الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

حلب دفعت ثمن خطايانا

21/12/2016

علاء الدين الخطيب

 

لقد كان الانتصار العسكري المحدود للنظام السوري وحلفائه، الحكومتين الروسية والإيرانية، في حلب صدمة كبيرة للكثيرين بالمعنى العاطفي للكلمة، فكثيرون بكوا حرقة وألما، والعديدون المسكنون بفوبيا الخوف من الإسلاميين وقفوا حائرين بين تبدد بعض هذا الخوف، وبين عودة الخوف من النظام السوري، والجماعتان تملكهم الخوف على أهالي حلب الشرقية من همجية المليشيا الموالية للنظام السوري، والمتسلحة بشعارات شيعية؛ قليلون فقط من رقصوا في عتم الليل وأمام كاميرات النظام السوري. لكن ما يهمنا هنا هو العودة لحكم العقل وتحليل ما حصل، فالأسئلة الموضوعية في حال اشتداد الأزمات هي الطريق للخروج منها، وليس الغضب أوالحزن أو اليأس.

لماذا حصل ما حصل؟ سقوط حلب الشرقية بيد النظام السوري وحلفائه لم يكن مفاجأة لمن كان يتتبع ما يحصل بسوريا منذ 2011، وما حصل بالسنة الأخيرة وحلب تحديدا؛ فكل المؤشرات السياسية كانت تؤدي إلى أن النظام سيحقق تقدما تكتيكيا في سوريا، وذلك بفضل دعم حلفائه، المتفقين على هدف محدد واضح وهو بقاء النظام كما هو في سوريا لإن بقاءه ضرورة استراتيجية لأمنهم القومي، وبسبب فوضوية من يخاصمه (ولا يعاديه) من حكومات الإقليم والعالم، غير المتفقين على ماذا يريدون في سوريا سوى منع سيطرة إيران وروسيا على سوريا؛ لكن هل هذا هو فقط السبب؟

ما حدث في حلب مؤخرا، وفي سوريا خلال السنين الماضية، كان مرتبطا بشكل كبير بأخطائنا كسوريين عموما، وكسوريين يرون أنفسهم ضد ديكتاتورية نظام الأسد؛ لا يمكننا الاكتفاء برمي الملامة على كذب وخداع الحكومات التي ادعت صداقتنا، ولا شرانية الحكومات التي دعمت النظام. نعم، إن الصراع الدولي فوق سوريا هو سبب رئيسي لزيادة حجم الكارثة السورية، لكن ما كان لهذا الصراع أن يفعل ما فعل لو تمكنّ السوريون، أو غالبيتهم، من اتخاذ موقف أكثر وعيا وعقلانية.

لقد كان أهم سلاح استخدمه جميع الأطراف المتصارعة على سورية هو انجراف الوعي السوري الشعبي في أنفاق التفسيرات السهلة للمأساة، مثل التفسيرات الطائفية والقومية والمؤامرتية التقليدية؛ وهروب الشارع السوري إلى ردات الفعل العاطفية على كل حدث صغير أو كبير، وتراكم ملايين الخبرات وردات الفعل الشخصية الفوضوية؛ أي أن الشارع السوري فعلت به الشروخ العمودية فعلها الأشنع.

ما حصل كان أساسا بسبب أخطاء وخطايا جوهرية ارتكبتها العديد من قادات المعارضة السورية، وقادات الفصائل المسلحة، ومشاهير الإعلام المعارض، وكثير من العاطفية واليأس والغضب المسيطر على عموم السوريين؛ لقد قدمت مأساة حلب الدليل الأكثر وضوحا، وللأسف بدمائها وآلامها، على حجم سطحية وضحالة الرؤيا المنتشرة بين طبقة السوريين الذين كان يتوجب عليهم قيادة وتوجيه الحراك الشعبي  ضد النظام السوري.

الثورة السورية، أو الانتفاضة، أو أيا ما أردتم تسميتها، كانت حركة ملايين من الناس، أي أن الفوضى في حركتها أمر حتمي، نعم كانت الغالبية السورية تريد هدفا واحدا: الديمقراطية والكرامة الإنسانية، لكن هذا الهدف العام ليس كافيا لتأطير حركة الملايين؛ فأي حراك شعبي ضخم بحاجة لقيادة واعية تتمسك بالهدف العام للحراك الذي أجمع عليه عموم الناس، لكنها بنفس الوقت تطرح القدوة وتقرر تفاصيل حركة هذا الحراك؛ فإذا لم تتوفر هذه القيادة لعموم الناس، فإن الطرف المستهدف- وهو هنا السلطة- سيستطيع بسهولة نسبية تفريغ الحراك الشعبي من زخمه، وتشتيته وتفريقه ومن ثم حرفه إلى المسار الذي يناسبه، مما يسهل القضاء على هذا الحراك تدريجيا. وهذا ما حصل بسوريا منذ 2011 إلى الآن، أضف لذلك التدخل الدولي الغير مسبوق تاريخيا في بلد بحجم سوريا، تدخل هدف إلى احتواء الناتج بما يناسب مصالح المتدخلين عند جميع الأطراف، سواء الحكومات التي ادعت صداقة الشعب السوري، أو الحكومات التي أعلنت بشراهة دعمها للنظام الأسدي.

لقد تم فرض قيادات متعددة على الثورة السورية، وبأشكال مختلفة، عبر الإعلام والمال السياسي، ولم يتح للسوريين المعارضين للنظام فرصة فرز قيادة وطنية واعية لهم، لا سياسية ولا عسكرية؛ هذا الفرض ترافق مع حملات الكترونية تعتمد على الشعارات الشعبوية والحماسيات عند فئة ممن يمكن تسميتهم “شبيحة” الثورجية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن العامل الأهم، والذي تسبب بالكسر الحقيقي للثورة وللدولة الوطنية السورية المنشودة، كان العامل الديني الطائفي والقومي؛ هذا العامل أدى بنجاح كبير إلى تفتيت الحاضنة الشعبية، وفتح بوابات ضخمة للمتطرفين الدينيين والطائفيين، وكذلك للمتعصبين عرقيا بالذات عند العرب والأكراد.

كذلك فإن المتسلطين على السلاح المعارض، أحالوا غالبية قادات ما كان ردة فعل طبيعية، أي الجيش الحر، وما كان يجب أن يكون خادما للثورة الشعبية وليس قائدا لها، إلى مليشيات ارتزاقية تتبع أوامر من يمولها عبر قادات ميدانيين، هم بغالبيتهم أعجز، فكريا ووطنيا وحتى دينيا، عن قيادة أنفسهم لمصلحة خير للوطن السوري؛ فتكاثرت كالفطر الجماعات المتوارية تحت الحماسية السنية، والتي امتلكت حسب أوامر الممولين والداعمين الإعلاميين لها، سماحية كاملة بدق إسفين قاتل في جسد الوطن السوري، متحججين بأن النظام الأسدي استخدم المليشيات المتوارية خلف رايات شيعية، وكأنهم كانوا يتوقعون أن النظام “سيلعبها بنظافة أخلاقية”.

هذه الأمراض كانت واضحة منذ منتصف العام 2012، لكن الإعلام وكتائب وسائل التواصل الاجتماعي المتطرفة، والمال السياسي وقوة السلاح منعت هذا الوضوح من الخروج للعلن، وحاربت من يواجه هذه الأمراض، رغم سلسلة الهزائم والخطايا والجرائم المرتكبة باسم الثورة والاسلام. وطبعا تهربت غالبية القيادات المعارضة من مواجهة هذه المخاطر واعتماد رؤية أكثر عمقا للصراع الدولي، وفشلت في مواجهة هذا التفتيت للشارع السوري، وانساقت بخطابات شعبوية مكررة حماسية منافقة للحكومات الداعمة، وانتهازية للمشاعر الغرائزية البدائية التي تظهر طبيعيا في هذه الأزمات الكبرى عند الشعوب.

بعد أن بدأت المفاجأة المزعومة بالانتصار العسكري المحدود للنظام في حلب بالبرود قليلا، بدأت جهود الإعلام المسيس ووسائل التواصل الاجتماعي بالبحث عن مؤامرة كونية تبرر فشل القيادات المعارضة السورية، وتجارية غالبية قادات الفصائل المسلحة المعارضة للنظام. بل بلغ الأمر أن تخرج صيحات توحيد من هدم الثورة وشعار الدولة الوطنية بقيادة نفس شيوخ النصرة ومشتقاتها.

بكل الأحوال، فإن الفشل المترسّخ في بنية النظام الأسدي الدموي، وعجز حلفائه حكومات طهران وموسكو، لن يستطيع استثمار هذا الانتصار العسكري المحدود، لمصلحة سيطرة النظام على سوريا، لكن هذا يعني أيضا استمرار المأساة السورية، ومعاناة السوريين ما بين الطرفين، ويعني أن لن تكون هناك غلبة لأي طرف، والخاسر الوحيد يبقى الشعب السوري.

حلب لا تريد نداءات إصلاح لما هو قائم من قيادات معارضة، وقادات فصائل مسلحة؛ حلب وسوريا بحاجة لثورة سورية أخرى على من سرق حلم الدولة السورية المستقرة الديمقراطية العصرية، وأرادها ديكتاتورية جديدة تابعة لحكومة ما غير إيران، أو خرافة دولة إسلامية منهارة.

 عن:  شبكة جيرون

 

قد يهمك