الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

ممر داوود رواية جديدة في أوهام نظرية المؤامرة

علاء الخطيب

15/08/2025

في الأشهر الأخيرة، انتشر مصطلح “ممر داوود  David’s Corridor” بشكل واسع في وسائل الإعلام العربية، خصوصًا على منصات مثل يوتيوب وإكس (تويتر). يُقال إن إسرائيل تخطط لبناء ممر استراتيجي يمتد من هضبة الجولان المحتلة، عبر البادية السورية وشرق الفرات، وصولاً إلى العراق، بهدف تمديد نفوذها نحو الخليج. لكن السؤال المركزي هو: هل هذا المشروع حقيقي؟ أم أننا أمام مثال جديد على انتشار نظريات المؤامرة في الفضاء الرقمي؟

 David's Corridor
David’s Corridor ممر داوود

أول ما يجب معرفته هو أن مصطلح “ممر داوود” لا يظهر في أي وثيقة رسمية إسرائيلية، ولا في وسائل الإعلام العبرية، ولا في تقارير مراكز الأبحاث الدولية. البحث في المصادر الإسرائيلية الكبرى مثل “هآرتس”، “يديعوت أحرونوت”، أو معهد “إنس” للأمن القومي INSS – Institute for National Security Studies لا يُظهر أي ذكر لهذا المصطلح. كما أن التقارير الصادرة عن مراكز أبحاث أمريكية مثل “بروكينغز Brookings“، “راند RAND Corporation“، أو “سي إس آي إس Center for Strategic and International Studies” لا تشير إلى وجود مشروع كهذا.

الحقيقة هي أن المصطلح بدأ بالظهور في أواخر 2023 وأوائل 2024، في قنوات يوتيوب ومواقع إخبارية عربية ثانوية، غالبًا بدون مصادر موثوقة. يتم استخدامه بشكل رمزي، مستوحى من الرواية التوراتية عن الملك داود، لتصوير طموح إسرائيلي وهمي بالتمدد من البحر المتوسط إلى الخليج. لكن الرمزية لا تعني واقعًا.

من الناحية العملية، بناء ممر بري بطول يتراوح بين 800 و1000 كيلومتر عبر مناطق نزاع مثل جنوب سوريا وشرق الفرات والعراق، أمر غير ممكن. فحتى لو افترضنا إمكانية البدء به، فإن التكلفة ستكون هائلة. مقارنة بجدار الفصل في الضفة الغربية (بتكلفة تجاوزت 3.4 مليار دولار لـ700 كم)، فإن تكلفة ممر بطول 900 كم قد تصل إلى أكثر من 4.5 مليار دولار. وإذا أُضيفت أنظمة تأمين متطورة مثل تلك المستخدمة في جدار غزة، فقد ترتفع التكلفة إلى 9 مليارات دولار على الأقل.

لكن التحدي الأكبر ليس المالي، بل الأمني والسياسي. تأمين ممر بري بهذا الطول يتطلب عشرات الآلاف من الجنود، وبنية تحتية ضخمة من الكاميرات وأبراج المراقبة والقواعد العسكرية. والأهم: أن هذا الممر سيمر عبر أراضٍ لا تخضع للسيطرة الإسرائيلية، بل تشهد وجودًا لقوات مسلحة للعديد من الدول، وعدد من الفصائل المسلحة. لا دولة في العالم، حتى القوى العظمى، تستطيع تأمين طريق كهذا في بيئة معادية.

من ناحية أخرى أساسية، توازن القوى الاستراتيجي بالمنطقة لا يتحمل هذا الاختراق، حتى بالنسبة للدول الحليفة للغرب تاريخيا مثل دول الخليج، أو التي وقعت معاهدات تطبيع مع الأردن. فهذا الممر لن يكون قناة اتصال بين إسرائيل وبين العراق والجزيرة السورية، بل أيضا سيقط الاتصال البري الحيوي ما بين سورية، لبنان، وتركيا مع دول الخليج العربي، مما يشكل خطراً حقيقياً على هذه الدول. ولا يمكن لإسرائيل تجاوز مصالح هذه الدول بهذه البساطة، ولا حتى ترامب يستطيع دعم مثل هذا الاختراق لتوازن المنطقة، رغم كل ما قدمه من دعم لحكومة نتنياهو.

David’s Corridor ممر داوود

البديل الحقيقي الذي تستخدمه إسرائيل هو ما يحدث فعليًا: الضربات الجوية الدقيقة باستخدام طائرات F-35 والمسيرات، والعمل السري عبر الاستخبارات (مثل الموساد)، والتعاون غير المعلن مع شبكات محلية. هذه الأدوات أرخص، وأسرع، وأقل مخاطرة من بناء طريق بري في قلب عدوّها.

لو كان الهدف من ‘ممر داوود’ هو النفط[i]، فلماذا لا تملك إسرائيل أو أمريكا أي حقل نفطي في العراق؟
لماذا تشتري الصين 60% من النفط العراقي، ونحن نتحدث عن ‘ممر إسرائيلي’؟ لأن الحقيقة لا تُروى في الفيديوهات، بل في الإحصائيات[ii].

خلاصة الأمر: “ممر داوود” ليس مشروعًا جيوسياسيًا، بل هو منتوج إعلامي رقمي، يُستخدم لتضخيم الخوف وتشتيت الرأي العام. لا وجود لهذا الممر على الأرض، ولا خطط رسمية لإنشائه. هو خليط من سوء الفهم، والخطاب التحريضي، ونظرية المؤامرة.

قبل تصديق أي خبر، خصوصًا في زمن التضليل الرقمي، اسأل: هل هذا منطقي؟ هل له مصدر موثوق؟ هل العالم كله صامت إلا هذه القناة؟
الحقيقة بسيطة: لا ممر، لا جدار، لا جنود.
فقط ضربات جوية… وخيال.

📝📝

[i]   وزارة النفط العراقية، التقرير الشهري للإنتاج والصادرات، أبريل 2024،

 https://oil.gov.iq

[ii]  International Energy Agency (IEA), “Iraq Energy Profile”,

https://www.iea.org/countries/iraq

قد يهمك