علاء الخطيب
26/02/2026
صدمة الاستفاقة.. جراحة الأفغاني وعقلانية محمد عبده
لم تكن حملة نابليون على مصر مجرد غزو عسكري، بل كانت ‘زلزالاً معرفياً’ أيقظ الشرق من سبات القرون. في هذا الجو المشحون بالانكسار، ظهر جمال الدين الأفغاني؛ الرجل الذي جاب العواصم من كابل إلى باريس ليصرخ في أذن العالم الإسلامي: ‘استيقظوا’. لم يكن الأفغاني مهتماً بالفقه التقليدي، بل كان ‘ثائراً سياسياً’ يرى في الإسلام أداة للتحرر من الاستعمار.
لكن المشروع أخذ عمقاً أخطر مع تلميذه محمد عبده. عبده أدرك أن العلة ليست في المدافع الغربية فقط، بل في ‘العقل المسلم’ الذي تكلس. دعا عبده إلى تحرير الفكر من قيد التقليد (الجمود المشيخي)، وآمن بأن العقل والوحي لا يتصادمان. أراد ديناً مدنياً، يحترم المرأة، ويقدس العلم، ويتصالح مع الدستور. لكن هذا المشروع ‘التنويري’ كان هشاً، لأنه اصطدم بجمود الأزهر من جهة، وبطموحات السياسيين من جهة أخرى
رشيد رضا.. الانعطافة نحو السلفية الإصلاحية
بعد وفاة محمد عبده، آلت التركة لتلميذه رشيد رضا. لكن رضا لم يمتلك مرونة أستاذه؛ ومع انهيار الخلافة العثمانية عام 1924، أصيب ‘العقل الإصلاحي’ بهلع الهوية. تحول رشيد رضا تدريجياً من ‘التنوير العقلاني’ إلى ‘السلفية المنكفئة’. ومن خلال مجلته ‘المنار’، بدأ يضخ فكراً يرى في العودة للماضي والتمسك بـ ‘السلف’ هو الحل الوحيد للنجاة من ذوبان الشخصية المسلمة أمام الغرب. رشيد رضا هو الذي صنع ‘الجسر’ الذي عبرت عليه الحركات الإسلامية لاحقاً من ضفة ‘الإصلاح’ إلى ضفة ‘الأدلجة’.
ولادة ‘الحركية’.. حسن البنا وتأميم الدين
في عام 1928، وفي مدينة الإسماعيلية التي كانت ترزح تحت سطوة الاحتلال البريطاني، التقط حسن البنا خيوط رشيد رضا وحولها إلى ‘ماكينة تنظيميّة’. البنا لم يكن فيلسوفاً كعبده، بل كان ‘مهندس تنظيم’. نقل الإسلام من كونه ‘إيماناً فردياً أو بحثاً فلسفياً’ ليصبح ‘شمولياً’ (الإسلام هو الحل لكل شيء: سياسة، رياضة، اقتصاد).
هنا ولدت ‘الإسلاموية الحركية’؛ حيث أصبح للدين ‘جهاز سري’ و’بيعة’ و’سمع وطاعة’. لقد استبدل البنا ‘العقل الناقد’ بـ ‘العاطفة التنظيمية’. في هذه اللحظة، بدأ الدين يفقد وظيفته كـ ‘بوصلة أخلاقية’ ليصبح ‘بطاقة هوية سياسية’ تهدف للوصول إلى سدة الحكم واستعادة الخلافة المتخيلة.
المودودي وسيد قطب.. اختراع ‘الحاكمية’ والجاهلية
وبينما كان البنا يبني التنظيم في مصر، كان أبو الأعلى المودودي في الهند يؤسس لـ ‘الانفصال الشعوري’. اخترع المودودي مصطلح ‘الحاكمية‘؛ فكرة أن السيادة لله وحده، وأن أي تشريع بشري هو ‘شرك’. انتقلت هذه العدوى الفكرية إلى سيد قطب في سجون ناصر بمصر.
قطب ذهب إلى أقصى المدى، فقسم العالم إلى فسطاطين: ‘إسلام’ و’جاهلية’. لم يعد المجتمع المسلم بالنسبة لقطب مسلماً، بل هو مجتمع جاهلي يجب الانفصال عنه ‘عضوياً وشعورياً’. هذا الفكر ‘القطبي’ هو الذي نزع الأمان عن المجتمعات، وحول مفهوم ‘الجهاد’ من دفاع عن الحدود إلى صراع ضد ‘الداخل الكافر’. من هنا خرجت أولى نطف الجماعات التكفيرية والصدامات الدموية التي شهدها القرن العشرون.
ثنائية ‘الحركي والمشيخي’.. صراع السيادة
عاش المسلم في القرن العشرين تائهاً بين نموذجين مشوهين:
- الإسلام المشيخي (الرسمي): مؤسسات عريقة (كالأزهر وغيره) وقعت في فخ ‘الوظيفية’. أصبح الشيخ ‘موظفاً’ يبارك قرارات الحاكم، ويستخدم الفقه لتخدير الجماهير أو قمع المعارضين. هذا ‘الإسلام التدجيني’ أفقد المؤسسة الدينية هيبتها الأخلاقية.
- الإسلام الحركي (المعارض): حركات تستخدم الدين كـ ‘وقود’ للوصول للسلطة. ترفع شعارات براقة، لكنها في العمق تفتقر لأي مشروع حقيقي للتنمية أو الحرية ولا تملك حتى نظرية دولة.
الصدام بين ‘المشيخة’ و’الحركية’ لم يكن صراعاً على القيم، بل كان صراعاً على ‘من يملك حق التحدث باسم الله’. الحاكم يستخدم الشيخ، والتنظيم يستخدم المظلومية، والمواطن المسلم يرى دينه يُختزل في ‘لحية’ أو ‘نقاب’ أو ‘شعار سياسي’، بينما تتقدم الأمم في العلوم والتكنولوجيا.”
تطييف الخليج.. حين أصبح المذهب سلاحاً نووياً
لا يمكن فهم صعود ‘الإسلام المشيخي والسياسي’ في العقود الأخيرة دون النظر إلى ما حدث على ضفتي الخليج العربي. مع اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، لم يسفر الأمر عن مجرد تغيير نظام، بل عن ولادة ‘راديكالية شيعية’ عابرة للحدود. هنا، وجدت الأنظمة في الضفة المقابلة نفسها أمام تحدٍ وجودي.
بدلاً من مواجهة هذا التحدي بمشاريع تنموية أو ديمقراطية، اختارت السلطة (بتحالفها السياسي والمشيخي) استدعاء ‘البعبع الطائفي‘. تم ضخ المليارات في ‘المؤسسة المشيخية التقليدية’ لإعادة إنتاج خطاب سلفي وهابي يرى في ‘الآخر الشيعي’ عدواً أزلياً. وبالمقابل، فعلت إيران الشيء نفسه عبر تصدير ‘المظلومية الشيعية’.
لقد تحول المذهب هنا إلى ‘سلاح نووي اجتماعي’. استخدمت الأنظمة المشايخ لتخدير الشعوب بشعارات ‘حماية العقيدة’ و’الدفاع عن السنة/الشيعة’، وكل ذلك كان يهدف لغرض واحد: ترسيخ السلطة وتأجيل أي استحقاق سياسي أو حقوقي. وكما حللتَ في الفيديو، أصبح المواطن المسلم وقوداً في معركة أيديولوجية كبرى، حيث غُيِّب العقل لصالح الغريزة الطائفية، وحُصر الدين في خندق الكراهية المتبادلة، مما أدى لدمار نسيج المجتمعات في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
صفقة السادات.. حين أصبح الدين أداة ترويض
ولكن، لم تكن السياسة الإقليمية وحدها هي المحرك، بل كانت هناك ‘صفقات محلية’ غيرت وجه التاريخ. في مصر، أقدم الرئيس أنور السادات على واحدة من أخطر المغامرات السياسية في القرن العشرين؛ عقد صفقته الشهيرة مع الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية.
كانت المقايضة واضحة ومريرة: أطلق السادات يدهم في المجتمع، سمح لهم بالسيطرة على الجامعات، والنقابات، والشارع، وفتح لهم منابر الإعلام والمساجد لضرب خصومه من الناصريين واليساريين. وفي المقابل، كان المطلوب منهم ‘مباركة شرعية’ أو على الأقل تحييد المعارضة الدينية لمشروعه السياسي، وتحديداً اتفاقية كامب ديفيد.
هذه الصفقة كانت ‘الكارثة’ التي شرعنت وجود الإسلام الحركي في قلب الدولة، وحولته من فكر معارض إلى ‘سلطة اجتماعية’ موازية. وكما أوضحتَ في الفيديو، هذه اللحظة هي التي رسخت ‘السلطة المشيخية والسياسية‘؛ حيث استُخدم الخطاب الديني لترويض الجماهير وتمرير المشاريع السياسية الكبرى.
ومع تلاقي ‘أموال النفط’ القادمة من صراعات ضفتي الخليج الطائفية، مع ‘الصفقة الساداتية’ في مصر، تحول العالم العربي إلى مختبر كبير لـ ‘الإسلاموية’. بدلاً من أن يكون الدين قوة دفع نحو التنمية والحداثة كما أراد محمد عبده، أصبح ‘غطاءً’ لشرعنة السلطة من جهة، وأداة ‘لتقسيم المجتمع طائفياً’ من جهة أخرى، ليدخل الإنسان المسلم في دوامة من الصراعات التي لا تنتهي، حيث السيادة للشيخ الموالي أو الحركي الطامح، بينما يغيب المواطن ويغيب العقل.
نهاية النفق.. من أفغانستان إلى الربيع العربي
“وصلت هذه الأدلجة إلى ذروتها في ‘الجهاد الأفغاني’، حيث تلاقت الأموال الخليجية مع السلاح الأمريكي والفكر القطبي لتنتج ‘القاعدة’ ثم ‘داعش’. هذه الكائنات المشوهة كانت النتيجة المنطقية لتحويل الدين إلى أيديولوجيا قتالية.
ومع انفجار ‘الربيع العربي’، وصل الإسلام السياسي (كالإخوان في مصر) إلى الحكم، لكن الصدمة كانت مروعة. اكتشف الناس أن ‘الشعارات’ لا تطعم خبزاً، وأن فكر ‘الحاكمية’ لا يعرف كيف يدير اقتصاداً أو يحترم تعددية. فشل التجربة أدى إلى ما نراه اليوم: حالة من ‘السيولة’ والإلحاد أو التخلي عن التدين الحركي، وبحث قلق عن ‘إسلام جديد’ يعود بنا إلى قيم محمد عبده الضائعة.. إسلام العقل والكرامة الإنسانية لا إسلام ‘المرشد’ أو”ولي الفقيه” أو ‘الشيخ السلطان’.”
خاتمة
قد طفنا في هذه الحلقة فوق جثث الأفكار الكبرى؛ رأينا كيف تحول ‘الإصلاح’ إلى ‘انفجار’. ولكن، هل هناك مخرج؟ بعد كل هذا الدمار المذهبي والأيديولوجي، هل يمكن للعقل المسلم أن يتصالح مع الحداثة دون أن يفقد روحه؟ في الحلقة العاشرة والأخيرة، سنضع النقاط على الحروف، لنلخص نتائج رحلتنا في ‘تاريخ الإسلام’ ونرسم ملامح الطريق نحو المستقبل.
———–
لقراءة كامل السلسلة كورقة واحدة، انقر هنا:
تاريخ الإسلام بين القداسة والبشر (ورقة كاملة)
أو ربما تود قراءة بقية السلسلة كمقالات منفصلة:
- السيادة والتفاوض: قراءة تحليلية في تشكّل دويلة المدينة
- بعد المؤسس: صراع الشرعية واختبار البقاء: السقيفة، والردة، والفتح
- من اغتيال عمر إلى الفتنة الكبرى، تصدع المركز: حين تأكل الدولة أبناءها
- من الخلافة إلى الملك، ولادة الإمبراطورية والدولة الواقعية-الدولة الأموية
- الإمبراطورية العالمية: مخاض القوميات وصناعة العقل المسلم: السلطة ضد الفقيه
- انكسار المركز: عصر السلاطين وصناعة الأرثوذكسية
- زمن الانهيار: ملوك الطوائف، المغول، وفقه الحصار
- خريف الإمبراطورية: نفق الجمود واليقظة الصادمة
- الإسلام المعاصر، التنوير المجهض وصعود الأيديولوجيا
- المحاكمة التاريخية.. في سبيل إسلام بلا أصنام











