علاء الخطيب
1/10/2020
دونالد ترامب
في اول مناظراته مع هيلاري كلينتون عام 2016، قاطع ترامب هيلاري 51 مرة. وفي مناظرته البارحة قاطع ترامب كلاً من جو بايدن ومدير المناظرة كريس والاس اكثر من 128 مرة. فالمناظرة كانت مخيبة للآمال في أحسن التقديرات.
الجميع، بمن فيهم بايدن وفريقه، كان يعلمون علم اليقين أن ترامب سيتبع اسلوباً استفزازياً وسيقاطع كثيراً بهدف استفزاز بايدن. وسيركز على قصة ابن بايدن، وعلى أنه يساري، وكذلك سيحاول استجرار بايدن لمناكفات شخصية.
مشجعو وداعمو ترامب يحبون ويفضلون أسلوبه هذا. أسلوب أحمق المضمون وشعبوي الشكل. لذلك فتصرف ترامب كان منسجما مع نفسه ومع توقعات مناصريه.
أما مناصرو الديمقراطيين، وقطاع كبير من الحياديين، فهم لا يميلون، او يكرهون حتى، أن تتحول مناظرة المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية إلى حفلة استفزاز ومقاطعات ومضاربات، بأسلوب مراهقين فوضويين. فبالمحصلة هذا الأسلوب مهين للدولة وللناخبين.
لم يكن ترامب محظوظا بانتشار مرض الكورونا المستجد، والأرقام الكارثية التي وصل لها عدد المصابين والمتوفين بسبب هذا المرض. وانفجار التوتر بسبب المشكلة العنصرية المقيمة بالولايات المتحدة الأمريكية والتي لم تجد طريقها للحل حتى الآن. والمشكلة الاقتصادية التي تعانيها أمريكا بسبب ذلك. كل ذلك عوامل تعمل ضد ترامب بالانتخابات وبقوة في الداخل الأمريكي.
جو بايدن
من ناحية ثانية، أحد أخطاء بايدن الكبيرة هو رفضه الاجابة على سؤال والاس، حول موقفه من ملء الشاغر في المحكمة العليا،هل سيقبل ملء الشاغر، أم يريد تعطيل العملية؟ هذا كان سؤالا متوقعا، وكان يجب أن يجد جوابا أكثر ذكاءً من مجرد رفض الإجابة. بحجة أن إعلان موقف من قبله كممثل للحزب الديمقراطي سيصبح هو المشكلة وليس السؤال الأساسي. للأسف كان يجب أن يدرك أن الناس قبل الانتخابات بأسابيع ليست مستعدة لدروس حول كيف تجري اللعبة السياسية وكيف يتم تأويل المواقف السياسية، الناخبون يريدون إجابات واضحة.
ربما يكون تكراره لعبارة “اغلق فمك” لترامب مرتين مهينة لترامب. والتي قابلها ترامب بعدم الاكتراث، مما سيسعد قليلا المناهضين لترامب وهو يتم اهانته علنا كمراهق صغير يأمره الكبار بالصمت.
لكن بالمحصلة، حتى الاعلام الامريكي المؤيد لترامب رأى ان المناظرة كانت فضيحة قومية، لان المرشحين لم يقدما الاحترام الواجب للشعب الامريكي الذي ينتظر منهما اجابات واضحة ومحددة، وليس حفلة مقاطعات، ومهاترات شخصية لا تهم الناخب الأمريكي.
طبعا من الظلم القول ان بايدن قاطع بنفس قدر ترامب. ترامب قاطع 128 مرة، بينما بايدن بالكاد قاطع عشر مرات. لكن مشكلة التناول الاعلامي بهذه الحالات انه يقف في حياد مزعج ويلخص القول: أنتما لم تحترما الناخب الامريكي، حتى لو لُمْنا ترامب. فالمراقب سيلوم العاقل بينهما الذي كان يجب أن يحاول أكثر السيطرة على أصول المناظرة.
إذا ترامب لم يخسر مناصريه الذين اتخذوا قرارهم مسبقا. لكنه بالتأكيد لم يكسب مؤيدين جدداً. أما بايدن فهو أيضا لم يخسر مؤيديه، ليس بسبب ذكائه خلال المناظرة، بل لأن ترامب بأسلوبه زادهم كرهاً له.
لكن المشكلة هي في المجموع الكبير المحايد المتردد، الذي لم يتخذ قراره بعد. بايدن لم يستطع ضمان أن يستميل نسبة كبيرة من هذه المجموعة. بنفس الوقت لا يعني ذلك أن هذه المجموعة ستصوت لترامب. فالمشكلة في امريكا وأوروبا الغربية هي في أن سلبية هذه المجموعة، التي تصل إلى 20 أو 30 بالمئة من الناخبين، قد تتجه لمقاطعة الانتخابات، وهنا المشكلة الأساسية بأداء بايدن. فهدفه الأساسي هو استمالة هذه الشريحة الواسعة، وتحريضها كي تصوّت ولا تكتفي بالمراقبة.
باختصار كان أداء بايدن معقولا، لكنه لم يكن أحسن من هيلاري كلينتون في 2016.
ما الذي يثير قلق ترامب أكثر من غيره؟
التصويت بالبريد الذي أصبح متاحا لغالبية الناخبين الأمريكيين يثير قلق ترامب وفريقه. لإن فوزه سابقا، مثل فوز العديد من اليمين المتطرف في أوروبا الغربية، حصل لأن شريحة “اللامبالين” أو “الغاضبين” أو “المشغولين”، أي الناخبون الذين لا يذهبون للتصويت بسبب عدم مبالاتهم بالنتائج، او بسبب غضبهم من الطبقة السياسية كلها، أو بسبب ظروف حياتهم اليومية، هم الكفة المرجحة في الانتخابات ذات النتائج الحرجة مثل هذه الانتخابات.
الآن مع إمكانية التصويت عبر البريد، فإن عددا كبيرا من هذه الشريحة ستدلي بصوتها، وبالتالي سترتفع نسبة المشاركة، وبهذه الحالة فالاحتمال الأكبر هو أن أصوات هذه الشريحة لن تذهب لترامب. لأن من يناصر ترامب، او من هم من نمط ترامب سياسيا، هو انسان يملك الحوافز الكافية للتصويت والحركة والعمل.
لهذا السبب فمنذ الآن، وضمن المناظرة، أعلن ترامب انزعاجه من تعميم إمكانية التصويت بالبريد، وأعلن منذ الآن تشكيكه بهذا الأسلوب وبنتائجه تحسبا من خسارة محتملة.
الخطأ الأكبر
الخطأ الاكبر يقع على عاتق قادات الحزب الديمقراطي، الذين كرروا نفس خطأ 2016 يوم أصروا على ترشيح هيلاري كلينتون، وهم يعلمون أنها لا تحظى بشعبية كبيرة كافية. والآن أصروا على إخراج ساندرز الشخصية الكاريزماتية والعقل المتحفز، وترشيح بايدن، السياسي التقليدي الديمقراطي، الذي لم يعرفه الامريكيون كثيرا. لانه كان نائب أوباما الذي غطى بشخصيته وسياسته على كل من حوله.
خسارة ساندرز أمام بايدن لم تكن بسبب التصويت ضمن الحزب الديمقراطي فقط، بل بسبب دعم قادات الحزب الكبار لبايدن. ولنفس السبب في حالة هيلاري كلينتون: علاقات الاثنين الشخصية ضمن الحزب ونظرة الحزب التقليدية للانتخابات.
مشكلة امريكا واوروبا الغربية هي في العقلية السياسية التقليدية التي ما زالت تسيطر على الاحزاب الكبيرة. يمين الوسط واليمين المتشدد استسلم امام اليمين المتطرف، وقرر ركوب قطاره، فسمح لليمين المتطرف ان يبرز من بين صفوفه، كما فعل ترامب وجونسون ببريطانيا. بينما الاحزاب الاخرى ما زالت تعمل بنفس طريقة العمل التي اعتادتها خلال عقود طويلة، دون ان تدرك حقيقة التغيرات التي تزلزل العالم. ودون أن تعترف أن سبب صعود اليمين المتطرف، مثل ترامب، هو نتيجة أخطائها الكبيرة على الأقل خلال العقود الثلاثة الماضية.
أتمنى أن يُصحِّح بايدن وفريقه هذه الاخطاء، ويكونوا جاهزين لمفاجآت ترامب وفريقه. لأن بقاء ترامب ليس فقط كارثة على أمريكا بل على كل العالم. ونجاح بايدن هو أهون الشرين، أهون بكثير في الواقع من شر ترامب.
أكثر الانتخابات الأمريكية امتحانا للموقف الأخلاقي
الموقف من ترامب موقف اخلاقي اولا واخيرا، ولا يمكن قبول ترامب والدفاع عنه تحت أية حجة من نمط الواقعية السياسية. فالدفاع عنه وتبرير تصرفاته، إما أنه ناتج عن جهل وقصر نظر، أو عن مشكلة أخلاقية عميقة في رؤية العالم والإنسانية. ولا يستدعي ذلك طبعا أن الموقف الصحيح أخلاقيا هو تأييد بايدن أو الديمقراطيين بالمقابل، لكن ضمن الواقعية السياسية مهما كان بايدن والديمقراطيون فهم أقل سوءاً بمراحل كبيرة من ترامب.
وللتذكير فقط بآخر سقطاته الأخلاقية، رفض ترامب إدانة اليمين الابيض العنصري كفكرة وكسلوك بشكل واضح في المناظرة، وبالعكس بقي كلامه عائما، ومُبّطناً بالتهديد. خاصة وأنه قال عدة مرات سابقاً أن مناصريه مستعدون للقتال من أجله، وضمن هذا التوتر والانشقاقات الشاقولية في المجتمع الأمريكي، فاندلاع حوادث عنف واسعة نسبيا ليس مستبعدا إن خسر ترامب.
وحتى في جوابه على سؤال هل سيقبل بنتائج الانتخابات؟ كان جوابه أيضا غائما، بل يشير إلى أنه لن يقبلها لأنه منذ الآن وضع الخطة الرديفة، فبدأ بالاحتجاج على العملية الانتخابية ونزاهتها. فالواضح أنه لن يقبل النتائج إن خسر مهما كان الفارق كبيرا.
وهنا تبرز أهمية إصراره على تعيين المرشحة جاستس باريت، اليمينية المتطرفة المؤمنة بكل حماقات اليمين الأمريكي الجمهوري المحافظ، والتي من ضمنها ان المرأة اقل مكانة من الرجل. فوصولها للمحكمة العليا سيسهِّل عليه كثيراً عملية الطعن بالانتخابات التي ينوي القيام بها بحال خسارته، بل مع وجود أغلبية من القضاة المحافظين المؤيدين للجمهوريين هناك احتمال لأزمة كبرى لم تواجهها الولايات المتحدة سابقا.
الشرق الأوسط والرئاسة الأمريكية
بالنسبة لمنطقة الشرق الاوسط، فإن فوز ترامب سيزيد من عمق الكوارث التي تملء ترابها وسمائها وماءها. رغم أن بايدن لن يكون صاحب العصا السحرية، لكنه على الأقل سيتبع سياسة اكثر عقلانية بالنظر لأوروبا وروسيا ودول المنطقة. وسيحاول المساعدة على تحقيق الاستقرار، وليس ممارسة ألعاب ترامب البهلوانية، والتي تضرب شركاءه الأوروبيين قبل غيرهم.
————————-










