الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

سوريا أكبر من شيعيتكم وسنيتكم

24/06/2019

علاء الدين الخطيب

 

الصراع فوق سوريا صراع حكومات وأنظمة دولية كل منها يسعى لأهدافه الاستراتيجية المبنية على مصالح سياسية واقتصادية وسلطوية، محلية وإقليمية ودولية؛ الجميع يستخدم كل ما هو متاح من أسلحة وأدوات، يقايض ويساوم، يتنازل ويطالب، يدفع ويقبض، يربح ويخسر؛ والمأساة السورية تستمر وستستمر، بينما يحفر الدم والألم والقهر عميقا في شرايين الشعب السوري.

أقوى الأسلحة وأكثرها استخداما هي الحرب الإعلامية الشرسة، وتجييش يقوده سياسيون مع كتائب مُطَبِّلين مُصفِّقين، وتحريض طائفي وقومي يقوده مال أسود، وشاشات وصفحات تواصل اجتماعي تقطر كراهية وظلامية.

حرب ينافق لها أقلام رمت عقلها وموضوعيتها وارتهنت لسوق الإعلام، تنتقي بمهارة تفلسفية تناسب صاحب القناة، ليكون القائد الأحكَم الأحلَم، ويسيرون خلف دهماء شعبوية، يبرهنون على عصبيات ابن خلدون بقصص القهاوي العبثية، ينافقون الطبيعة الغرائزية، ويمنحونها عناوين ديالكتيكية بصيرورات ارتدادية بين كهوف التاريخ وعناوين الاخبار.

ينتفضون كمجاهدين قاعديين، بدون لحية مغبرة وعمائم ملفوفة، بل بربطات عنق برتقالية ترامبية وبرافانات نيوزيلندية، خاثفين ألا يميّز النازي الأبيض “المسكين” بين ليبراليتهم المزعومة وبين سحنة أورثهم إياها مليار ونصف ” مسلم همجي متخلف”، رماهم القدر الأحمق بينهم؛ فيخفون تحت علمانيةٍ شكليةٍ طائفيةً داعشيةً، وجهلا أوروبيا قروسطيا.   

 

حرب يباركها شيوخ وكهان بمختلف ألوان العمائم والرايات يوزعون فتاوى الإيمان والكفر، الجنة والنار، الشهادة والنحر، على صفحات صفراء خطّها فقيه أو شيخ قبل مئات السنين؛ فيصدرون صكوك الفرقة الناجية، ويقصقصون صفحات التاريخ، وينتقون من آيات القرآن والحديث، مما يدعم حججهم المتهافتة.

وفي سوريا بعد العراق، وبعد 1400 سنة من تقاتل الزعماء والشيوخ على قميص عثمان ودم الحسين، وبعد دماء الملايين التي أزهقت تحت راية هذا الفرعون وذاك، يعود نظام الطاغية الأسدي، وقادات الصراع في المنطقة والعالم، ليشحنوا ويحرضوا المغفلين تحت رايات شيعية أو سنية، وكل فريق يصرخ “قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار“، دون أن يسألوا أنفسهم، ماذا تركنا لخالق الجنة والنار إن كنا نحن من نحاكم ونحكم ونقتل؟

تراث المسلمين مليء بكل ما يريد صاحب الغاية أن يجد فيه، عشرات آلاف الشيوخ والفقهاء والعلماء، وآلاف الحكام والزعماء، ومئات النزاعات والحروب، أنتجت لكل ظالم فتوى، ولكل متعصب اجتهادا، ولكل غاية تبرير.

وجد شيوخ شيعة متعصبون ما أرادوا، بين كتب قدمائهم الصفراء، من تحريض وتكريه وتخويف، فنحلوا حديثا عن لسان علي بن أبي طالب، يقوّلونه فيه:

إذا اختلف الرمحان بالشام لم تنجل إلا عن آية من آيات الله.

قيل: وما هي يا أمير المؤمنين؟

قال: رجفة تكون بالشام يهلك فيها أكثر من مائة ألف يجعلها الله رحمة للمؤمنين، وعذابا على الكافرين، فإذا كان ذلك فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة والرايات الصفر تقبل من المغرب حتى تحل بالشام، وذلك عند الجزع الأكبر والموت الأحمر، فإذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها حرستا، فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس حتى يستوي على منبر دمشق، فإذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي

ونقلوه بصياغة أخرى فقوّلوا عليا: “إذا اختلفت الرايات السود خسف بقرية من قرى إرم، وسقط جانب مسجدها الغربي، ثم تخرج بالشام ثلاث رايات: الأصهب، والأبقع، والسفياني، فيخرج السفياني من الشام، والأبقع من مصر، فيظهر السفياني عليهم

لكن شيوخ السنة المتعصبين، وقادات التحاقد الطائفي كانوا بالمرصاد، فنقلوا وأكثروا من أحاديث منسوبة للرسول الكريم تحرّض وتكرِّه، فنسبوا لرسول الإسلام أنه قال “تكون فتنة بالشام أولها لهو الصبيان ثم لا يستقيم أمر الناس على شيء، ولا تكون لهم جماعة حتى ينادي مناد من السماء: عليكم بفلان، وتطلع كف تشير“.

وأضافوا ناحلين “أربع فتن تكون بعدي الأولى: يسفك الدماء. والثانية: يستحل فيها الدماء والأموال. والثالثة يستحل فيها الدماء والأموال والفروج. والرابعة: صماء عمياء مطبقة تمور مور الموج في البحر حتى لا يجد أحد من الناس ملجأ تطوف بالشام وتغشى العراق وتخبط الجزيرة بيدها ورجلها تعرك الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم ثم لا يستطيع أحد من الناس أن يقول مه..مه لا يدفعونها من ناحية إلا أنفقت من ناحية أخرى“.

وتستيقظ فتاوى ابن تيمية من تحت غبار القرون، فتحكم بقتل الملايين، لأنهم خالفوا عقله ومذهبه، وتحلل دمائهم ونسائهم؛ فتهب أمام رعود فتاويه مقالات المجلسي من تحت الأنقاض، تعلن تكفير كل من خالف هواه؛ وكلا المنهجين يسيران ببركات من شيوخ قدسوا جدودهم أكثر من قرآنهم.

 

ومع هذا وذاك، تنهال قصص التاريخ واساطير الرواة، عن ظلم الروافض والنواصب، والفرقة الناجية الوحيدة، وكفر أولئك وهؤلاء، ويخرج التاريخ بألف لون وعمامة، لكل فريق منهم حائط مبكى يقف أمامه. وتنهال الأموال والسلاح، وتنتشر كالسرطان الفيديوهات والخطب في مواقع العنكبوت الشبكي، وتستعر ساحات التواصل الاجتماعي، ومن بين مئات الملايين المتفرجين المستسلمين للأقدار ينحدر ياجوج وماجوج الجهادوية متسنّين ومتشيّعين، يعيثون فسادا ودما فوق أرض أقدم حضارة بشرية.

وبالمحصلة، ما زال جزار كيماوي الغوطة وخان شيخون في قصره، يتكلم فيصفق أتباعه، ويومئ فيخروا له ساجدين، يوزع شهادات الوطنية والشرف حسب الولاء له ولأبيه الطاغية من قبله، والبراء من كل من قال “نريد حرية وكرامة ووطنا سوريا”.

وتحت قنابل الطاغية وبراميله، وبين جنازير دباباته الجهنمية، ينتشر أمراء الجهاديات والطوائف، يصكون صكوكا من دولارات، وصكوكا من فتاوى للجنة والنار.

فلا يبقى قلب أم سورية لم يفطره الألم والأسى، ولا يخلو صدر أب سوري من دموع دم وآهات قهر، ولا يبقى لعيون أي شابة وشاب سوري دموع يذرفها. وكل التجار، تجار الدين والطوائف والقوميات والوطن والحرية، ما زالوا يعدون بالانتصار المجيد، والفوز المؤزر.

أما القاعات الفخمة، فتزدحم بها الكاميرات أمام قادات العالم، يهلون بابتسامات صفراء، ومصافحات داعرة، يتشاورون ويتحدثون، ثم يدلون بتصريحات وبيانات، ويعقدون المؤتمرات؛ ثم يتركون لبضعة مئات من تجار السياسة والوطن السوريين الشاشات.

وفي إدلب تجتمع نذر الموت والقتل، فوق ثلاثة ملايين من السوريين، أكثر من نصفهم أطفال لم يعرفوا منذ ولادتهم سوى الخوف والهرب من موت قادم، فلا يكادون يميزون بين عصفور يطير وبين صاروخ يسقط، حتى باتوا يظنون أن البراميل من جنس الطيور، والألغام مما تنبته الأرض.

وتستمر قصة القتل الجماعي المعلن، ومع كل آهة ألم من تحت تراب سوريا، تعلو أصوات “يا علي، يا حسين”، لتجيبها أصوات “يا عمر، يا عثمان”، فتصدح صيحات “يا اسد، يا أسد”، وتختلط الرايات، وتشتعل ساحات الوغى على شاشات عناكب الانترنت، وتزدحم خيوط الشبكة بالسباب والشتائم، والتكبير والاستغفار، والشماتة والبكاء،  ويضيع صوت الأنبياء، ويعلو صوت الكهان: “قتلاهم في النار، وقتلانا في الجنة”، فيرعد من قاسيون بوق كبير، “ممانعون مقاومون للأبد”، بينما تبحث طائرات الحاخامات عن متر لم يفجره الطاغية في سوريا، وعن أرض لم يكفرِّها المتجاهدون، فتعود لأحضان جزار غزة في تل أبيب تشكو له ممانعين مقاومين مع مجاهدين مقاتلين، لم يتركوا لقنابلها مربعا تفجره.

لكن تبقى الحقيقة التاريخية أن سوريا ستنهض لإنها أكبر من شيعيتكم وسنيتكم اللتين فصلتموهما على قياس أهوائكم وجهلكم، وأقوى من ممانعة ومقاومة محوركم المشغول بدماء الأبرياء. سوريا الإنسان أكبر مما تفترون على اسمها وأديانها وطوائفها وقومياتها، وأرقى من أوهام انتقاماتكم وثاراتكم العمياء.

 

  بروكار برس

 

 

 

 

 

قد يهمك