20/03/2018
علاء الدين الخطيب
الصراع الدولي فوق سورية وليس على سورية. بمعنى أن الصراع قائم بين الدول المتورطة في سورية بأهداف ومصالح تتجاوز سورية كلها، لكن الموقع الجيوسياسي لسورية، ووجود نظام ديكتاتوري بوليسي دموي يحكمها منذ 40 عاما، مصاب بهوس السلطة دون أي قدرات على لعب السياسة الدولية، أدى إلى أن يستمر الصراع بين كل هذه الدول فوق سورية، حتى لو كانت هذه الدول تملك علاقات جيدة خارج الحدود السورية. معادلة الصراع فوق سورية مقسومة لمعسكرين أساسيين: معسكر حكومات إيران وروسيا والصين، ومعسكر حكومات الخليج العربي وتركيا والولايات المتحدة الأميركية والغرب. هذا الانقسام لا يعني أن هذه الدول بالضرورة متصارعة وفق هذا التصنيف أو متوافقة، فتركيا تملك أفضل العلاقات الاستراتيجية مع إيران، وعلاقات ممتازة مع روسيا، وتعاني الآن من أزمات مع الحكومات الغربية، رغم استمرار حلفها الاستراتيجي معهم؛ كما أن الحكومتين السعودية وقطر الآن يمران بأصعب أزمة علاقات خليجية؛ لكن هاذين المعسكرين في سورية مصنفان إلى معسكر يدعم النظام الأسدي بشكل مطلق ومفتوح، ومعسكر يعادي أو يعارض أو لا يحبذ النظام الأسدي.
إذا الصراع ليس حول سورية كبلد بمساحته ومصادره البشرية والطبيعية، فهذه لا تشكل مطمعا ومبررا لكل هذه الأموال والسلاح والحروب والأزمات. الصراع فوق سورية مشتعل بسبب موقعها الجيوسياسي، الذي يشمل من ناحية تحالفها الاستراتيجي مع إيران وروسيا، ومن ناحية ثانية موقعها المتوسط بين دول المنطقة بالإضافة لمجاورتها لإسرائيل. لذلك فقد اعترف بشار الأسد شخصيا بأنه يقاتل بدلا من إيران وروسيا لكن على الأرض السورية وبدماء السوريين (1). أما قصص مصادر النفط والغاز الطبيعي أو أنابيب الغاز فهي سيناريوهات إعلامية صحفية لا سند لها، حتى لو اعتنقها صحافيون وسياسيون غربيون (2).
توضّع الصراع الدولي فوق سورية
اولا، سورية قرار استراتيجي لكل الدول المتورطة في مأساتها، وهذا كان واضحا من 2011، وليس محل مساومة بناء على قناعة سياسي أو صاحب قرار.
ثانيا، روسيا وإيران، معا أو منفصلتان، عاجزتان تماما عن فرض اي حل في سورية، لا عسكريا ولا سياسيا، وهذه حقيقة اثبتتها 8 سنوات من المعاناة السورية. فرغم ان روسيا وإيران كانتا الوحيدتين اللتان كان يهمهما ان تستقر الامور سريعا في سورية، إلا أنهما فشلتا حتى في فرض استقرار جزئي، لأن الاستقرار بمفهومهما هو بقاء نظام الطاغية الأسدي.
ثالثا، دول الخليج العربي وتركيا اتخذوا قرارهم في صيف 2011 بضرورة استغلال اللحظة والعمل على إسقاط النظام وإحلال نظام سوري جديد مكانه موالٍ وتابع لهم، لكن لخوفهم من عدم قدرتهم على التحكم بما هو قادم، فقد فضلوا السير في عملية الدعم لإسقاط النظام بالتدريج لمنح حلفائهم من سوريين، وهم هنا التيار الإسلامي السياسي سواء تيار الإخوان المسلمين أو تيار السلفية الجهادية كي يتمكنوا ويسيطروا. وقد اعتمد هذا الفريق على الدعم الغربي بشكل أساسي. إلا أن هذا الفريق لا يملك علاقات الثقة الكافية بين حكوماته، ولا الخبرة السياسية الضرورية، بالإضافة لتقليلهم من حجم الدعم الإيراني والروسي للنظام، ففشلوا أيضا في مشروعهم.
رابعا، الفريقان السابقان لم يملكا استراتيجية بعيدة المدى أو خبيرة بما يحصل، وبعد سنين قليلة أدركا أنهما تورطا في مستنقع حرب لا يمكنهما بأي شكل الانسحاب منه، حتى لو تخليا عن أهدافهما التي حدداها في 2011، لأن أي انسحاب يعني خسارة كبرى ونصرا حاسما للآخر، لذلك استمرا في محاولة البقاء وتحاشي الهزيمة الكاملة.
خامسا، الغرب بقيادة الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ما زالوا يديرون الصراع دون تلويث قفازاتهم، ويستخدمونه بنجاح حسب رؤيتهم لمصالحهم. ولم يجدوا في أي لحظة ضرورة التدخل الحاسم في سورية لإنهاء الصراع، لأن هذا التدخل سيتطلب منهم ضغطا كبيرا على حلفائهم وثمنا باهظا يقدمونه لروسيا وإيران، فوفق موازين الربح والخسارة لا يجد الغرب نفسه مضطرا لأي فعل حاسم. 
هل يمكن لروسيا فرض حل؟
كما قلنا سابقا، لو استطاعت لفعلت. لكنها لا تملك ما يكفي من أوراق اللعبة، ولا أدوات الضغط القوية على باقي الدول.
كما أن روسيا أثبتت فشلها في عدة مناحي خلال ولاية بوتين، فقد كان حلها النهائي لأزمة الشيشان وأزمة جورجيا معتمدا بشكل كامل على القوة العسكرية العنيفة. أما في أوكرانيا، وهي أهم بكثير بالنسبة لروسيا من سورية، ورغم استخدام روسيا للقوة العسكرية، إلا أنها ما زالت عاجزة عن ضمان استقرار الدولة الأهم والأخطر على حدودها الغربية، لأن الغرب تدخل في أوكرانيا وقال “لا لروسيا”.
من ناحية ثانية، النظام الروسي عجز عن حل مشاكل بلاده، وعن تأسيس دولة قوية بما يناسب إمكانيات روسيا ومواردها البشرية والطبيعية، فكاد الاقتصاد الروسي ينهار يوم اهتزت أسعار النفط العالمية في 2015، وتراجع بشكل حاد أمام العقوبات الاقتصادية الغربية، بل اهتز بعنف يوم تم تجميد العلاقات الاقتصادية مع تركيا، أي أن روسيا بلد يعتمد على الخارج بشكل كبير.
إذا روسيا عاجزة تماما عن فرض أي حل عسكري أو سياسي في سورية، دون دعم مباشر وحاسم من قبل القوى الغربية، والأزمة البريطانية الروسية الأخيرة أثبتت لمرة المئة أن ذلك بعيد المنال. لكن هذا الكلام لا يعني أن الغرب قادر على فرض حل عسكري أو سياسي دون دعم وقناعة روسية عميقة.
هل ستضرب الولايات المتحدة الأميركية النظام الأسدي؟
خرجت شائعات إعلامية عربية مصدرها أساسا قناة الميادين الموالية للنظام الإيراني والسوري، وبعض الإعلام الكويتي، بناء على اقتطاع نص ما قاله رئيس الأركان الروسي، وادعاء أخبار من مصادر موثوقة “سرية”! عن ضربة أميركية حاسمة للنظام الأسدي.
كما سبق وذكرنا، لا موجب حقيقي من باب المصالح الأميركية لأي ضربة حاسمة في سورية، وأساطير خوف إسرائيل من إيران وحزب الله ما زالت مجرد خرافات إعلامية تنافق المشاعر الشعبية.
حتى مع كل جنون ترامب، وقلبه للاستراتيجيات الأميركية، ورغبته الملحة باستعراض قوة الكاوبوي الأميركي وحزمه، إلا أنه ليس بحماقة القيام بضربة عسكرية حاسمة في سورية دون تنسيق كامل مكتمل مع روسيا وحلفائه الإقليميين. هو ربما يريد ضربة سريعة مضمونة مدروسة النتائج، ليرمم شعبيته واهتزاز كرسيه في البيت الأبيض، لكن ليست سورية هي الهدف الأمثل؛ والمرشح الأبرز له لحد الآن هو كوريا الشمالية، ومع ذلك فإن الصين وروسيا نجحتا في امتصاص حججه من خلال الضغط على ديكتاتور كوريا الشمالية. (3)
إلى أين تسير سورية؟
لعل سورية حاليا تختصر كل أزمات العلاقات الدولية فوق أراضيها، والاعتماد على الحركة الدولية لإنهاء المأساة هو سراب في صحراء تلتهم النيران رمالها، فكل أزمة بين هذه الحكومات تجد صداها في زيادة مأساة السوريين. وبوجود قادات معارضة مثل المعروفين على الساحة، من منصات استانا مرورا بهيئة التفاوض وهيئة التنسيق وصولا للائتلاف الوطني وقادات الفصائل المسلحة، وبسيطرة جماعات مشهورة على المنابر الإعلامية السورية الكبيرة أو وسائل التواصل الاجتماعي، ممن لم يقدموا خلال 8 سنوات أي توعية أو مشروع، بل بالعكس تماما ساهموا في زيادة نيران التحاقد الطائفي والقومي والديني والسياسي بين السوريين، لا يوجد أمل في تحقيق اختراق من خلالهم يستطيع إنقاذ ما تبقى من سورية والسوريين.
المساحة الوحيدة والأمل الأوحد للسوريين تبقى في ايقاظ الوعي الوطني الشعبي، حول الصراع الدولي فوق سورية أولا، وثانيا حول العبثية الدموية التي ترافق حمل شعارات الانتقام والتحارب وفق الطوائف والقوميات والأديان والمواقف السياسية، أو الصمت عنها بداعي اليأس أو راحة البال.
20/03/2018
مقالات ذات صلة:
(1) بشار الأسد: سوريا هي خط الدفاع الأول عن إيران وروسيا
(2) ما هو دور الغاز والنفط في الصراع على سورية (على جزئين)
(3) السياسة الأميركية ليست بحاجة إلى حسم الأزمة السورية
رابط مختصر
http://wp.me/P2RRDZ-DN








