
20 -10-2016
علاء الدين الخطيب
في مقالي السابق (1)، تمت مناقشة ضرورة وصول السوريين خلال السنوات القادمة لصياغة توافق حول شكل الدولة السورية المستقبلية كخطوة أساسية لإنقاذ سوريا، لأن الصراع الدولي على وفوق سوريا لن يؤدي لحل في سوريا خلال سنين طويلة، والحل الوحيد هو قرار شعبي سوري تؤيده نسبة معقولة من السوريين؛ فلماذا “الدولة الديمقراطية العلمانية”؟
مقدمة
ما يجب علينا الانتباه له ونحن نناقش الشكل الأمثل للدولة، هو أن الزمن يسير بتسارع كبير مقارنة بما كان عليه قبل قرن أو قرنين أو عشرة قرون. هذا التسارع نراه بالعلم كأوضح مسار لتسارع المعرفة البشرية، فلقد احتاجت البشرية بضعة عشرات الآلاف من السنين لتخترع العجلة، ثم بضعة ألاف من السنين لتخترع الآلة، ثم مئات من السنين لتكتشف الكهرباء والجراثيم، ثم بعد عشرات سنين قلبت نظرية النسبية العالم رأسا على عقب، واستمرت عجلة الخروقات العلمية بتسارع هائل، فيمكننا الادعاء أن جيل الخمسينات حاليا شهد تطورات علمية وتقنية تعادل ما رأته كل أجيال البشرية سابقا.
لم يكن توسع وتسارع المعارف البشرية فقط مناطا بالعلوم الطبيعية، بل ترافق ونشئ مع تسارع تغيّرات التركيبة المجتمعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والعسكرية للمجتمعات البشرية؛ فقبل قرون كان ممكنا لعائلة حكم شمولية أن تتوارث الحكم المطلق عبر مئات السنين في الصين أو روسيا أو بغداد أو لندن، وقبل أربعين سنة كان ممكنا لديكتاتورية شيوعية أيدلوجية أن تضع الاتحاد السوفيتي في قمة القوة والسيطرة عالميا، وأن تبدأ إندونيسيا بالصعود الاقتصادي مع حكم الديكتاتور سوهارتو، وأن تحقق السعودية، الدولة المؤسسة على قواعد دينية وحكم شمولي، استقرارا وأمانا كبيرين لعشرات السنين.
ترافق تطور المعارف البشرية مع تطور الأفكار والبديهيات، فعبر عشرات آلاف السنين من عمر البشرية كان الحاكم الأكبر “الطوطم” حقيقة لا تقبل النقاش وقدرا محتما، فقط قبل قرنين بدأت قدسية الحاكم الأوحد تتزعزع، وبدأت عامة الناس تفكر بحقها في السلطة في بعض البلاد، ومنذ نصف قرن فقط أصبح حق الإنسان-المواطن بالمشاركة حقيقة بشرية جامعة لكل المجتمعات البشرية؛ حتى الأخلاق الإنسانية والقيم العليا سارت في طريق التطور والتغيير، فظهور شريعة حقوق الإنسان الدولية كان المنتج الأهم للبشرية أخلاقيا، فأي تمييز ضد الإنسان بسبب جنسه أو عمره أو لونه أو عرقه أو دينه أو مستواه المادي صار عيبا أخلاقيا قبل أن يكون انتهاكا للقانون، وتم إجبار كل أشكال الدول المعاصرة، حتى لو نظريا، على اعتبار أن واجب الدولة الأهم هو تحقيق حق المواطنة الكاملة للإنسان بما تشمله من حرية وكرامة وعدالة للإنسان.
كل هذه التغييرات عبر التاريخ كانت مدفوعة بتغيير البنى والعلاقات والأشكال الاقتصادية (2)، التي أنتجت تطورات هائلة في شبكة التواصل بين البشر، فكانت النتيجة، التي لا ندعي أنها الشكل الأمثل، هي النظام العالمي الجديد للسوق الدولية، حيث أصبح العالم فعلا قرية صغيرة، تبحر عبرها الأموال والمنتجات والأفكار والمشاعر والفنون وحتى القيم الأخلاقية، وتتفاعل صداما أو تكاملا؛ ولعل هذا التواصل العالمي الذي أنشأته ثورة الاتصالات والتقنيات هو من أكبر التغيرات التي أثرت بالإنسان الفرد والمجتمع عبر التاريخ البشري؛ هذا التسارع في تغيّر المجتمعات والدول البشرية غاب عن غالبية المنتج الفكر العربي، فبقي حبيسا لتنظيرات النصف الأول من القر
الدولة الديمقراطية العلمانية هي الشكل الوحيد الممكن للدولة الحديثة
أثبت التاريخ الحديث والواقع الدولي أن الشكل الوحيد الممكن للدولة المستقرة في القرن الواحد والعشرين هو الشكل الديمقراطي العلماني، وذلك وبكل بساطة، لأن هذا الشكل هو الشكل الأحدث للدولة كمنتج بشري، الذي يضمن قيم حقوق الإنسان حسب الشريعة الدولية، ويسعى لتحقيق أفضل أشكال العدالة بين المواطنين، ويضمن بقاء الدولة وفق مؤسسات مستقلة عن الأشخاص، ويحيّد أي فكر أو أيدلوجية تعتمد التمييز بين البشر؛ هذا الشكل ليس هو الشكل النهائي الذي ستحققه البشرية في تطورها، لأنه شكل ما زال يعاني من مشكلات عديدة، لكنه بالتأكيد هو الشكل الأمثل مقارنة بالتاريخ والواقع للبناء عليه نحو مستقبل أفضل؛ فلا يمكن موضوعيا استحضار أي شكل قديم للدولة مهما أثبت بزمانه ومكانه أنه نموذج ناجح. لكن على ما يبدو أنه بمنطقتنا لا تشكل هذه الحقيقة النسبية قناعة عند الكثيرين، وما زالوا يطلقون حول هذه الحقيقة جدالات بيزنطية لا نهائية، جدالات لها للأسف صدى واسع لدى الشارع المنهك فقرا وظلما وحروبا، لذا لا بد لنا من إعادة هذا الجدل إلى نقاش مفيد منتج، وعدم الاستسلام لجدال عقيم؛ سنبدأ بهذا المقال مناقشة هذا الشكل، خدمة لخلق وعيّ سوريّ شعبي بضرورة تبني نموذج الدولة الحديثة، سعيا لإنقاذ مستقبل سوريا من الصراع الدولي المتوحش فوقها.
من الناحية الإحصائية، نجد أن كافة الدول القوية الغنية والمستقرة، كدول الغرب والصين واليابان والهند والبرازيل وتركيا ودول نمور آسيا وروسيا، هي دول تشترك بعنوان الديمقراطية والعلمانية في جوهر نظامها، حتى لو كانت الخلافات البنيوية والم
من ناحية ثانية، وهي الأهم، كل الدول المهددة مستقبلا بالانهيار هي دول محكومة بديكتاتوريات مطلقة، دون أي نفس ديمقراطي، ومغرقة في الانتماءات الدينية أو العرقية أو القبلية أو العائلية، مثل كل الدول العربية وإيران ودول وسط آسيا والعديد من الدول الإفريقية، وهذه الدول ليست مهددة بالانهيار لأنها فقيرة اقتصاديا فقط، فالعديد منها مثل دول الخليج العربي وإيران من أغنى دول العالم، بل لأنها تفتقر لبنية الدولة العصرية المؤسساتية، وبدون أي توجه واضح نحو الديمقراطية والعلمانية.
إذا واقعيا، وخلال الزمن الحاضر والتاريخ القريب، لا وجود لنموذج دولة أثبت نجاحه وقدرته سوى نموذج الدولة الديمقراطية العلمانية، لكن ذلك ليس نهاية النقاش، بل له تتمة.
13/10/2016
الجزء الأول “ شكل سورية المقبل هو بداية الحل”
الجزء الثاني: الدولة الديمقراطية العلمانية ضرورة وليست خيارا
الجزء الثالث: ما هي الديمقراطية
الجزء الرابع: ما هي العلمانية؟








