الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

الحرب التي ينتصر فيها الجميع. ويخسر فيها العالم

أخطر الحروب. ليست التي تُهزم فيها… بل التي لا يستطيع أحد أن يخسرها

علاء الخطيب

24/03/2026

نحن لا نعيش مجرد فصل جديد من فصول التوتر في الشرق الأوسط. نحن نعيش اللحظة التي يُعاد فيها تعريف النظام العالمي تحت النار. منذ تلك الليلة الفارقة في 28 شباط\فبراير، حين اهتزت الأرض تحت المنشآت الحيوية الإيرانية، والعالم توقف عن طرح الأسئلة التقليدية. السؤال اليوم ليس “من ضغط على الزناد؟” بل “إلى أين تمضي الصفقة الكبرى؟”. هل نحن أمام حريق شامل يأكل الأخضر واليابس؟ أم أننا أمام “طبخة سياسية” نضجت على نيران صواريخ كروز والفرط صوتي؟ قبل أن نبحر في الأرقام والخرائط، دعونا نتفق على شيء واحد: هذه ليست حرب صواريخ فحسب، إنها “حرب روايات”. الغرب يراها ملف طاقة واستقرار. إسرائيل تراها وجوداً وردعاً. طهران الرسمية تسوقها كملحمة كربلائية. والمعارضة الإيرانية تراها القشة التي قد تقصم ظهر النظام. وبين كل هذه الصرخات، هناك صمت مطبق يلف الضحايا المدنيين الذين لا تذكرهم النشرات. نحن نعرف عدد “التراكمات الصاروخية”، لكننا نجهل تماماً عدد القلوب التي توقفت خوفاً أو جوعاً.

الرواية الفارسية – ماذا يحدث خلف “ستار الحديد”؟

دعونا نغوص في الداخل الإيراني، وتحديداً فيما لا تنقله الشاشات العربية. المواطن في طهران أو أصفهان يعيش في “فقاعة إعلامية” محكمة. الإعلام الرسمي، عبر وكالة IRNA و Press TV، استبدل كلمة “خسائر” بكلمة “ارتقاء”، وكلمة “دمار” بكلمة “فرصة للتحرر من التبعية التقنية”. هناك خطاب تعبوي هائل يقول للشعب: “هذه الحرب هي المخاض الضروري لولادة إيران القطبية”. لكن خلف هذه البروباغندا، هناك تحول هيكلي مخيف. التحليلات الصادرة باللغة الفارسية تشير إلى أن مركز الثقل انتقل كلياً من “العمامة” إلى “البدلة العسكرية”. أسماء مثل مجتبى خامنئي لم تعد تُذكر كخلفاء روحيين فقط، بل كقادة عمليات يشرفون على “غرفة القيادة والسيطرة”. لقد تحولت إيران خلال الأسابيع الثلاثة الماضية من “ثيوقراطية دينية” إلى “ديكتاتورية أمنية عسكرية” محضة. وفي المقابل، إذا فتحت نافذة الإعلام المعارض مثل “Iran International”، ستجد صورة مغايرة تماماً: تقارير عن شلل في شبكات الكهرباء، طوابير طويلة على المخابز، وتململ في المحافظات الطرفية مثل سيستان وبلوشستان وكردستان، حيث انشغلت قوات “الباسيج” بالجبهات الخارجية، مما ترك ثغرات أمنية في الداخل. هذه “الفجوة المعلوماتية” هي أخطر سلاح يواجه النظام الآن؛ فالفارق بين “رواية النصر” على الشاشة و”واقع الجوع” في الزقاق هو الذي يصنع الانهيارات الكبرى.

هندسة الرعب العسكري – رسالة دييغو غارسيا

لكن الحدث الذي قلب الطاولة عسكرياً وجعل العواصم الأوروبية ترتجف، هو وصول الصواريخ الإيرانية إلى مدى 4000 كيلومتر. عندما استهدفت إيران جزيرة “دييغو غارسيا” في المحيط الهندي، لم تكن تضرب مجرد قاعدة، بل كانت تضرب “قلب الخدمات اللوجستية الأمريكية”. دييغو غارسيا هي المستودع الاستراتيجي للقاذفات B-52 و B-2 التي تدير العمليات من المحيط الهندي وصولاً لبحر الصين الجنوبي. الرسالة هنا كانت مشفرة بالبارود: “المعركة لم تعد إقليمية، نحن قادرون على ملاحقة المصالح الأمريكية في أقاصي البحار”. والأخطر من ذلك، أن هذا المدى يضع برلين، باريس، ولندن نظرياً تحت رحمة الصواريخ الإيرانية. هنا تحولت أوروبا من “وسيط يحاول التهدئة” إلى “طرف مذعور يبحث عن خلاص”. لم يعد الأمر يتعلق بأمن إسرائيل أو تدفق النفط فقط، بل أصبح يتعلق بأمن “العمق الأوروبي” نفسه. هذا التطور هو المحرك الحقيقي لما نسميه اليوم “الرغبة في الإنهاء”، فالكل أدرك أن التصعيد القادم لن يكون له سقف.

سلاح النفط والغاز – من سيصرخ أولاً؟

لننتقل الآن إلى “أكسجين العالم”: الطاقة. العالم يتساءل: لو أُغلق مضيق هرمز لثلاثين يوماً، هل يسقط العالم؟. الأرقام تقول أننا لن نعدم النفط، فالمخزونات الاستراتيجية (SPR) في أمريكا والصين واليابان قادرة على تغطية النقص المادي لمدة تتراوح بين 60 إلى 90 يوماً. لكن “الكارثة” ليست في توافر البراميل، بل في “تسونامي الأسعار” و”سلاسل التوريد”. مضيق هرمز هو شريان يضخ 20% من نفط العالم وحوالي 25% من الغاز المسال (LNG). الصرخة الأولى ستأتي من “النمور الآسيوية”. الصين تستورد 10 ملايين برميل يومياً، واليابان وكوريا الجنوبية تعتمدان بنسبة تفوق 80% على هذا الشريان. توقف التدفق يعني سكتة دماغية للصناعة الآسيوية. أما أوروبا، التي ظنت أنها تخلصت من ابتزاز الغاز الروسي، وجدت نفسها مرتهنة للغاز القطري الذي يمر عبر هرمز. إغلاق المضيق يعني عودة “شتاء الرعب” وتضخم قد يطيح بحكومات بأكملها. والمفاجأة الحقيقية هي في “دول الخليج” نفسها؛ فالأزمة هنا ليست في براميل النفط التي لا تجد طريقاً للخارج، بل في “سفن الغذاء” التي لا تجد طريقاً للداخل. دول الخليج تستورد 80% من احتياجاتها الغذائية، وأي حصار بحري يعني قفزة جنونية في أسعار المعيشة. أما الولايات المتحدة، فهي “الرابح الأقل ضرراً”؛ فهي مصدر صافٍ للطاقة، لكنها ستعاني من “زلزال سياسي” داخلي مع وصول سعر الغالون لأرقام قياسية، مما يهدد الاستقرار الانتخابي هناك.

الرؤية العبرية – النصر المرّ وفخ الانهيار

في إسرائيل، التحليلات الجيوسياسية في صحف مثل “Haaretz” ومنشورات معهد “INSS” لا تحتفل كثيراً. نعم، هناك نشوة عسكرية بتدمير البنية النووية والقدرات الصاروخية الإيرانية، لكن هناك “قلق استراتيجي” من اليوم التالي. إسرائيل تدرك أن “إيران المنهارة” أخطر بكثير من “إيران القوية”. انهيار المركز في طهران يعني تحول الدولة إلى “ثقب أسود” يجذب الميليشيات، السلاح المنفلت، وفوضى تشبه النموذج السوري لكن بمساحة قارة وبشرية تفوق 85 مليون نسمة. الإسرائيليون الآن لا يبحثون عن “نصر مطلق” يمحو الخصم، بل يبحثون عن “إضعاف مستدام” يُجبر النظام على توقيع صك الاستسلام. هم يريدون “نظاماً إيرانياً جريحاً” يوقع على التنازلات النووية والإقليمية مقابل البقاء، لا نظاماً ميتاً يترك خلفه بحراً من الميليشيات غير المنضبطة.

صيغة “منتصر-منتصر” – هل هي حقيقة أم خيال؟

وهنا نصل إلى جوهر تساؤلنا: “الحرب التي ينتصر فيها الجميع”. كيف يمكن ذلك؟. الإجابة تكمن في المصطلح السياسي “Weak Win – Weak Win” أو “نصر الضعفاء لبعضهم البعض”. في هذا السيناريو، كل طرف سيخرج لجمهوره ليعلن الانتصار، لكنه في الحقيقة يقدم تنازلاً مؤلماً. إيران ستعلن انتصارها لأن “النظام لم يسقط” ولأنها أثبتت قدرتها على الوصول إلى دييغو غارسيا، لكنها ستوقع في الغرف المغلقة على إنهاء الطموح النووي ورفع يدها عن الوكلاء الإقليميين مقابل رفع العقوبات وضخ السيولة لإعادة الإعمار. أمريكا وإسرائيل ستعلنان الانتصار لأن “الخطر النووي زال” ولأن هيبة القوة العسكرية استُعيدت، لكنهما ستضطران للاعتراف بشرعية النظام الجديد في طهران والكف عن محاولات إسقاطه. العالم سيربح “الاستقرار” وعودة تدفق الطاقة، لكنه سيخسر “وهم الأمن المطلق” بعد أن رأى كيف يمكن لشهر واحد من الحرب أن يضع الكوكب على حافة المجاعة الطاقية. الحقيقة المرة أن الحرب اليوم لم تعد تبحث عن “حسم عسكري”، بل تبحث عن “نقطة توقف تكتيكية”. الجميع خسر شيئاً، ولا أحد ربح كل شيء.

الخاتمة: دعوة للتفكير

هل نحن بصدد نهاية الحرب، أم أننا بصدد بداية “نظام إقليمي جديد” مبني على توازن الرعب والاحتياج المتبادل؟ إذا كانت هذه هي “الحرب التي ينتصر فيها الجميع”، فمن الذي دفع الثمن الحقيقي؟ هل هم القادة الذين يوقعون الصفقات في الغرف المكيفة؟ أم الشعوب التي لا تزال تنتظر في طوابير الوقود والغذاء؟ هل تعتقدون أن “الصفقة الكبرى” ستصمد أمام طموحات الجنرالات في طهران وضغوط اليمين في تل أبيب؟

قد يهمك