الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

هل سيسقط النظام الإيراني؟ الحرب، الدولة العميقة، وحدود التغيير من الخارج

علاء الخطيب

13/03/2026

قد يكون سؤال: هل يمكن أن تسقط الحرب النظام الإيراني؟ سؤالاً مباشراً، لكنه في الحقيقة من أكثر أسئلة المنطقة تعقيداً. بكل الأحوال لن نتوقف عند هذا السؤال بصيغته الساذجة، لأن السؤال الأدق هو:
هل يمكن لقصف خارجي، مهما كان عنيفاً، أن يُسقط نظاماً بُني أصلاً ليعيش تحت الحصار، ويعمل في بيئة أزمة دائمة، ويعيد إنتاج نفسه حتى بعد الضربات الكبرى؟

التقديرات الاستخباراتية الأميركية المسربة تقول إن النظام الإيراني ليس على وشك الانهيار، وأن الحرس الثوري والقيادة الانتقالية ما زالوا ممسكين بالدولة.

لكن في المقابل، هناك معطيات أخرى لا يمكن تجاهلها:
إيران دخلت 2026 وهي أصلاً في حالة إنهاك داخلي كبير، مع احتجاجات واسعة في أواخر 2025 وبداية 2026، وتدهور اقتصادي حاد، وتآكل واضح في الشرعية الاجتماعية والسياسية. دراسات عدة رأت أن هذه الجولة من الاحتجاجات كانت الأوسع منذ احتجاجات مهسا أميني عام 2022، لكنها لم تنتج بعد الشروط الكافية لإحداث تحول نظامي شامل.

إذن نحن أمام مفارقة:

  • النظام ضعيف… لكنه ليس ساقطاً.
  • مضروب… لكنه لم يُكسر.
  • مكروه من قطاعات واسعة… لكنه ما زال يملك أدوات الدولة الخشنة.

المحور الأول: ماذا تقول الدراسات فعلاً؟

لو جمّعنا أحدث ما نُشر في الأيام والأسابيع الأخيرة، نجد اتجاهاً واضحاً جداً: معظم التحليلات الرصينة لا تقول إن النظام الإيراني سيسقط قريباً بشكل حتمي. بل تقول العكس تقريباً: السقوط السريع غير مرجح، لكن التحول التدريجي أو الصراع الداخلي أو الفوضى الجزئية تبقى احتمالات قائمة.

تمحور التحليل في معهد بروكينغز، حول أن الحرب قد تصل في النهاية إلى “مخرج” سياسي، لأن الإدارة الأميركية نفسها رفعت شعارات متضاربة: مرة تتحدث وكأن الهدف هو تغيير النظام، ومرة تنفي ذلك عملياً. والأهم أن بروكينغز يحذر من أن بقاء النظام، ولو بشكل “أقل رعباً”، يبقى احتمالاً جدياً جداً.  وفي مقال آخر من بروكينغز، التحذير أشد:
حتى لو انهارت القيادة الحالية، ليس هناك أي ضمان أن تكون النتيجة أفضل؛ فقد يبقى النظام أكثر قمعاً، أو ينهار ويدخل البلد في فوضى ممتدة، أو تظهر قيادة أكثر تشدداً وأقل استعداداً للتنازل.

من ناحية ثانية ركز معهد كارنيغي ركز على نقطة حاسمة: التجربة المقارنة تقول إن الاحتجاجات ضد الأنظمة السلطوية الصلبة نادراً ما تسقطها، خاصة عندما تكون ماكينة القمع ما زالت قادرة على العمل، وحتى في إيران نفسها فإن مجزرة قمع احتجاجات ديسمبر 2025 ويناير 2026 ربما قتلت أو سجنت جزءاً كبيراً من أكثر العناصر استعداداً للمواجهة.

أما معهد وواشنطن فقد قالها بصيغة مباشرة جداً: القنابل قد تضعف النظام الإيراني، لكنها لا تستطيع أن تبني بديلاً مكانه، لأن المعارضة مشتتة، والقمع متراكم، والحرب الجوية وحدها لا تنتج انتقالاً سياسياً منظمًا.

المحور الثاني: لماذا لا تكفي الحرب لإسقاط النظام؟

النظام الإيراني ليس مجرد شخص في القمة. ليس صدام حسين أو بشار الأسد حتى نتخيل أن إزالة الرأس تعني تلقائياً انهيار البنية. إيران أقرب إلى نظام متعدد الطبقات: مرشد أعلى، مؤسسة دينية، حرس ثوري، أجهزة استخبارات وأمن، قضاء مسيّس، اقتصاد عسكري-ديني، وشبكات مصالح مترابطة. لهذا السبب، حتى بعد اغتيال خامنئي، بقي التقدير الاستخباري الأميركي أن القيادة لا تزال متماسكة نسبياً، وأن الحرس الثوري والقيادة الانتقالية ما زالوا يسيطرون على الدولة.

إضافة إلى ذلك، الأنظمة العقائدية-الأمنية التي عاشت عقوداً تحت العقوبات والتوتر الخارجي تطور ما يمكن تسميته “غريزة البقاء تحت النار”. هي لا تنهار بسهولة لأن بنيتها الذهنية والمؤسساتية مصممة أصلاً على العمل في حالة حصار دائم. هذا ما يفسر لماذا تتحدث بعض التحليلات عن أن إيران قد تعمل حتى في حالة “الطيار الآلي” المؤسسي، خاصة مع سيطرة الحرس الثوري على مفاصل حساسة من الدولة والاقتصاد والأمن.

كذلك، الحرب الخارجية قد تُنتج أثراً معاكساً أحياناً: بدل أن تدفع الناس فوراً إلى الشارع ضد النظام، قد تدفع جزءاً منهم إلى الاصطفاف الدفاعي حول الدولة، أو على الأقل إلى تأجيل الصراع الداخلي أمام التهديد الخارجي. هذا ليس قانوناً ثابتاً، لكنه احتمال معروف في السياسة المقارنة، وتلمح إليه أكثر من قراءة حديثة.

فالسؤال:  إذا كان الهدف فعلاً إسقاط النظام، فما الآلية؟

  • القصف الجوي؟ وحده لا يكفي.
  • تمرد مسلح داخلي؟ لا توجد حتى الآن قوة واضحة قادرة على ذلك.
  • تمرد كردي واسع؟ رويترز نقلت عن تقارير استخبارات أميركية أن الجماعات الكردية الإيرانية لا تملك حتى الآن العدد والسلاح الكافيين لخوض معركة مستدامة ضد الدولة.

المحور الثالث: ماذا عن الشارع الإيراني؟

قد يسأل أحدهم:
لكن أليست إيران تغلي من الداخل؟

الجواب: نعم، لكن الغليان شيء، والسقوط شيء آخر.

الاحتجاجات التي انفجرت أواخر 2025 وبدايات 2026 كانت كبيرة، وتغذت على الانهيار الاقتصادي، وتراجع العملة، وامتداد الشعور بأن النظام لم يعد قادراً حتى على تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة. معهد إلكانو وصفها بأنها واسعة ومهمة، لكنه قال أيضاً إن شدتها وتماسكها التنظيمي وبنيتها السياسية ظلت غير متجانسة، ولذلك لم تنتج حتى الآن شروط التحول النظامي.

كذلك، تقارير حقوقية دولية تتحدث عن عنف كبير في القمع، وقتلى وإصابات واعتقالات جماعية، ما يعني أن النظام ما زال يملك استعداداً وأدوات لاستخدام القوة القصوى للبقاء. منظمة هيومن رايتس ووتش أشارت إلى استخدام ذخيرة حية ووسائل قمع عنيفة خلال احتجاجات نهاية 2025، كما أشار مكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة إلى تدهور كبير في الوضع مع شبه قطع كامل للاتصالات في يناير 2026.

من هنا تظهر المفارقة الإيرانية:
السخط الاجتماعي عميق، لكن البنية القادرة على تحويله إلى بديل سياسي ما تزال ضعيفة. وهذا بالضبط ما يجعل كثيراً من الدراسات تقول إن الأزمة بنيوية، لكن لحظة الحسم لم تنضج بعد.

المحور الرابع: ماذا يعني مقتل خامنئي وصعود مجتبى خامنئي؟

المنطق البسيط يقول: اغتيال المرشد الأعلى يجب أن يهز النظام. لكن ما حدث فعلياً، بحسب التغطيات والتحليلات المتاحة، هو أن النظام تحرك سريعاً نحو ترتيب الخلافة وإظهار الاستمرارية، مع إعلان مجلس الخبراء تعيين مجتبى خامنئي مرشداً أعلى.

السؤال هنا ليس فقط: هل مجتبى يتمتع بشرعية؟

بل: هل الشرعية نفسها ما زالت هي المصدر الحقيقي للسلطة؟

كثير من القراءات توحي بأن الثقل الحقيقي انتقل أكثر فأكثر إلى الحرس الثوري، بحيث صار المرشد، أيّاً كان اسمه، يعمل داخل بنية أمنية-عسكرية-عقائدية أوسع منه. لذلك فإن التغيير في القمة لا يساوي بالضرورة تغييراً في طبيعة النظام.  هذا قد يفتح ثلاث احتمالات:

  • إما أن الخلافة الجديدة تعيد توحيد النخبة،
  • أو تخلق صراعات صامتة داخل مراكز القوة،
  • أو تقود إلى نظام أشد عسكرة وأقل “فقهية” من قبل.

فهل نحن أمام استمرارية الجمهورية الإسلامية، أم أمام انتقالها الهادئ إلى جمهورية حرس ثوري بواجهة دينية؟

المحور الخامس: ما السيناريوهات الواقعية؟

لو أردنا ترتيب السيناريوهات من الأكثر ترجيحاً إلى الأقل، فقد يبدو المشهد على هذا الشكل:

السيناريو الأول: بقاء النظام مع تعديلات داخلية

هذا هو السيناريو الأكثر حضوراً في التحليلات الحالية. النظام يخرج ضعيفاً، لكنه باقٍ؛ يعيد ترتيب قيادته، يشدد القمع، وربما يذهب إلى مساومة محدودة أو هدنة أو إعادة تموضع استراتيجي.

السيناريو الثاني: بقاء النظام لكن بصيغة أكثر عسكرة

أي أن يصبح الحرس الثوري أكثر مركزية، ويجري تهميش بعض الواجهات السياسية والدينية التقليدية. هذا لا يعني سقوط النظام، بل تحوله إلى نسخة أصلب وأشد خشونة.

السيناريو الثالث: تصدع داخلي في النخبة

ليس ثورة شعبية شاملة، بل انشقاق أو صراع بين مراكز القرار: الأمن، الحرس، المؤسسة الدينية، الرئاسة، الشبكات الاقتصادية. هذه السيناريوهات لا تظهر دائماً بسرعة، لكنها كثيراً ما تكون أكثر أهمية من لحظة الشارع نفسها. بعض التحليلات لا تستبعدها، لكن لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية على أنها وصلت نقطة الانفجار.

السيناريو الرابع: انهيار فوضوي

هذا هو السيناريو الذي يحذر منه بروكينغز و مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS  تحديداً: سقوط النظام لا يعني تلقائياً ولادة نظام أفضل، بل قد يعني حرباً داخلية، وتفككاً أمنياً، وتدخلات إقليمية، وارتدادات تمتد إلى العراق والخليج وما بعدهما.

السيناريو الخامس: انتقال سياسي منظم

هذا هو أضعف السيناريوهات حالياً، لأنه يحتاج توافر ثلاثة شروط معاً: نخبة منسجمة، أو على الأقل منقسمة بشكل بنّاء بين معسكر مستعد للتفاوض التنازلي (soft-liners) ومعسكر متشدد يرفضه؛ معارضة منظمة وموحدة قادرة تشكل بديلاً قابلاً للتصديق، لا شبكات مشتتة بين الداخل والخارج؛ وضامن داخلي (جيش مستقل نسبياً) أو خارجي قادر يضمن التزام الطرفين بأي اتفاق. حتى الآن، الحرس الثوري لا يمثل معسكراً منقسماً بقدر ما يمثل بنية مركزية موحدة المصلحة، والمعارضة الإيرانية بقيت تاريخياً مشتتة بين تيارات لا تتفق على بديل واحد، فيما الجيش النظامي (Artesh) ليس مستقلاً بما يكفي ليلعب دور الضامن. هذا يجعل إيران أقرب لنماذج الأنظمة السلطوية الصلبة (حيث تندمج أدوات القمع والاقتصاد في بنية واحدة) منها لحالات الانتقال التفاوضي التي شهدتها أوروبا الشرقية أو أميركا اللاتينية.

المحور السادس: ماذا يعني هذا للمنطقة؟

حتى لو لم يسقط النظام، فإن الحرب غيّرت البيئة الإقليمية المحيطة بإيران بالفعل. CSIS  لفتت إلى أن إيران قد تخسر غالباً المعركة العسكرية المباشرة، لكنها تخوض حرباً أخرى ضد الاقتصاد العالمي وسلاسل الطاقة والنقل. ورأينا بالفعل كيف تصاعد التهديد للممرات والبنى التحتية في الخليج في الأيام الأخيرة.

هذا يعني أن السؤال ليس فقط: هل سيسقط النظام؟ بل أيضاً: كيف سيحاول البقاء؟

  • هل عبر توسيع الاستنزاف البحري؟
  • هل عبر تفعيل ما تبقى من الشبكات الإقليمية؟
  • هل عبر تصدير الأزمة إلى الجوار؟
  • هل عبر مفاوضات اضطرارية من موقع الضرر لا من موقع القوة؟

وبالنسبة للمنطقة العربية، لا سيما العراق وسوريا ولبنان، فإن أخطر ما في المشهد ليس فقط بقاء النظام أو سقوطه، بل الفراغات التي قد تنفتح في الطريق بين الحالتين. لأن الدول الهشة حول إيران هي أول من يدفع ثمن أي مرحلة انتقالية مضطربة.

المحور السابع: الخلاصة النهائية

باختصار، النظام الإيراني قد يُهزم أو يُضعف أو يُعاد تشكيله، لكن سقوطه السريع بالحرب وحدها ليس السيناريو الأرجح الآن. والسبب ليس أنه محبوب أو شرعي أو متين أخلاقياً. السبب أنه نظام أمني-عقائدي عميق، يملك مؤسسات قمع، وشبكات بقاء، ومعارضة لم تنجح بعد في التحول إلى بديل منظم، فيما الحرب نفسها قد تنتج آثاراً عكسية وتفتح الباب على فوضى لا تقل خطورة عن بقاء النظام.  

لهذا، السؤال الأدق ليس:
هل سيسقط النظام الإيراني؟
بل:
ما الذي سيتغير فيه، ومن سيملك القدرة على توجيه هذا التغيير: الحرب، الشارع، أم صراعات الداخل؟

 

——–

أهم المراجع والدراسات التي يمكنك ذكرها أثناء البث

قد يهمك