
عندما تُؤجج الطائفية في سبيل السلطة
علاء الخطيب
09/09/2025
شكلت مجزرة السويداء بعد مجزرة الساحل ضربة جديدة قاسية للعقد الاجتماعي السوري، الذي كان بالأصل متخماً بالجروح والانشقاقات الشاقولية بعد 40 سنة من حكم الطاغيتين الأسد، و14 سنة من حرق البلد، بالصواريخ والبراميل، وبالتحريض وخطاب الكراهية الطائفي والقومي.
ما يشتت القلب والعقل أمام هذه المجزرة ليس فقط عنفها ووحشيتها، بل أيضا ما شهدته من انفلات أهوج للغرائز البدائية العشائرية والطائفية، واصطدام مختلف شرائح المجتمع السوري ببعضها، تحت تغطية إعلامية تبريرية، ليس فقط من قبل فضائية السلطة السورية المؤقتة “الإخبارية السورية”، بل أيضا بدعم كبرى القنوات العربية “الجزيرة” و”العربية” و”السكاي نيوز-عربي”. والصادم كان ما سببته هذه المجزرة من اضطرار الضحايا للاحتماء بإسرائيل الدولة المحتلة للأرض السورية؛ وما شهدناه من شكر لهمجية المهاجمين للسويداء، تحت غطاء عشائري كاذب، من قبل رأس الحكومة المؤقتة أحمد الشرع؛ وما شهدته من تبرير لوحشية بعض فصائل السويداء باعتدائها الإجرامي على البدو المقيمين في المحافظة.
لقد كانت المسألة السورية شديدة التعقيد، وربما من أكثر الأزمات العالمية تعقيداً خلال العقدين الماضيين بسبب تداخل مصالح عدد كبير من الدول، وتعقيدات الواقع المحلي في سورية. لكن المفاجأة القاسية كانت أن سقوط بشار الأسد لم يكن بداية الانفراج، بل إن مجزرة الساحل في آذار\مارس، ثم مجزرة السويداء تعكس تزايد تعقيد تداخل السياسات الإقليمية والدولية، وتعقيد التركيبة الداخلية السورية ما بين التركيبة التقليدية من طوائف وعشائر وقوميات ومناطق جغرافية، وما بين التركيبة الطبقية والسياسية والأيدلوجية، وما بين تركيبة السلاح الناتجة عن 14 سنة من الحرب والخراب.
التصعيد باتجاه المجزرة
لم تكتمل فرحة السوريين بسقوط النظام البائد، لإن من تسلم السلطة في سورية، وفق سياق ممارساته وخطاباته وإعلامه، أثبت أن السلطة المؤقتة برئاسة السيد أحمد الشرع تتجه لترسيخ حكم ديكتاتوري آخر. وعلى التوازي، وبسبب فشل من استولى على المعارضة السورية منذ 2011 كسياسيين، ونخب مشهورة في تحضير واقتراح عقد اجتماعي يتعامل مع تغير موازين القوى في سورية، سيطر على ساحة معارضة السلطة المؤقتة الجديدة أصوات ونخب وجماعات مُشتتة بدون رؤى واضحة، وبدون مشاريع حقيقية، فخرج مقابل سياسي معارض يعتمد على الانتماءات الطائفية والقومية، مما زاد من تعقيد وخطورة استمرار حالة التوتر والانزلاق الخطر للدولة السورية.
استخدم حافظ وبشار الأسد مبدأ “فرق تسد” لترسيخ سلطتهما طوال 54 سنة. فقاما ببناء سلطتهما بأحد أسسها بالاعتماد على توزيع السلطة والمزايا لزعماء الطوائف والعشائر والقوميات، فقاما بترسيخ وَهْم أن العلويين يحكمون سورية، مما أدى إلى سقوط الأكثرية العددية من السنة في وهم المظلومية، بينما تم حشر الأقلية العددية من العلويين في وهم أن أمانهم مرتبط باستمرار رئاسة الأسد.
بالمقابل اتجهت السلطة المؤقتة وفق مبدأ “فرق تسد” إلى الحد من صعود الشعور السنّي-العربي بانتصار وهمي بالعمل على استمرار شعور المظلومية السنية من خلال طرح عنوان “تحالف الأقليات”. فاستطاعت السلطة المؤقتة عبر إعلامها، وبمساندة الإعلام الخليجي تحويل المجزرة في الساحل ضد العلويين إلى مظلومية إضافية تُبقي المركب السنّي تحت وهم المظلومية، ثم كذلك فعل باستغلال المجزرة في السويداء، حيث حوّل الأنظار عن فداحة الجريمة إلى أنها مؤامرة دولية مع “تحالف الأقليات” لأنهم يرفضون أن يحكم سورية حاكم سنّي عربي.
من ناحية ثانية، وبأي قراءة موضوعية لتاريخ أحمد الشرع ورجال السلطة المحيطين به، وقراءة القرارات والخطابات الأولى للسلطة المؤقتة، والحملة الدعائية الضخمة على السوشيال ميديا للترويج لشعارات من قبيل “دمشق عادت لنا أمويةً إلى يوم القيامة”؛ نجد أن من حق السوريين عموما، وخاصةً المكونات الأقل عددا أن تخاف ولا تثق بالسلطة الجديدة. بنفس الوقت لم تبدِ السلطة المؤقتة حتى مبادرة شكلية باتجاه محاولة معالجة الصدوع الشاقولية التي تشق المجتمع السوري طائفيا وقوميا وسياسيا ومناطقيا. ومن ذلك كان قرار السويداء بالاحتفاظ بسلاحها داخل المحافظة قرار حق لهم، وترسخ هذا الحق بعد مجزرة الساحل، التي لم تنسف الثقة المطلوبة بالحكومة الجديدة فقط، بل فرضت تصعيداً للتوتر والخوف على أساس طائفي، ليس فقط من قبل المكونات الأقل عدداً كالعلويين والدروز والمسيحيين وغيرهم، بل أيضا من قبل المكون الأكثر عدداً أي المكون السنّي العربي.
على المنحى الآخر، وفي محافظة السويداء ذات الأكثرية الدرزية صعد اسم الشيخ حكمت الهجري، وهو أحد شيوخ العقل بالسويداء، للتداول الإعلامي بالشهور الأولى بعد التحرير بسبب موقفه المتصلب ضد الحكومة المؤقتة، قاطعاً كل الخيوط، الضعيفة أصلا، مع الحكومة المؤقتة. وقد قوبل هذا الموقف بسياسة براغماتية من قبل الحكومة المؤقتة لزيادة التوتر الطائفي بين الدروز وبين السنّة. فكان انتشار فيديو مفبرك لشيخ درزي يُشتم به الرسول الكريم شرارة أشعلت الحالة الطائفية. وقد كان هذا المنهج عند السلطة المؤقتة عندما شكر وزير الداخلية المؤقت من ثاروا واعتدوا على طلاب السويداء في الجامعات؛ فاشتعلت الصدامات في أشرفية صحنايا وجرمانا مع الدروز، التي تم لملمتها بصعوبة، لكن الشرخ كان قد حصل.
على التوازي انطلقت حملات إعلامية شرسة على الفضائيات والسوشيال ميديا لتصعيد الموقف ضد الدروز، فانطلقت حملات مضادة على السوشيال ميديا، حتى وصلت سورية إلى 13 تموز\آب لتنفجر المواجهات ما بين أهالي السويداء وبين قوات الأمن العام والفصائل الرديفة، التي تُعرف بأنها العناصر المنفلتة، وأيضا عناصر فوضوية تقاطرت للهجوم على السويداء باسم “الفزعة العشائرية”؛ فوقعت المذبحة الكبيرة بحق أهالي السويداء، وانطلق الإعلام الكبير والصغير يتلاعب بالأحداث ويوجه الجمهور باتجاهين متناقضين.
أدى التدخل الإسرائيلي بعد يومين من بدء المجزرة في السويداء لإيقاف جزء كبير من قوات السلطة المؤقتة التي كانت متوجهة للسويداء، مما أدى لتخفيف آثار المجزرة نسبياً. لكن هذا الاقتحام الإسرائيلي، الذي كان متوقعاً بعد احتلال إسرائيل لشريط حدودي على طول حدود الجولان المحتل، أثار على الناحية الأخرى، وبدعم واسع من الإخبارية السورية والفضائيات الخليجية، شعورا مضادا للدروز عندما اتهمت السلطة المؤقتة الدروز بأنهم حلفاء إسرائيل، ومسؤولون عن كل اعتداء إسرائيلي على سورية، رغم أن الشرع وحكومته أبدوا كل استعداد وتقبل للذهاب مع إسرائيل إلى أبعد حد للوصول لاتفاقيات أمنية ثم تطبيع.
بالرغم من كل هذا التعقيد، والتوهان السوري على المستوى الشعبي والنخبوي، إلا أن سؤال من المسؤول عن هذه المجازر بعد سقوط النظام البائد؟ ومن هو المسؤول عن تردي الوضع الداخلي السوري بعد 10 شهور من سقوط الأسد؟ سؤال مهم وأساسي لتفكيك هذا التعقيد والتعامل معه سورياً.
المسؤولية الأولى: تقع على عاتق السلطة
من حيث المبدأ، وفي غالبية الدول الديمقراطية التي تحترم شعوبها، تتحمل الحكومات مسؤولية الأحداث الكبرى، خاصةً إن كانت الحادثة محلية وليست اعتداءً خارجيا. والمؤكد أنه بدولة ديكتاتورية ذات حكم مركزي ديكتاتوري فهذا النوع من الكوارث الإنسانية هو بالتأكيد مسؤولية السلطة المركزية، وبالتالي فإن السلطة المؤقتة بقيادة الشرع تتحمل المسؤولية الأكبر عن المجازر التي وقعت منذ سقوط النظام البائد.
لكن وبغض النظر عن المبدأ السابق، فإن السلطة المؤقتة تتحمل المسؤولية لأن سياستها قامت على:
- التقاعس عن إطلاق عملية العدالة الانتقالية، بعد تأمين حماية واستقلال كامل للجهاز القضائي؛
- الإهمال المقصود لإطلاق عملية المصالحة الشعبية-الشعبية السورية، من خلال وضع خطة تتضمن عمل إعلامي واسع لإطلاق المعركة ضد التحريض وخطاب الكراهية الطائفي والقومي والسياسي؛
- الاستعانة برموز التحريض وخطاب الكراهية ليكونوا في رأس السلطة، وليكونوا نجوم الترويج الإعلامي للسلطة المؤقتة، ودعم استمرار النداء الطائفي والقومي العنصري، ولعل منهج الإخبارية السورية هو الدليل الأوضح على هذه السياسة؛
- احتكار السلطة والجيش والأمن للطائفة السنية، والتساهل مع بقايا المليشيات الجهادية السنية المتعصبة والطائفية؛
- إطلاق سياسات اقتصادية ارتجالية فاشلة تزيد من الأزمة الاقتصادية؛
- تكرار خطأ العراق بعد 2003 بتسريح كل عناصر الجيش والشرطة المدنية السابقين، وتسريح الكثيرين من العاملين بالقطاع العام بانتقاء طائفي واضح؛
- رفض وضع مشروع وخطة واضحان لشكل الدولة السورية الجديدة، مؤسساتيا، واقتصاديا، وسياسيا على المستوى الوطني والدولي؛ وهذا ما أثبته الشرع بإعلان تبرؤه من الثورة السورية التي كانت جزءاً من الربيع العربي، مع تبرؤه من الإخوان المسلمين، ومن الجهادية الإسلامية.
أما في سياسة السلطة المؤقتة المباشرة مع السويداء، فسنجد أنها لم تسعَ لمواجهة هذا التصعيد في السويداء، رغم أن ذلك كان ممكنا من البداية.
فلقد رفضت السلطة المؤقتة تحمل مسؤولية مجزرة الساحل، بل إنها أطلقت آلة إعلامية كبيرة تحريضية وطائفية، مما عزز الخوف والترقب عند كثير من المكونات السورية، بمن فيها المكون السني.
وبما يتعلق بالدروز خاصةً، كان انطلاق حملة دعائية تحريضية طائفية بشعارات إسلامية عنفية ضد الدروز، بعد نشر فيديو مفبرك لشيخ درزي يشتم الرسول الكريم، دليلاً على أن الدروز سيكونون الهدف الثاني للسلطة المؤقتة بعد العلويين.
وفي مرحلة المجزرة، كانت إدارة الحكومة المؤقتة، متمثلة بقادة الأمن العام خاصة الذين باشروا التدخل في السويداء، تقوم على الاستعانة بفصائل ثبت إجرامها في مجزرة الساحل (العمشات)، وجماعات مسلحة غير مصنفة رسمياً، ومع مسلحين استجابوا للنداء الغرائزي الذي استخدم “الفزعة العشائرية”. ومما يؤكد مسؤولية السلطة المؤقتة خروج الشرع شخصياً ليشكر العشائر؛ هذا الشكر الذي تبيّن أنه فتح طريق خلفي لإلقاء اللوم على العشائر عند اللزوم.
بالإضافة لذلك فإن التقارير الدولية تؤكد كلها وقوع مجزرة قُتل فيها أكثر من 1500 ضحية، معظمهم من المدنيين، وغالبيتهم من الدروز، بالإضافة لعشرات من البدو قتلتهم فصائل مسلحة من السويداء.
إذاً إن السلطة المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، وبالذات المسؤولين عن وزارة الداخلية والدفاع، والعمل الإعلامي، والخطاب الديني السني يتحملون المسؤولية الأكبر عن هذه المجزرة، وعن تعميق الصدوع التي ضربت العقد الاجتماعي السوري.
الهجري: خطأ التمثيل وخطورة الخطاب
أما الشيخ حكمت الهجري، فقد ارتكب خطأً استراتيجياً وسياسيا عندما تقدم ليكون الممثل الوحيد لأهل السويداء. فكونه شيخ عقل، أي رجل دين، جعل كل تصريحاته وأفعاله تُنسب للطائفة بأكملها، مما فتح الباب أمام الهجمات الطائفية ضدها. وكان الأجدر أن يتصدر المشهد ناشطون مدنيون أو قيادات علمانية تمثل التنوع الفكري والاجتماعي للسويداء، لا رجل دين يُستخدم كأداة في صراع سياسي.
بكل الأحوال الهجري اتخذ مواقف حدِّية ضد الحكومة المؤقتة منذ البداية، وهي مواقف تتفق مع رؤية نسبة غير قليلة من السوريين بسبب ماضي الشرع ومن معه من أمراء الفصائل الإسلامية الرافعة للشعار السني، لكن في مجال اللعبة السياسية، فقد كان خطاب الهجري أقرب للسردية الأيدلوجية منها إلى الخطاب والتفاوض السياسي، ويعارض مواقف الهجري السابقة من نظام الأسد ودستوره غير العلماني وغير الديمقراطي، عندما أعلن بشكل واضح دعمه الكامل لنظام بشار الأسد عام 2014.
فضمن موازين القوى المحلية والدولية يستحوذ الشرع وسلطته على تأييد إقليمي ودولي واسع، وعلى تأييد أو تقبل نسبة لا بأس بها من السوريين، الذين كانوا يراهنون على أن مجرد سقوط بشار سيكون بداية جديدة أفضل بأسوء احوالها من حكم نظام الأسد. وهنا ليس القصد أن يتوجه خطاب الهجري إلى الكذب أو النفاق كما قد يظن البعض، بل أن يتم إدارة الأزمة سياسياً من باب الواقعية السياسية التي تحتفظ بالمطالب المحقة، حول الديمقراطية وحقوق الانسان، وبنفس الوقت تفاوض للتخفيف من حدة الصدام وتكلفته. مثلا، رغم كل تحفظاتنا على سلوك هيئات المعارضة السورية، فإن هذه الهيئات كانت دائما متقدمة للتفاوض مع نظام الأسد وفق نفس الموازنة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الهجري لم يُعرف عنه المواقف المتصلبة أساساً، فقد كان معروفا أن سبب تواضع شعبيته ضمن السويداء لسنوات طويلة كان إعلانه بشكل واضح وقوي دعمه لنظام بشار الأسد منذ العام 2014، وتبنيه لسردية النظام آنذاك. ولم تنقلب مواقفه ضد النظام إلا عام 2021 بعد صدامه مع مسؤول الأمن في السويداء لؤي العلي. ولو أخذنا هذه المواقف على محمل البراغماتية السياسية من باب محاولته تجنيب طائفته صغيرة العدد الدخول بصدام مباشر مع نظام الأسد، فهذا بالتالي يناقض موقفه من السلطة السورية المؤقتة بعد شهرين من وصولها للسلطة.
ناهيك عن أن سلاح التحريض الطائفي والقومي والسياسي تم استخدامه بكثافة وبقوة ومن قبل كل الأطراف منذ بداية الثورة، وقد أتت السلطة السورية الجديدة على أسس طائفية أيضا، والمجتمع السوري انفجر بحملات التحريض وخطاب الكراهية ومن قبل كل الأطراف. فبناء على ذلك كان تقدم أي رجل دين، من أي طائفة أو دين، ليقود جماعته سياسيا سيخدم هذا الهوس الطائفي والقومي والسياسي المسيطر على سورية.
مع تصاعد الموقف بين السويداء، وخاصة الدروز، وبين الحكومة المؤقتة أتى التواصل وازدياد الإشارة إلى إسرائيل ليزيد المشهد تعقيداً، وليمنح السلطة المؤقتة أوراق إعلامية أكبر لاستخدامها ضد السويداء، تحت عنوان أن خصومتها قائمة مع الشيخ الهجري وليس مع الدروز.
ومع انفجار الاعتداء على السويداء وارتكاب المجزرة البشعة في المحافظة تحت إشراف وشكر السلطة المؤقتة بقيادة الشرع، بدأت مواقف الهجري بالاتجاه للشعبوية السياسية أكثر منها لمواقف القيادة السياسية التي تدرك الواقع وموازين القوى الجيوسياسية، والحالة الشعبية والمجتمعية.
لقد خرجت مجاميع من السوريين تشكر إسرائيل يوم اغتالت حسن نصر الله، وقادة إيرانيين كبار خلال العام الماضي، وهنا يجب فهم ردة فعل الناس الذين تعرضوا لأسوء وأبشع الجرائم والمجازر بقيادة هذه الشخصيات؛ وعلى نفس السياق يمكن تفهم أيضا ردة فعل أهل السويداء من موقف إسرائيل، سواء حين ضربت الجماعات المسلحة الكبيرة التي كانت متوجهة للسويداء، ثم إيصال الدعم الإنساني للمحافظة. لكن على مستوى القيادة السياسية هنا لا بد من فهم ما يحدث بعمقه الجيوسياسي، والاجتماعي، والوطني، والإقليمي، والدولي.
لكن الهجري صمت بالبداية، على الحملة الإعلامية على السوشيال ميديا التي قادها ناشطين من السويداء، والتي اعتمدت على مقولتين، الأولى إعلان التحالف مع إسرائيل والامتنان لنتنياهو، مجرم الحرب بالعرف الدولي، والثانية إعلان الرغبة بالانفصال وإقصاء الدروز عن العرب السنة السوريين.
وبالواقع بخطابيه الأخيرين (منذ نهاية شهر آب\أغسطس)، تبنى الهجري هذه المقولات شكلاً ومضموناً، ودعم دعوات الدعوة لانفصال السويداء لتكون دولة مستقلة، أيضا من باب أن التعايش مع العرب السنة غير ممكن.
دعوى الانفصال واستقلال السويداء، سواء كدولة أو ككيان ذاتي الحكم مستقل عن بقية سورية، بالاعتماد بشكل أساسي على دعم إسرائيل هو بيع للوهم ومقامرة بمصير 300 ألف إنسان على الأقل يعيشون في المحافظة. فتاريخ العالم المعاصر، وواقع النظام الدولي يؤكد أن انفصال أي إقليم عن دولة يحتاج أولا لتقبل الحكومة المعترف بها دوليا، أو لتبني كامل من قبل دول كبرى تحمل المشروع وتحميه، بالتحالف مع الدول الإقليمية؛ وهذا التبني لا يتم بمجرد الوعود الشفهية السرية، خاصةً وأن ترامب مرتاح للشرع وسلطته بالاعتماد على رؤية وموقف حكومات الخليج العربي وتركيا. ناهيك عن استحالة تأمين حياة حوالي 300 ألف إنسان يعيشون في المحافظة بالاعتماد على ممر إغاثة يأتي من إسرائيل، لتزويد المحافظة بالطاقة والحاجات الأساسية وغيرها من حاجات يومية. ناهيك عن أن موقف نتنياهو من السويداء لم يكن كما أشيع تحت ضغط دروز الداخل، الذين يشكلون أقل من 1.5 بالمئة من سكان إسرائيل، بل كان لغايات سياسية شخصية تتعلق بنتنياهو شخصيا وبحكومته الذين يعتمد بقائهم على امتداد حالة الحرب.
بالمحصلة
السلطة السورية بقيادة الشرع تتحمل المسؤولية الأكبر عن مجزرة السويداء، لكن هذا لا يخلي مسؤولية الهجري وأسلوبه بإدارة الأزمة والتعامل معها، رغم أن مسؤوليته تبقى أقل بكثير من الشرع. بالإضافة لذلك يشترك بالمسؤولية عن هذه المجزرة ومجزرة الساحل وغيرها مما يمكن أن يحدث تقع على الإعلام الكبير، خاصة الإخبارية السورية وغيرها من فضائيات عربية، وعلى الإعلام البديل متمثلا بمؤثري سوشيال ميديا صار تأثيرهم ينافس كبرى الفضائيات.
وهنا النوايا الطيبة لا تكفي، فالواضح أن تناول الموضوع الطائفي والقومي والسياسي بسورية يتجاوز القراءات الانفعالية السطحية، خاصة مع طبيعة سوق الإعلام الذي يسير لينافق مشاعر الجماهير العاطفية، وأحيانا يتحداها، لجلب الشهرة وحتى المرابح المادية؛ ولذلك نرى أن حتى بعض من يحاول مجابهة التأجيج الطائفي إلا أنه يقع في فخ تسعير هذا التأجيج الطائفي.
أهل السويداء — كما كل السوريين — يستحقون قيادة مدنية واعية، لا تربط مصيرهم بوعود ترامب أو نتنياهو، ولا تبيعهم أوهام الاستقلال. كما يستحقون حكومة تحميهم، لا تستخدمهم ككبش فداء في سبيل ترسيخ سلطتها باستخدام مبدأ فرق تسد، ولا تتلاعب بحقوقهم كمواطنين وكبشر وكأهل للبلد السوري.
المخرج الوحيد هو الحوار الوطني الصادق، والعودة إلى العقل، ورفض خطاب الكراهية، والتمسك بوحدة سوريا كدولة لكل أبنائها. فالسويداء “مهجة القلب”، ولا يمكن أن تتحول إلى قلب ممزق.
المصالحة الشعبية الشعبية السورية، علاء الخطيب، 03 أيار\مايو 2016
كلمة للرئيس السوري أحمد الشرع بشأن ما يجري في الساحل، 07 آذار\مارس 2025
الشيخ الهجري: المصالحات الوطنية والحوار أساس الخلاص للجميع، وكالة سانا، 25 آب\أغسطس 2014
كلمة الرئيس السوري أحمد الشرع بشأن أحداث السويداء، 19 تموز\يوليو 2025









