
علاء الخطيب
09/01/2026
في صباح 3 يناير 2026، لم يُعتقل نيكولاس مادورو فحسب، بل اختُطف معه مبدأٌ كامن في النظام الدولي الحديث: أن القانون، لا القوة، هو أساس التفاعل بين الدول. العملية العسكرية الأمريكية الخاصة التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي من قلب كاراكاس، بمهارة تكتيكية بالغة، لم تكن مجرد “ضربة استباقية” ضد ديكتاتور متهم بالإرهاب والاتجار بالمخدرات، بل كانت إعلانًا صريحًا بانتهاء زمن الاتفاقيات والمؤسسات، وبداية حقبة جديدة يسود فيها منطق “مبدأ مونرو” بنسخته الخشنة: أمريكا تفعل ما تشاء في نصف الكرة الغربي، وفقط.
لم يكن الحدث فنزويليًا داخليًا، ولا أمريكيًا إقليميًا. كان لحظةً عالميةً كاشفة. فلأول مرة منذ عقدين، تُقدم دولة عظمى على اختطاف رئيس دولة ذات سيادة دون تفويض من مجلس الأمن، ودون غطاء قانوني دولي، بل وحتى دون توافق داخلي واضح في الكونغرس الأمريكي، حيث توزّع الرأي العام بين مؤيد ومعارض ولا مبالٍ. ومع ذلك، سارت العملية. لا لأن القانون غائب، بل لأن القوة قررت أنه لا يُلزمها.
وهنا تظهر الحقيقة المؤلمة: القانون الدولي لم يُخرق بقدر ما كُشف عجزه البنيوي. فميثاق الأمم المتحدة يحظر استخدام القوة (المادة 2/4)، لكنه يمنح الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الأمن، ويسمح لها برفض اختصاص محكمة العدل الدولية، كما فعلت في قضية نيكاراغوا في الثمانينيات. أما المحكمة الجنائية الدولية، فلا ولاية لها على مواطني دول غير أعضاء، مثل الولايات المتحدة. النظام القانوني الدولي، إذًا، ليس نظامًا عامًا، بل أداة انتقائية تُفعَّل حين تخدم القوي، وتُعطَّل حين تقف في وجهه.
لكن الأخطر من غياب الشرعية هو غياب الرؤية السياسية. فرغم التفاخر الأمريكي باحترافية “العملية الخاصة”، لم تُقدّم واشنطن تصورًا متماسكًا لليوم التالي. تصريحات ترامب المتناقضة، من “سنشغّل فنزويلا” إلى “لن نتدخل في حكمها”، تعكس فراغًا استراتيجيًا أكثر مما تعكس براعة. وبدل دعم شخصيات معارضة ذات شرعية انتخابية وشعبية، مثل إدموندو غونزاليس أو ماريا كورينا ماتشادو، اتجه القرار الأمريكي إلى دعم تعيين نائبة مادورو نفسها، ديلسي رودريغيز، رئيسةً مؤقتة باسم “الاستقرار”.
هذا الخيار لا يعني إسقاط النظام، بل إعادة تدويره من الداخل. وهو قرار يكشف قلق واشنطن من الفوضى أكثر مما يكشف حرصها على الديمقراطية. كما يعكس حقيقة أخرى تجاهلتها العملية: أن المعارضة الفنزويلية نفسها، المنهكة بالقمع والانقسامات وفقدان التنظيم بعد سنوات من الاستبداد، لم تكن جاهزة لملء الفراغ. وبدل الاستثمار في مسار سياسي طويل النفس، فُضّل حل إداري سريع، يضمن الهدوء وانسياب النفط، ولو على حساب التحول الحقيقي.
ولكن أي استقرار هذا؟ إن كان المقصود غياب الاحتجاجات واستمرار الإنتاج النفطي، فهو استقرار هشّ ومؤقت. فالدول لا تُبنى بإزاحة الرأس وحده، بل بتفكيك البنية التي أنتجته. تجارب العراق وليبيا وسوريا تؤكد أن إسقاط القمة دون إعادة بناء القاعدة لا يولد إلا فراغًا، تملؤه الميليشيات أو يعيد إنتاج الاستبداد بأسماء جديدة.
ومن جديد، يُطرح النفط كحل سحري. ترامب يكرر: “لن يكلّفنا شيء، سنبيع النفط!”، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. قطاع النفط الفنزويلي منهك، ينتج أقل من مليون برميل يوميًا (مقابل 3.2 مليون عام 2000)، ويحتاج إلى استثمارات تفوق 50 مليار دولار لاستعادة طاقته السابقة. نفطه ثقيل وحامضي، لا يناسب كل المصافي، وسوقه مشبعة. الحديث عن تمويل إعادة الإعمار من عائداته يعيد إلى الأذهان أوهام ما بعد غزو العراق، التي لم تتحقق، بل ضاعفت الخسائر. 
في هذه الأثناء، تراقب العواصم العالمية المشهد بقلق. موسكو ترى في العملية سابقة تُستخدم لتبرير حربها في أوكرانيا: إذا جاز لواشنطن اعتقال رئيس دولة، فلماذا لا يحق لروسيا “حماية” دونباس؟ بكين تستثمر الحدث في خطاب “الهيمنة الأمريكية”، وتعيد التأكيد على مبدأ السيادة، تحضيرًا لكل سيناريو قد يُستخدم مستقبلًا ضد تايوان. طهران تلاحظ أن الردع الحقيقي لا يكون بالخطاب الثوري، بل بامتلاك أوراق قوة فعلية، كما فعلت كوريا الشمالية. أما أوروبا، فتشعر بانكشاف متزايد: شريكها الأمريكي لا يتردد في فرض إرادته بالقوة، حتى دون تشاور حقيقي مع الحلفاء.
حتى داخل أمريكا اللاتينية، لم يُستقبل الحدث بارتياح. فدول مثل البرازيل والمكسيك وكولومبيا، رغم عدائها لمادورو، تنظر بقلق إلى عودة منطق “الفناء الخلفي”، بكل ما يحمله من ذاكرة تدخلات وانقلابات غذّت تاريخيًا الشعبوية المعادية لواشنطن بدل الاستقرار الإقليمي.
بهذا المعنى، لم تكن العملية موجهة ضد مادورو وحده، بل كانت رسالة ردع قائمة على السابقة: تذكيرًا بأن رأس الدولة نفسه لم يعد خطًا أحمر. سابقة تقول للأنظمة المارقة والمتمرّدة، وللحلفاء المترددين أيضًا، إن حدود السيادة باتت مرنة حين تتعارض مع المصالح الحيوية.
وهنا تصبح فنزويلا حالة نموذجية، لا استثناءً. فإذا بات تغيير الأنظمة بالقوة مقبولًا، ولو تحت عناوين مكافحة المخدرات أو حماية المصالح، فما الذي يمنع تكراره؟ كوبا؟ المكسيك؟ دول في إفريقيا أو آسيا تُصنَّف فجأة كـ“تهديدات أمنية”؟
وفي منطقتنا، حيث اعتدنا تغليب القوة على السياسة، لا تبدو فنزويلا بعيدة. في سوريا وليبيا واليمن، تكرّس منطق “الواقع المفروض” بدل الحل السياسي. الأنظمة تتعلم أن البقاء لا يُقاس بالشرعية، بل بالقدرة على الصمود. والمعارضات تدرك أن صناديق الاقتراع بلا سند قوى تبقى رمزية. والقوى الدولية، بدل بناء الدول، باتت تدير الأزمات كمجالات نفوذ.
الدرس الأهم ليس في سقوط مادورو، بل في طريقة سقوطه: دون سياسة، دون شراكة، ودون رؤية. فنزويلا لا تحتاج رئيسًا جديدًا فقط، بل عقدًا اجتماعيًا جديدًا، ومؤسسات مستقلة، وعدالة انتقالية حقيقية. ومنطقتنا لا تحتاج تغيير وجوه، بل كسر الحلقة التي تجعل القوة شرطًا للشرعية، والشرعية رهينة السلاح.
السؤال الحقيقي الذي تطرحه فنزويلا اليوم ليس: هل سقط مادورو؟
بل: هل ما زال العالم قادرًا على بناء دول؟
أم أنه اكتفى بإدارة الفوضى؟
والإجابة، للأسف، تُكتب الآن، لا في كاراكاس وحدها، بل في غرف القرار في واشنطن وموسكو وبكين… وأحيانًا، في عجزنا نحن، شعوب ما بعد الإمبراطوريات، عن تخيّل وطن لا يُمنح بالإكراه.








