20/12/2018
علاء الدين الخطيب
اللغة العربية عالم يرفض مبدأ المواطنة والمساواة بين الرعية. يحكمه نظام منحاز ببنيته الأساسية للمؤنث، فاللغة مركبة من مؤنثتين، الكلمة والجملة، وما الحروف، المذكر مفردها المؤنث جمعها، إلا لَبِنات، إن لم تجتمع في كلمة، بقيت متناثرة تعبث بينها الأصوات. أما الرعية في هذا النظام فهم مذّكرون، الفعل والاسم والحرف والضمير؛ إن اجتمعوا كلهم أو بعضهم شيّدوا جملة، وإن تباعدوا عادوا مجرد كلمات تائهة.
تتراتب في هذا النظام سلطات لكل حزب لغوي، وتتشابك وتتعارض. فللفعل سلطة أن يرفع الفاعل فوق الآخرين، وأن يتعدى فينصب المفعول نصبا، لكن إن شابَهُ ضعف، يُحرم من المفعول فيصبح فعلا لازما، وإن زاد قوة تعدي لمفعولين ونصبهما. لكن الفعلَ ليس صاحب سلطة على ذاته، فإن فعلَ الفعلُ فعلتَهُ في ماضي الزمن، نُصب؛ لكن إن يفعل فعلته في حاضر الزمن، رُفع؛ والحذر كل الحذر إن أمرَّ، فعندها على الفعل أن يقعد مقعد السكون.
على غير ما اعتاد عليه البشر من أهرام السلطة، في عالم اللغة العربية الحرف الصغير هو صاحب السلطة الأوسع. فهو يستطيع أن يجرّ وراءه ما أراد، والمجرور ملزم بأن يكسِر نهايته؛ والحرف ذو قوة تتيح له أن يعتدي على سلطة الفعل، فيغيّر حال الفعل نفسه، فيقلب حال المضارع من سيد برفعه إلى خادم منصوب، بل حتى إلى خاضع بالسكون؛ ويغيّر حال الماضي من منصوب في منصبه لساكن في أرضه.
لكن عالم اللغة العربية ليس بهذه الديكتاتورية الشمولية، ليركّز السلطات ما بين الحرف والفعل في الجملة، فللجملة حق أن تتركب من أسماء فقط، وتتسمى اسميةً، فلا تضطر لمصاحبة الفعل دائما في الجملة الفعلية، كما هي حال غالبية اللغات البشرية. بل وضمن للجملة حرية التلاعب بترتيب الكلمات، فليست الجملة مضطرة للبدء بالفاعل مثل كثير من اللغات الأوروبية، ولا حتى للبدء بالفعل؛ ولا التقيّد بابتداء المبتدأ على الخبر، ولا وقوع الخبر بعد المبتدأ، فهل بعد ذلك من مرونة وديمقراطية. كما أن الحروف ليس مطلقة الصلاحيات دائما، فيُحجب عمل الحرف المشبه بالفعل عند وصله بوصلة الكفّ ما، فيصبحان كافا ومكفوفا؛ وتُمنع عن حروف الجرّ سلطة الكسر عندما تتجرأ أن تجر اسما ممنوعا من الصرف. كذلك الفعل ليس مصانا بحد ذاته لأنه صاحب سلطة، فقد يكون دوره هو فقط التعويض عن خبر لمبتدأ أو لفعل ناقص أو حرف مشبه به.
قد يشعر البعض أن في هذا النظام نوعا من الظلم، لأنه يضع حفنة قليلة من الأفعال في خانة الناقصة، وحفنة من أصحاب السلطة العليا، أي الحروف، في خانة التشبيه بالفعل، والفعل أدنى سلطة من الحرف. لكن هذا ليس ظلما بل قصاص؛ فالأفعال الناقصة ناقصة لإنها اعتدت على الجملة الاسمية، ونصبت خبرا كان مرفوعا؛ والحروف المشبهة بالفعل شُبهت بالذي أدنى، لأنها أيضا قفزت فوق الجملة الاسمية، فنصبت اسمها بعد أن كان مرفوعا؛ ولا يشفع لأي منهما ترك أحد المرفوعين مزهوا برفعته.
الرعية في هذا العالم طبقتان. طبقة العامة وهم الأسماء، فلا رفعة لهم إلا إن استقلوا بجملة اسمية، لكنه استقلال هشّ أمام الحروف يوم تتشبه بالفعل، أو بالأفعال يوم تنقص سلطتها. وطبقة الرقيق ممن يبيعون أنفسهم، وهم الضمائر؛ فالضمائر مخلوقون ليحلوا محل الرعية من الأسماء إن غابت أو تم تغيبيها، جاهزون ليحلّوا في محل الفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر والمجرور والمضاف إليه، إلا أنهم ممنوعون من الحلول محل أصحاب السلطان من فعل وحرف، فلا بديل للسلطة.
إنه عالم محكوم بأهل السلطة، وهم الحروف ثم الأفعال، ويقوم على التحكم برعية هم الأسماء، الذين لا رفعة لهم إلا إن استقلوا بجملة اسمية، ولا ضمان لظهورهم بوجود الرقيق من ضمائر تنوب عنهم. إنه نظام لا يعترف بالفصل بين السلطات عموما، ولا معصومية به لأي طبقة.
إنه عالم جميل من خارجه، يُطربك إيقاعه، وتغريك أسراره، ويعجبك اتساعه. لكن تزاحم مباني جُمَله، وتباينها ما بين الجميل والقبيح، وكثرة دروبه بين الكلمات، وتفرع أزقته بين الحركات، وزحمة الضمائر على أرصفته، وتدافع الأسماء في ساحاته، وقوة حراسه من أفعال، ومزاجيات ملوكه من حروف، يجعلك تقف متهيبا أمام ولوجه، مترددا تردد الناسك أمام خمار امرأة أَنَسَت وحدة لياليه، لكنه نسيّ أنها كانت الدرب للفردوس الموعود.
20/12/2018
رابط مختصر








