الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

الأقليات وقميص عثمان

24/01/2014

علاء الدين الخطيب

يتسارع قادات العالم للتمسك بقميص عثمان في المأساة السورية باسم الأقليات المهددة أو الأكثرية المظلومة بتجارة دنيئة قذرة على حساب الشعب السوري. وجنيف2 هو البداية الحقيقية لجهنم القادمة بسوريا والتي لم تأت بعد برغم كل ما حصل.

لا يمكن لدارسٍ للتاريخ أن يدعي أن الطوائف الدينية المختلفة عاشت بسلام كامل. بل كان هناك دائما اضطهاد لمجموعة دينية أو مجموعات حسب دين وطائفة الحاكم. ولعل المثال المضحك المبكي هو قصة خلفاء بني العباس مع ابن حنبل وأعداءه من علماء المعتزلة يوم تغيّر الاضطهاد مع تغيّر الخليفة.

لكن مع ذلك في تاريخ هذه المنطقة، هذه الاضطهادات اليومية ضد المسيحية، أو ضد الشيعة، أو ضد السنة، أو ضد الحنبلية، أو ضد المعتزلة، بل حتى اضطهاد الحنفية للشافعية وبالعكس، كل هذه الاضطهادات لم تتطور لما يمكن مقارنته بحروب أوروبا العصور الوسطى بين زعماء أوروبا باسم الكاثوليكية والبروتستانتية، أو حروب الإبادة في القارة الأمريكية ضد عشرات ملايين السكان الأصليين، أو الحرب الأهلية الأمريكية، أو حروب الدول الأوروبية القومية. الطفل

إن هذه المنطقة الممتدة من العراق إلى سوريا إلى فلسطين ولبنان إلى مصر عبورا بالأردن مجبورة تاريخيا على ألا تخوض حروب تصفية عرقية أو دينية بسبب موقعها المركزي في قلب العالم منذ فجر التاريخ البشري الحديث. موقعها فرض أن تبقى وعاءً قادرا على استقبال المهاجرين الضيوف، أو العابرين التجار، أو القادمين الغزاة، أو الهاربين من الغزو. ثقافة التصفية العرقية والدينية لم تستطع أن تجد سبيلا لها ضمن شعوب هذه المنطقة بقرار التاريخ والجغرافية وليس بقرار الجينات البشرية.

ما الذي حصل بعصرنا الحالي إذا لترتفع كل هذه الأصوات المنكرة تستغيث وتتحمس خوفا أو توجسا على الأقليات؟

جوابا على هذا السؤال نعود لنفس الجواب السابق حول قانون التاريخ في هذه المنطقة. إنها مركزية الموقع الجغرافي ضمن الصراع العالمي المستمر والمتوحش أكثر فأكثر. هذه الحروب وبفضل التقنية الحديثة انتقلت للسلاح الأهم والأخطر وهو سلاح الإعلام. الإعلام الذي بات أقوى وأعنف من السلاح النووي لأنه قادر على التحكم بملايين الناس ليكونوا هم السلاح والضحية والقاتل. وهذا موضوع يحتاج لأكثر من مقال ودراسة مستفيضة نرجئها حاليا، لكن باختصار يمكن القول إن البداية كانت مع النعمة-الكارثة المتمثلة بالذهب الأسود الذي منح أشد مذاهب أهل السنة تعصبا وهو المذهب الوهابي القوة المالية وبالتالي الإعلامية للتأسيس لقوة واستمرارية حكم العائلات المالكة لدول الخليج العربي. ثم كانت النقلة الأشد وطئا بوقوع الذهب الأسود الإيراني بيد أشد المذاهب الشيعية تعصبا وهو مذهب الخميني ضمن الشيعة الإمامية الإثنى عشرية.

مع غرق شعوب وإسلام هذه المنطقة في صراع هذين الوحشين الأسودين والذي مثّل أداة تدخل مثالية للسوق العالمي بدأ قانون التاريخ المستمر منذ عشرة آلاف سنة بالتشقق. لقد تعالى صوت الحقد الطائفي والديني بأكثر مما حصل خلال عشرات القرون الماضية في هذه المنطقة، لكن الكارثة أن هذا الصوت محمّل بأسلحة فتاكة وأموال هائلة ومصالح عالمية ضخمة.

والآن في سوريا، نسمع الملهاة الكهنوتية-البترودولارية تتعمق دما وخرابا. لقد شاءت الصدفة التاريخية أن يحكم سوريا ديكتاتور من الطائفة العلوية، ديكتاتورية ما كان لها أن تستمر لولا تداخل مصالحها مع مصالح زعماء كافة الطوائف السورية بمن فيهم السنة، والزعماء هم بالطبع أصحاب المال المتحالفين مع السلطة. فأجبر الإعلام المبني على شياطين حرب صفين العقل الجمعي أن يفقد أقل المعايير العقلية  اللازمة لتحليل الواقع، مما حول كل الانتماءات الطائفية والعرقية والسياسية لأقوى أدوات إدارة الصراع بين اللاعبين الكبار المتورطين في الصراع فوق سوريا، وبجهود ضخمة من قبل طبقة سياسية وإعلامية احتلت القنوات الإعلامية، سواء باسم الثورة أو باسم النظام الأسدي الديكتاتوري.

يتسابق الآن قطبا الصراع العالمي، اللاعبان الأساسيان في سوريا في رفع شعارات الأقليات وحمايتها مع علمهما طبعا أن أصل المشكلة بسوريا وبالمنطقة هي الديكتاتورية التاريخية الدموية وصراع السوق العالمي على هذه المنطقة.

المُخزي حقيقةً في هذا الصراع هو ما قام به الإعلام بفرض أصوات سورية موتورة على مسامع الشعب السوري بشكل يوميّ إن كان عبر الفضائيات أو الصحف أو الإنترنت أو الفيس بوك. لقد تحول الفيس بوك لأداة هدم فظيعة دموية في سوريا بما أظهره من مليشيا إلكترونية مجنّدة فقط لنشر التحاقد الطائفي والتفسير الطائفي للأحداث، هذا الفيس بوك يستند بقوة لإعلام عربي وغربي وشرقي يقدم التفسير الأسهل لكن الأكثر إجراما للمأساة السورية: “أصل البلاء بسوريا هو العلوية أو السنة”.

إن وقوف النخبة السورية على الحياد نائحة باكية أو مجترة لآلامها الذاتية وظلم “بني قومها لها” أو مترفعة عن النقاش الشعبي يمثل خنجرا إضافيا في قلب الوطن السوري. خاصة أن جزءا كبيرا من هذه النخبة ولأسباب مختلفة سلم قلمه وصوته لقانون السوق الإعلامي وأطلق ماكينة التحريض والتفسير الطائفي في سوريا.

وبكل مرارة نقرر بالنهاية أن هذه المأساة ليست فقط بسبب “تقاعس” أو “تجارية” بعض النخبة السورية الثقافية، بل أيضا بسبب “جبن” أو “انتهازية” الرأسمالي السوري الذي ترك بلده وشعبه ضحية يتيمة في قلب صراع السوق وهرب بأمواله بانتظار أن ينجلي غبار المعارك ليعرف على أي ضفة يقف. ما عاد لسوريا أمل إلا أن يستعيد شعبها وعيه المسروق أمام توحش مجانين الطوائف من كل الجهات.

 

24/01/2014

 

 

قد يهمك