضرب حرية الرأي. جوابا على ذلك أقول: حرية الرأي ليست مطلقة ولا بأي دولة بالعالم لأن حرية الرأي المطلقة مستحيلة في أي مجتمع إنساني، فحرية الرأي تبقى خاضعة للقانون وأحيانا للتقاليد، وهنا تتباين شدة واتساع الحدود المفروضة على الحرية، فينتج عن ذلك التباين بتعريف الدول والمجتمعات حسب مستوى سماحية واحترام حرية الرأي. 
من ناحية ثانية بأي مجتمع بشري مهما بلغ انسجامه وديمقراطيته وجودة المستوى الاقتصادي لأفراده، يوجد دائما أقلية متمردة ورافضة لما هو سائد، قانون أو قيم أخلاقية أو اجتماعية، تتظاهر في وجود ظواهر الجريمة والإخلال بالقانون. وهذه الأقلية أيضا لها رأيها والتي ترى أن جريمتها مبررة، وكسرها للقانون هو التصرف الصحيح، والتعدي على الآخرين مبرر؛ وهذا أيضاً رأي، فهل يمكن السماح بنشره، خاصةً مع سهولة النشر عبر الإنترنت. كذلك هناك بأي مجتمع بشري نسبة من الناس لا تمتلك الوقت أو الإمكانيات أو الرغبة في البحث المعمق حول أسباب المشاكل التي تواجه المجتمع، وهذه الشريحة الاجتماعية تكون عرضة للانحياز العاطفي والتبريرات السهلة السطحية للأزمات التي تكون عادةً شديدة التعقيد. مثلا، هذا ما استغله اليمين المتطرف الغربي في الدول الغربية التي تحقق أفضل الشروط لمجتمعاتها.
حرية الرأي يجب أن تتوقف عندما تؤدي للعنف والكراهية. وهنا تقدير متى تؤدي للعنف والكراهية والاقصاء واضح ومحدد بالرأي الذي يهدف للتهجم على جماعات إنسانية اجتماعية طبيعية تتوزع ما بين القوميات والاديان والطوائف والجغرافيا.
بالواقع سؤال حرية التعبير وخطاب الكراهية والتحريض هو سؤال كوني بالألفية الثالثة، فواقع حال كثير من دول العالم، وبالذات بسبب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والانترنت، يشكل هذا السؤال تحدياً كبيراً، والنقاش حوله قائم في كثير من الدول العالم لأنه تحول لأداة تزيد من الفوضى التي تعم العالم.
وفي سورية، وبعد ما عانته خلال 14 سنة من حروب إعلامية مسيّسة ومعارك كراهية من كل الأطراف، وبسبب خطورة هذا الخطاب الذي يساهم بشكل كبير في إشعال الفتن وإضعاف البنية الاجتماعية، والمستمر بفعله التدميري بعد مضي مئة يوم على سقوط عصابة الأسد، فيجب أن يكون الإعلان الدستوري واضحا ومحدداً في دعم الغالبية السورية الصامتة لمواجهة الرأي الحامل لخطابات الكراهية والإقصاء والدعوة للعنف.
متى يمكن أن يقع الرأي ضمن الفقرات المقترحة هنا؟
هي الخطابات التي تدعو لاضطهاد جماعة ما معنويا أو ماديا، كالاتهام بالخيانة أو العمالة أو الكفر أو الزندقة أو الشر المتأصل بسبب الانتماء ذاته، مثل أن يقال: “العلويون حاقدون، السنة إرهابيون، العرب عنصريون، الأكراد كارهون، … إلخ. 
أما الاضطهاد هنا فيعني الدعوة لإلحاق الأذى المباشر بحق الأفراد لمجرد انتمائهم للجماعة المستهدفة، أو التي تدعو لإقصائهم أو إدانتهم وطنيا أو دينيا أو أخلاقيا. كذلك هي الخطابات التي تبرر أفعال الاضطهاد المعنوي أو المادي، ضمن نفس السياق السابق.
من قبيل الأمثلة الواقعية تقع الخطابات الموجهة ضد العلويين، أو السنة، أو العرب، أو الكورد، أو الدروز، أو التركمان، أو الشيعة، أو المعارضين للشرع، أو المؤيدين للشرع، أو المعارضين للدور التركي، أو المؤيدين للدور التركي؛ أو الموجهة للسلوكيات والأفكار كالموجهة ضد العلمانية، أو الإسلامية.
تواجه هذه الفقرات القانونية صعوبة التعريف اللغوي لها، كما هي حال مثلا القوانين الألمانية والنمساوية التي تمنع استخدام المصطلحات والكلمات المرتبطة بالمرحلة النازية، ويحتال عليها اليمين الغربي المتطرف باستخدام عبارات وكلمات رديفة تقدم نفس المعنى ضمن سياقها. لذلك من المهم أن يخضع هذا القانون لمناقشة وحوار بين نخب قانونية وفكرية ومتخصصة للانتهاء بتشكيل مجلس حوكمة سوري محايد وموضوعي وخبير، خاصة عندما يتحول الخطاب لظاهرة منتشرة.
ويمكن العودة لتجربة دول أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، حين توافقت الحكومات مع النخب الاجتماعية والأكاديمية على ضرورة التوجه للشارع عبر الإعلام والتعليم للسيطرة على المشاعر القومية nationalism كي لا تتحول إلى قومية متطرفة كما حدث مع النازية.
طبعا هذه القوانين لا تكفي لحلّ الأزمة التي تعيشها سورية من ناحية الشقوق الشاقولية التي تقسم المجتمع السوري طائفيا وقوميا وسياسيا؛ بل لا بد من أن تتوازى مع عمل إعلامي وتعليمي قريب وبعيد المدى لزرع ثقافة أخلاقية جديدة تتبنى قيما أخلاقيا ترفض هذه السلوكيات.









