
رد على مقال السيد علواني: ثقافتنا وثقافتكم
24/01/2017
علاء الدين الخطيب
يثير السيد عبد الواحد علواني في مقاله ” ثقافتنا وثقافتكم (في سياسات الاندماج الأوروبية)” على شبكة جيرون، موضوعا وإشكالا أساسيا يواجه اللاجئين في أوروبا، الذي أفضل تسميته “الصدمة الحضارية”. لكن السيد علواني تناول هذا الموضوع من خلال تجربة وانطباع شخصي، لم يخدم كشارح للفكرة، بل كقيد عليها، مما أوقع التحليل في تناقضات عديدة، يمكن اختصارها بما يلي:
1. عنوان المقال “ثقافتنا وثقافتكم”، يضع حدا فاصلا بين جماعتين بشريتين نحن وهم، فإذا فرضنا ان “هم” تعني الغرب، فإن “نحن” بالتأكيد لا تعبر عن وحدة ثقافية للاجئين في أوروبا، فلا يمكن لأحد ادعاء أن ثقافة السوريين هي نفسها او قريبة من الأفغان أو الأفارقة، ولا حتى هي قريبة بما يكفي من المغربي والتونسي. فإجمال هذه الجماعات ب”نحن” خطأ أساسي في التحليل.
2. السيد علواني يدعي أن الثقافة الغربية متعالية، ويدلل على ذلك من خلال طرح مشكلة “العنف الأسري”، لن نناقش كامل الفكرة حول تعالي الثقافة الغربية لكن فقط المثال محور المقال. هنا يتخذ المقال موقفا دفاعيا. فالمقال يبدأ بحقيقة يقررها الكاتب وهي أن الطرف الغربي -الذي اختصره الكاتب بشخص غربي – يتهم الثقافة العربية بأنها تشجع العنف الأسري، وينطلق الكاتب لمناقشة العنف الاسري ونفي هذه التهمة. 
3. من المهم التذكير بحقيقة لا يراها المقال في نقاشه، وهي أن الانسان طبيعيا بأي مجتمع لا يميل للعنف خاصة مع اسرته والأقربين، والعنف الأسري حالة قليلة إحصائيا بأي تجمع بشري. كما أن حالات العنف الاسري بنسبتها القليلة كانت تاريخيا موجودة بكل المجتمعات البشرية بلا استثناء، وكانت أيضا محمية ببعض الأعراف والتقاليد حول حقوق الرجل-الأب، ولم تسلم مجتمعاتنا تاريخيا من هذه الثقافة المتساهلة مع العنف الأسري. ما حدث بالغرب كان صعودا تدريجيا لثقافة جديدة، اخذت بالتسارع من عقد الخمسينات لإرساء قيم أخلاقية وتربوية وروادع قانونية تحد من العنف الأسري، أي أن الغرب أيضا عانى من هذه المشكلة، ويستمر بملاحقتها في زمننا الحاضر، فهي ما زالت موجودة، لكن بنسب أقل بكثير بالمقارنة التاريخية لأوروبا وبالمقارنة مع المجتمعات الأخرى حاليا.
4. محاولة الكاتب نفي وجود هذه الظاهرة-المشكلة في مجتمعاتنا هو هروب من مواجهة الحقيقة. فما زالت مجتمعاتنا للآن تعيش مرحلة المجتمع الذكوري التسلطي، بدءا من الديكتاتور السياسي وصولا للذكر الحاكم بالعائلة؛ هذه المشكلة تراجعت قليلا خلال العقود الماضية، لكنها نسبيا ما زالت موجودة وبحدة مقارنة بالمجتمعات الأوروبية.
5. لا أعرف كيف عمم الكاتب بعض القراءات المنتقاة ليحول ثقافتنا العربية إلى ملائكية تنبذ العنف الأسري بشكل حازم؛ فاستخدام الضرب في المدارس الحكومية ما زال منتشرا في كل مجتمعاتنا منذ قرون طويلة، وضرب المرأة ما زال موجودا وأمام محاكمنا وبكثرة. فلا معنى لادعاء الطهرانية وكأن مجتمعاتنا فوق البشر.
6. للأسف لم تطوّر مجتمعاتنا منظومة قانونية وقيمية وأخلاقية تنبذ العنف الأسري بحزم وقوة، كما حصل في الغرب خلال القرن الماضي، بل ما زالت العديد من القنوات الإعلامية، وخاصة الدينية، تبرر العنف بحجج أنها ضرب بمسواك، وغير مبرح. فثقافتنا بالتأكيد لا تشجع العنف الأسري، لكنها لم تطور رادعا حازما في وجهه وهنا الفرق الأساسي.
7. لا أعرف أيضا من أين حكم الكاتب أن غاية سياسات الاندماج هي نسخ ومسح الذات الوافدة. هل هذا الحكم أيضا ضمن سياق تفسير المؤامرة، أم قام على تحليل متكامل لهذه السياسات؟ بالتأكيد ليس هذا الحكم قائما على تحليل هذه السياسات، فكل القوانين والدساتير الغربية وحتى القيم الأخلاقية تقوم على حماية التنوع الثقافي وحرية المعتقد والسلوك الشخصي، طالما أنه لا يتعارض مع قيم حقوق الإنسان والمرأة والطفل. فهل يقصد السيد علواني سياسات الاندماج الأوروبية حاليا؟ بالواقع كل هذه السياسات لا تشترط سوى شروط بسيطة: تعلم لغة البلد، احترام قوانينه ونظامه وقيمه، السعي للانتقال لمرحلة العمل المنتج؛ فهل هذا كثير ليُطلب من ملايين أتوا طلبا للأمان والحرية والكرامة؟ أليس من حق هذه المجتمعات التي استقبلتهم بكل كرم وإنسانية أن تطلب تعلم لغتها واحترام أسسها القانونية والقيمية؟
8. يرجع الكاتب سبب العنف الأسري إلى الاستعمار الغربي ودعمه للديكتاتورية. هل هذا يعني أن مجتمعاتنا قبل القرن العشرين، كانت تعيش بدون عنف أسري، خاصة ضد المرآة والطفل؟ أعتقد أن هذا تطرف في الخيال بلا مبرر، وهو إغراق في تفسيرات المؤامرة التي ترى الغرب شيطانا مطلق القدرة، أتى إلى بلادنا ومجتمعاتنا وقلبها ودمرها بالتعاون مع الديكتاتوريات التي دعمها الغرب. نقاش هذا التفسير المؤمراتي ليس موضوعنا، لكن يمكن اختصار الموضوع بسؤال بديهي وبسيط: إذا كانت بلادنا قبل الاستعمار الغربي بهذه الطهرانية النسبية في الثقافة والعلم والمفاهيم الاجتماعية فكيف كانت بهذا الضعف بحيث استطاع هذا الغرب “الشرير” استعمارها وتدميرها؟
9. يذكر السيد علواني نقطة غريبة جدا، وهي أن أوروبا الغربية تستقبل هؤلاء اللاجئين لتخلق طبقة اجتماعية تعيش في القاع الاجتماعي فيقول ” وبحاجة هذه المجتمعات إلى من يرضى بالخدمة في القاع”. طبعا حصلت أخطاء تاريخية مع المهاجرين القدامى وخاصة من شمال إفريقيا إلى أوروبا، أخطاء من قبل الحكومات الغربية، وأخطاء أيضا من قبل المهاجرين أنفسهم، لكن أن يجمح بنا الخيال للادعاء أن هذه سياسة موجهة لخلق طبقة فقيرة معدمة مهمشة فهذا ما لا يمكن فهمه أو تبريره. هل هذه الحكومات والمجتمعات على هذا المستوى من الشرانية والحماقة أن تخلق تجمعات بركانية من المهمشين والمتمردين في قلب ديارها؟ من ناحية ثانية، لو أن هذه الحكومات أرادت عمالا الن يتقدم إليها ملايين من أوروبا الشرقية (الأقرب ثقافيا) ومن أميركا الجنوبية وآسيا وإفريقيا وبشهادات وكفاءات عالية، فما هي حاجتهم لملايين أتوا عشوائيا تكاد تصل نسبة الأمية بينهم إلى الثلث على الأقل، وكثير منهم مرهق نفسيا وعاطفيا وجسديا من ظروف حروب وعنف قاسية؟
طبعا لا أنكر وجود أفكار عامة في الشارع الغربي عن الإنسان العربي، تصوره أنه متزوج من أربعة ويضرب أولاده، لكن هذه الفكرة العامة ليست نتيجة استعلاء ثقافي ولا إنساني، بل نتيجة حتمية لسوء التواصل بين الشعوب والذي كان محكوما دائما بالصراع السياسي، وبأحمال من التاريخ لم يتم تطهيرها جيدا. بنفس الوقت هل العنف الأسري موجود لدينا كثقافة أم لا؟ بالواقع هو موجود كما قلنا لأن ثقافتنا متساهلة معه، وبنسب أعلى من الغرب، الفرق أن ثقافتنا تمنعنا من مواجهة ذاتنا ورؤية عيوبنا وتبحث دائما عن شيطان ما خارجها يحمل هذه الأوزار، بينما أن ما رسخه عصر التنوير في الغرب وأطلقه كمنهج المجتمع الغربي بعد الحرب العالمية الثانية كان القسوة في انتقاد الذات والبحث في الأخطاء.
ليس الهدف طبعا القول إن المجتمعات الأوروبية الغربية مثالية، لا أبدا؛ هذه المجتمعات مليئة بالمشاكل والأزمات ككل المجتمعات البشرية، وبعض مشاكلها أشد حدة من مشاكل الآخرين، لكن بالمقارنة النسبية وضمن سياق المقال بالتأكيد هذه المجتمعات متقدمة بمراحل عديدة في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وخاصة المرآة والطفل.
والسؤال الأخير، بما أن هذا المقال باللغة العربية، فهل هذا ما يحتاجه اللاجئ العربي في أوروبا الغربية؟ أن يراها متآمرة متعالية عليه وهو يعيش من خيراتها بكل ما تستلزمه الحياة الكريمة التي لن يجدها أبدا في بلاده وبين من يشاركونه ثقافته.
عن شبكة جيرون









