
علاء الخطيب
16/01/2025
مقتبس من دراسة موسعة بعنوان “ سوريا حتى العام 2011، ما بين الابن وأبيه”-29/12/2022
عانى الاقتصاد السوري من القمع مع سياسات حزب البعث منذ عام 1963، وخسر الكثير من فعالياته الاقتصادية التي هربت خارج سوريا. لم تتغير السياسة الاقتصادية جوهريا بعد انقلاب حافظ الأسد على رفاقه في 16 تشرين ثاني/نوفمبر 1970 سوى في تراجعه عن تطرف الرؤية اليسارية التي سادت قبله مما أعطى الرأسمال السوري الخاص بعض المجالات ليتحرك بها. لكن التنمية الاقتصادية بقيت متعثرة وتراوح مكانها ولا تتناسب مع موارد سوريا السكانية والطبيعية. وفي سبيل تعزيز سلطته وقوته أدار حافظ الأسد بمهارة ما يمكن تسميته “بنية الفساد” التي رسخت مرضا عضالا في الإدارة والاقتصاد السوري؛ وبنية الفساد أحد أدوات الحكم الديكتاتوري الأكثر نجاحا لحماية الديكتاتور، فمشاركة المكاسب مع طبقة محدودة من الأغنياء والمسؤولين الكبار في الدولة، يضع الحاكم الفرد في موقع الحامي وبنفس الوقت الجلاد الذي يستطيع بأي لحظة ضرب مصالح من يُشتبه بتمرده على السلطة المركزية. بكل الأحوال كان حافظ الأسد مستقبلا لسياسات المعسكر السوفييتي الاقتصادية والإدارية التي أثبت الزمن والواقع أنها كانت فاشلة في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام في كل دولة طبقتها.
فترة التسعينات والانفتاح الاقتصادي بين حافظ وبشار الأسد
لم يكن بشار الأسد من بدأ ما يُسمى سياسة الانفتاح الاقتصادي، بل كان قرارا اتخذه حافظ الأسد في بداية التسعينات، استجابة للتغيرات العالمية بعد سقوط السوفييت. فمع ذلك السقوط انهار الحلف السياسي الاقتصادي الذي كان يؤمن الحماية والاستمرار، للدول ذات النهج الاقتصادي المركزي المقيّد، والمتحالف مع المعسكر السوفييتي؛ وبالتالي كان لزاما على غالبية الدول الداخلة فيما كان يُسمى حلفاء المعسكر السوفييتي، أن تعدّل سياساتها الاقتصادية إلى ما يناسب قوانين اللعبة الجديدة، التي فرضها القطب العالمي المنتصر، وهو المعسكر الغربي الرأسمالي الليبرالي.
بالإضافة لذلك فإن حرب تحرير الكويت في بداية التسعينات وتداعياتها السياسية، والتي حدثت بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، ساعدت حافظ الأسد على فتح صفحة جديدة في علاقاته مع دول الخليج العربي، والدول الغربية، وبالتالي انتهت فترة الحصارات الاقتصادية التي واجهت سوريا خلال الثمانينات.
بمقارنة الأرقام المتعلقة بالحركة الاقتصادية، نجد أن النمو الاقتصادي الذي حصل في سوريا منذ نهاية التسعينات حتى العام 2007، أي إلى ما قبل الأزمة المالية العالمية، كان نتيجة حتمية لتغير بنية وقوانين السوق العالمي، وانتصار اتفاقيات تحرير التجارة العالمية، وحرية حركة الاستثمارات بين الدول؛ وليس بسبب سياسة متفوقة للنظام السوري كما يجري الترويج لذلك. فوسطي نمو الناتج المحلي الإجمالي السوري ما بين العامين 2000 و2007 كان حوالي 4.8 بالمئة، وهو أقل من مثيله في تركيا حيث كان 5.4 بالمئة، ومن الأردن 6.6 بالمئة، ومن مجمل الدول العربية 4.9 بالمئة؛ لكنه كان أعلى من تونس 4.5 بالمئة، ومصر 4.6 بالمئة، واليمن 4.2 بالمئة[i]، أي أن ما يُنسب إعلاميا لما سماه إعلام النظام السوري “حكمة القائد” من نمو اقتصادي، كان بالواقع نموا نتج عن موجة نمو اجتاحت العديد من بلدان العالم النامي كنتيجة للنمو الاقتصادي على المستوى العالمي بعد توسع اتفاقيات تحرير التجارة، وحرية حركة الاستثمارات؛ فتدفقت إلى سوريا الاستثمارات الأجنبية والتبادلات البنكية، خاصة بعد فتح الاقتصاد السوري، وهذا ما تؤكده المقارنة بين الاقتصاد السوري وبين دول المنطقة ودول العالم النامي.
مع ذلك لا بد من التنبيه إلى أن تأثر سوريا بسيطرة النظام العالمي الاقتصادي الجديد، لا يعني أن سوريا أصبحت مهبطا مفضلا للاستثمارات الأجنبية، فحسب مؤشرات أداء الأعمال Doing Business Indicators في العام 2009، كانت سوريا في مرتبه متأخرة عالميا هي 136 من أصل 181 دولة[ii]، بينما كانت تركيا بالمرتبة 78، والأردن بالمرتبة 106، ومصر بالمرتبة 109.
قد يُقال: لكن مؤشرا اقتصاديا واحدا لا يكفي لتقييم السياسة الاقتصادية لأي بلد. وهذا كلام صحيح عموما، لكن لتجنب الإطالة في التفاصيل الاقتصادية، يكفي إلقاء نظرة على مؤشر الفساد في سوريا. لإن مؤشر الفساد لا يقيس فقط حجم المعاملات غير القانونية في بلد ما، بل يقيس أيضا صحة ونجاح الخطط والسياسات الاقتصادية والتنموية للحكومات؛ فلا يمكن أن يزداد معدل الفساد في بلد، وبسرعة كبيرة، إن كانت حكومة هذا البلد تملك رؤية وخططا استراتيجية تنموية صحيحة. ما تبرزه الدراسات في سورية أن معدل الفساد قد زاد بسرعة كبيرة نسبيا، خلال نفس فترة النمو الاقتصادي مع حكم بشار الأسد، مما يؤكد أن النمو حصل بشكل فوضوي، وكتجاوب مع ازدهار حركة التجارة العالمية، ولم يحصل وفق خطط استراتيجية مدروسة متوسطة وبعيدة المدى تؤسس لاقتصاد قوي متماسك مستدام، بل حصل فقط كنسخ عشوائي لتجارب الدول الأخرى ضمن للقطاع الخاص صعودا سريعا في سوريا بسبب ترسخ بنية الفساد والفوضى الإدارية. فوفق بيانات منظمة الشفافية العالمية تراجع مؤشر مدركات الفساد[iii] في سوريا من 34، وترتيبها بين دول العالم من المركز 66 في العام 2003، إلى مؤشر مدركات الفساد بقيمة 26، وإلى المركز 127 بين دول العالم[iv] في العام 2010. وللمقارنة نجد أن مؤشر مدركات الفساد في تركيا خلال نفس الفترة تحسن من 31 إلى 44، وانتقلت تركيا من المركز 77 إلى المركز 56 بين دول العالم؛ أما الأردن فقد حافظت تقريبا على نفس المعدل حوالي 46، وقرب المركز 50 عالميا؛ أما تونس ومصر فقد عانوا تقريبا من نفس مشكلة سوريا في ازدياد معدلات الفساد.
المؤشرات الأخرى التي تثبت ضخامة حجم الفساد والفوضى في بنية الدولة، بالإضافة لمؤشر الفساد المذكور سابقا، هو ما ورد في مسح الشركات للعام 2009 في العالم، حيث ذكر أن العقبات الثلاث الأساسية التي تواجه الاستثمار في سوريا كانت: الفساد، وضعف مستوى تأهيل القوى العاملة، وعدم وثوقية التزويد بالطاقة الكهربائية؛ وبالمقارنة مع الدول الإقليمية، أضاف المسح، أن 80 بالمئة من الشركات ذكرت أنها مضطرة لتقديم “الهدايا للقطاع العام” كي يمكنهم إنجاز أعمالهم، مقارنة ب 37 بالمئة كمعدل إقليمي[v].
أما مشاكل الفقر والعطالة عن العمل، فرغم أن السوريين يعرفونها من خلال حياتهم اليومية، إلا أن الإحصائيات والقياسات المختصة تدلل عليها، بما يتجاوز الأخطاء التي قد يقع بها الأفراد. فبعد أن انخفضت نسبة الفقر في سوريا، ما بين 1996 و2003 من 15 إلى 11 بالمئة؛ عادت وارتفعت إلى 12.5 بالمئة في العام 2007، لكن العبء الأكبر تحمله الريف حيث وصلت معدل الفقر إلى 15 بالمئة، بينما في المدن كان حوالي 10 بالمئة في العام 2007. بالإضافة لذلك لم تتراجع نسبة العاطلين عن العمل بين السوريين منذ 1996 إلى 2007، حيث وصلت إلى 18 بالمئة عموما، وإلى 22 بالمئة بين الشباب[vi] (الشكل 1).
الشكل 1، تغيّر معدلات الفقر والبطالة في سوريا من العام 1997 إلى العام 2007. يبين الخط الأزرق معدل الفقر الوسطي، الخط الأحمر المنقط معدل الفقر في الأرياف، الخط الأسود معدل الفقر في المدن، والخط البنفسجي معدل البطالة. من الواضح أن معدلات الفقر كانت تتراجع حتى العام 2004 إلا أنها عادت للتزايد بعد ذلك، أما معدل البطالة فبقي في ازدياد مستمر، وإن تباطأت سرعة التزايد بعد العام 2004
إذا كانت سوريا في العام 2010 تبدو بحالة اقتصادية جيدة من حيث الشكل؛ فقد كان يمكن بسهولة ملاحظة دخول أموال الاستثمار، ومظاهر البذخ والأبنية الحديثة والأسواق؛ لكن هذه المظاهر لم تكن خاصة بسوريا، فحتى في أفقر دول العالم، يمكن للسائح التمتع ببذخ الأبنية الفارهة، والخدمات الراقية، وأحدث السيارات والمنشآت. المعيار الحقيقي هو تغير المؤشرات الاقتصادية ومعدلات الفساد في الدولة مقارنة بالمحيط الإقليمي والدولي. ولعل معدلات الفساد هي الأكثر تعبيرا عن حقيقة النمو الاقتصادي واستدامته، لأن تزايده يؤكد أن توزيع الثروة توزيع ظالم، يترك فئات ضخمة من الشعب في حالة أفقر وأصعب، ويزيد الهوة بين الفقراء والأغنياء، بين المدن وبين الريف، بين المتنفذين ضمن السلطة وبين الآخرين.
العامل المهم أيضا كان اختلاف سياسة بشار الأسد عن سياسة أبيه، حيث كان حافظ الأسد حريصا على خلق توازن بين القوى الاقتصادية، متمثلة بالرأسمالية الدمشقية والحلبية التقليدية، والقوى الأمنية والعسكرية وبين القوى الإدارية كما سيرد لاحقا (راجع الدراسة الأصلية المُشار لها). ضمن هذا السياق كان فتح بشار الأسد لهذه الحواجز واختلاط مراكز السلطة الأمنية والعسكرية والإدارية مع الرأسمال والقطاع الاقتصادي ترسيخا لأزمة الفساد والفوضى الإدارية خصوصا مع الصعود الصاروخي لابن خاله محمد مخلوف.
[i] بيانات البنك الدولي للعام 2018
http://databank.worldbank.org/data/source/world-development-indicators/preview/on#
[ii] تقرير “اقتصاد الأزمة السورية” – صندوق النقد الدولي – حزيران 2016
[iii] مؤشر مدركات الفساد Corruption Perceptions Index وفق منظمة الشفافية العالمية هو مؤشر إساءة استغلال السلطة من أجل المصلحة الشخصية. وهو مؤشر مكون من عشر مستويات: من 0 إلى 100؛ فكلما انخفضت قيمة المؤشر ازداد الفساد، وكلما ارتفعت قيمة المؤشر قلّ الفساد. مثلا كانت نيوزيلندا في العام 2017 الدولة الأقل فسادا بمعدل 89 وبالترتيب الأول عالميا، وكانت الصومال الدولة الأكثر فسادا بمعدل 9 وبالترتيب 180 عالميا.
[iv] منظمة الشفافية العالمية
[v] “مسح الشركات Enterprise Surveys” – البنك الدولي – 2009
https://www.enterprisesurveys.org/en/enterprisesurveys
[vi] المرجع (5)











