
اتفاق تاريخي يغيّر خريطة الطاقة العالمية
علاء الخطيب
09/12/2025
في خطوة اعتُبرت من أكثر التحوّلات جرأة في السياسة الطاقية الأوروبية منذ خمسين عاماً، أعلن الاتحاد الأوروبي عن اتفاق تاريخي يقضي بالتحرّر الكامل من واردات الغاز الروسي بحلول عام 2027. هذا الإعلان جاء خلال مؤتمر صحفي جمع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، والمفوض الأوروبي للطاقة دان يورغنسن، ومدير الوكالة الدولية للطاقة الدكتور فاتح بيرول.
يمثّل القرار نهاية فصل طويل من الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي، الذي بدأ مع أول شحنات في سبعينيات القرن الماضي، واستمر حتى أصبح يشكّل 45% من واردات الغاز وحوالي 40% من الاستهلاك الأوروبي قبل الحرب الروسية–الأوكرانية عام 2022
.
تحوّل جذري في أمن الطاقة الأوروبي
أوضح الدكتور بيرول أن أوروبا “طوت صفحة كانت تشكل نقطة ضعف جيوسياسية (بإشارة لاعتماد أوروبا على الغاز الروسي)”، مشيراً إلى أن القاعدة الذهبية لأمن الطاقة هي تنويع مصادر الإمداد.
استطاعت دول الاتحاد إحراز تقدم سريع عبر التوسّع في استيراد الغاز الطبيعي المسال (LNG) من الولايات المتحدة وقطر، وزيادة وارداتها من النرويج وأذربيجان. كما لعبت البنى التحتية الأوروبية دوراً محورياً في هذا التحوّل، وخاصة محطات استقبال الغاز الطبيعي المسال، التي بلغت استطاعتها حوالي 340 مليار متر مكعب سنوياً.
يستند هذا التغيير الاستراتيجي إلى خطة العشر نقاط التي نشرتها الوكالة الدولية للطاقة بعد أسبوع واحد فقط من غزو أوكرانيا، والتي أوضحت مساراً عملياً يمكن أن يقلّل الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي بما يزيد عن 50 مليار متر مكعب خلال عام واحد، أي أكثر من ثلث الواردات السابقة.
الشكل 1، رسم توضيحي لخطة النقاط العشرة التي أطلقتها الوكالة الدولية للطاقة، بهدف انهاء اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي الروسي.
أبرز الإجراءات والأرقام التي ساهمت في خفض الاعتماد
تضمنت خطة الوكالة الدولية للطاقة مجموعة من الإجراءات التي يمكن تنفيذها فوراً، أبرزها:
- عدم توقيع أي عقود جديدة مع روسيا
بعض العقود القائمة، والتي تتجاوز 15 مليار متر مكعب سنوياً، تنتهي في 2022، وعقود أخرى تصل إلى 40 مليار متر مكعب ستنتهي بحلول 2030، وهو ما يمنح الاتحاد فرصة لإعادة هيكلة منظومة الإمداد بالكامل.
- رفع الإمدادات من مصادر بديلة
قدّر التقرير إمكانية تعويض حوالي 30 مليار متر مكعب من الإمدادات الروسية عبر زيادة الاستيراد من النرويج وأذربيجان؛ وزيادة واردات الغاز المسال بحوالي 20 مليار متر مكعب خلال عام واحد.
- تعزيز التخزين الأوروبي
توصي الخطة بأن تتجاوز مستويات التخزين 90% بحلول 1 أكتوبر، وهو ما يرفع قدرة أوروبا على تجاوز أي اضطرابات.
- تسريع نشر مشاريع الطاقة المتجددة
من المتوقع أن يضيف الاتحاد الأوروبي 100 تيراواط ساعة من إنتاج الطاقة الشمسية والرياح حسب الخطط القائمة، ويمكن أن يضيف 35 تيراواط ساعة إضافية عبر تسريع التراخيص، مما يخفض استهلاك الغاز بنحو 6 مليارات متر مكعب.
- رفع إنتاج مصادر الطاقة النووية والعضوية
يمكن أن يؤدي التشغيل الإضافي أو تأجيل إغلاق بعض المحطات النووية إلى تخفيض آخر يقدّر بـ 13 مليار متر مكعب من الغاز المستخدم في الكهرباء.
- إجراءات حماية المستهلكين في ظل الأسعار المرتفعة
قد تصل الأرباح الزائدة غير المتوقعة في قطاع الكهرباء إلى 200 مليار يورو، وهي مبالغ يمكن للحكومات الاستفادة منها لتخفيف أعباء الأسعار على الأسر الأوروبية.
- تخفيض التدفئة درجة واحدة فقط
تخفيض حرارة التدفئة في المنازل بمقدار درجة مئوية واحدة يؤدي لخفض الطلب على الغاز بنحو 10 مليارات متر مكعب سنوياً—وهو رقم يعادل تقريباً الاستهلاك السنوي لدولة مثل النمسا.
الدبلوماسية الأوروبية الجديدة: النرويج في الواجهة
ضمن هذا التحوّل، يبرز الدور المتزايد للنرويج كمورّد رئيسي للغاز إلى أوروبا بعد تراجع روسيا. الاجتماع الأخير بين رئيس وزراء النرويج والمدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة يؤكد عمق التعاون في مجالات الإمداد، والهيدروجين، والطاقة المتجددة.
وقد أصبحت النرويج اليوم الشريك الطاقي الأكثر موثوقية بالنسبة لأوروبا في مرحلة إعادة الهيكلة.
إصلاح سوق الكهرباء الأوروبي
يشهد سوق الكهرباء نقاشات حادة حول كيفية تعديل آلياته لضمان: حماية المستهلكين من تقلبات أسعار الغاز، ضبط الأرباح الزائدة، تشجيع الاستثمارات المتجددة، ودعم كهربة القطاعات الصناعية والنقل. هذه الإصلاحات ضرورية لأن ارتفاع أسعار الغاز ينعكس مباشرة على أسعار الكهرباء بحكم ارتباط السوقين ببعضهما.
تغيّرات في سوق العمل الطاقي العالمي
تشير البيانات الحديثة إلى نمو سريع في الوظائف المتعلقة بالطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، مع طلب واسع على مهارات جديدة في مجالات: الطاقة الشمسية، وإدارة الطاقة، والهيدروجين، وتقنيات التخزين.
خلاصة: أوروبا تدخل مرحلة جديدة في أمن الطاقة
يمثل اتفاق الاتحاد الأوروبي للتخلص من الغاز الروسي تحولاً غير مسبوق في تاريخ الطاقة الأوروبية. ومع أن الطريق لا يزال طويلاً للوصول إلى الاكتفاء والتنوع الكامل، فإن الإجراءات المتخذة، سواء عبر تنويع الإمدادات أو تعزيز الطاقات المتجددة أو إصلاح الأسواق، تضع القارة على مسار جديد أكثر أماناً واستقلالية.
+++
المراجع:
خارطة النقاط العشرة لانهاء اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي الروسي
المؤتمر الصحفي للاتحاد الأوروبي والوكالة الدولية للطاقة









