علاء الخطيب
آخر تحديث 10/12/2024
الدولة المؤسساتية المؤسسة على مثلث الحداثة: الديمقراطية والعلمانية وشرعة حقوق الانسان الدولية، هي الحل الأفضل والأكثر قابلية للتطبيق للسير بالدولة في القرن الواحد والعشرين، لتحقق ضمان التطور المستقبلي، وتضمن حقوق مواطنيها.
وهذا الطرح هو طبعا طرح يعارض وينقد طرح الاسلام السياسي: الاسلام هو الحل. فالإسلام دين وليس دولة، والدولة يجب ان تحقق الكرامة والعدالة لمواطنيها لكي يستطيعوا ان يحموا اديانهم وإيمانياتهم ولا اديانهم.
مقدمة
بعد أن سقط نظام حافظ وبشار الأسد بفضل نضال الشعب السوري بكل أطيافه ضد الطغيان، عاد سؤال شكل سورية الدولة ليكون السؤال الأهم الذي يواجه السوريين. لأن أسلوب وكيفية واستراتيجية إعادة بناء سورية إنسانياً ووطنياَ واقتصادياَ واجتماعيا وسياسيا في السنين الأولى بعد الخلاص من طغيان الديكتاتورية، وبعد 14 سنة من المعاناة الأقسى بالعصر الحديث، سيحدد مستقبل سورية الوطن. إن انطلقت عملية إعادة البناء بشكل فاسد كما حصل في لبنان والعراق ويوغسلافيا السابقة وكثير من دول حول العالم، فالمستقبل سيكون مظلماً؛ بينما إن انطلقت عملية إعادة البناء الشاملة من رؤية استراتيجية موضوعية علمية ووطنية فبالتأكيد سيكون المستقبل واعداً للشعب السوري.
مدخل
السؤال الأهم: ما هو شكل وبنية الدولة الأكثر قدرة على مواجهة التحديات والأزمات المتلاحقة والمتسارعة الذي يمتلك مرونة وديناميكية ذاتية قادرة على التفاعل مع التطورات الكونية المتسارعة؟
يواجه العالم كله عموما سؤال الدولة الحديثة الذي يعني الدولة المستقرة الآمنة القابلة للتطور والاستمرار مع المحافظة على حقوق مواطنيها. والدول العربية والإسلامية تحتاج أكثر من غيرها لإجابات واضحة واقعية ممكنة وأكثر ضمانا لتحقيق حالة الانطلاق باتجاه بناء الدولة الحديثة.
تقف سوريا الآن، كما كانت منذ صيف 2013 بعد تسليم القرار للدول الفاعلة، أمام سيناريوين للوصول إلى حل أو حال مختلف بالأصح وهما:
- السيناريو الدولي:
لا يبدو أن للصراع الدولي فوق سوريا، وليس على سوريا، نهاية قريبة للعديد من الأسباب؛ أهمها هو تزايد التوتر بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبين حلف روسيا-الصين-إيران. وحلف روسيا-الصين-إيران رغم خسارته للكثير من الأوراق في سورية، إلا إن مصالح النظامين الإيراني والروسي ما زالت قائمة وأساسية في سورية، ومحاولة عودتهما قائمة، خاصةً مع اقتراب استلام ترامب لسلطاته كرئيس لأمريكا. أما تركيا فهي مثل كل حكومات العالم لم تكن جاهزة للأخذ بمسؤولية إعادة البناء، وبنفس الوقت الحكومة التركية على علاقات استراتيجية مهمة مع نظامي إيران وروسيا، بالتوازي مع حلفها التاريخي مع الغرب، فالمعادلة أيضا ليست واضحة المعالم بالنسبة للأتراك أيضا. بالنتيجة بافتراض غير الممكن، أن المسار الدولي توصل لتوافق على شكل سوريا والحل بها، فهو لن يكون بأحسن أحواله أفضل من الحالة العراقية أو اللبنانية أو الأفغانية أو اليوغسلافية إن سيطرت الرؤية الأمريكية، ولن يكون أحسن حالا من أوكرانيا أو جورجيا إن سيطرت الرؤية الروسية.
- السيناريو السوري الشعبي:
وهو المسار الذي لم يتم العناية به بما يكفي وفق خطة طريق واضحة من قبل هيئات ومجالس ومجموعات المعارضة السورية، ولا الإعلام السوري المعارض ذوي الإمكانيات الكافية؛ تحت حجة اللاواقعية والمثالية.
ولا يبدو أن حكومة سلطة الأمر الواقع حالياً، الممثلة بقيادة جبهة تحرير الشام، تملك هذه الرؤى، ولا هذه الخبرات المطلوبة، ناهيك عن أنها ما زالت مصرة على ايدلوجيتها التي تريد دولة إسلامية مدعاة.
تفرض السنين المريرة التي مرّ بها الشعب السورية أن المسار السوري الشعبي كان وما زال هو الأهم. والمقصود بالمسار السوري الشعبي هو بناء قناعة وثقة لدى شريحة معقولة من السوريين بالحل والمستقبل، وليس فقط القيادات والهياكل المُؤَطَّرة والحاجبة للمعارضة السورية؛ قناعة تقوم على خارطة طريق واضحة لتحقيق الدولة السورية المستقبلية المستقرة والقابلة للتطور. لذلك فإن وضع تصور وتوصيف كامل لشكل وبنية الدولة السورية المأمولة كان وما زال الخطوة الأهم والأساسية لإيجاد حل في سوريا، ولضم أكبر شريحة من السوريين ضمن مسار واحد. بل إن هذه الخطوة المنسية كان وما زالت يمكن أن تشكل أساسا داعما ودافعا لأي حل دولي متوازن[iii].
فالسؤال الأهم: ما هو شكل وبنية الدولة الأكثر قدرة على مواجهة التحديات والأزمات المتلاحقة والمتسارعة الذي يمتلك مرونة وديناميكية ذاتية قادرة على التفاعل مع التطورات الكونية المتسارعة؟
يواجه العالم كله عموما سؤال الدولة الحديثة الذي يعني الدولة المستقرة الآمنة القابلة للتطور والاستمرار مع المحافظة على حقوق مواطنيها. والدول العربية والإسلامية تحتاج أكثر من غيرها لإجابات واضحة واقعية ممكنة وأكثر ضمانا لتحقيق حالة الانطلاق باتجاه بناء الدولة الحديثة؛ والحال السورية تواجه هذا السؤال بإلحاح أكثر بكثير لما تفرضه المأساة السورية غير المسبوقة من تحديات وصعوبات. ناهيك عن أهمية الجواب في وضع خطة طريق لإيجاد حل في سوريا.
تعريف الدولة الحديثة
ما زال تعريف الدولة أكاديميا وقانونيا متنوعا، فالقانون الدولي لا يقدم تعريفا محددا للدولة State، لكنه يقدم تعريفا لـ Statehoods التي يمكن ترجمتها إلى “الدولانية”، بمعنى أن تكون دولة (راجع [ii] ” International Law and the Criteria for Statehood” – Tilburg University – Administration number: s288571).
ما تتفق عليه معظم التعريفات هو أن الدولة مجموعة بشرية تعيش بشكل دائم في مقاطعة جغرافية محددة (أو مقاطعات)، ومنظمة وفق نظام تديره حكومة، التي بدورها تملك سلطة وقوة الإدارة، وبناء علاقات مع الدول الأخرى؛ يضيف البعض ضرورة كون الشعب من عرق أو قومية أو دين محدد (راجع، مبادئ علم السياسة” – حسن نافعة – مكتبة الشروق – 2002). يتضمن تعريف الدولة بحدها الأدنى العناصر الثلاثة التالية:
- الشعب، أي مجموعة بشر تحت ظل الدولة.
- الأرض، بقعة جغرافية معروفة حيث يعيش الشعب.
- الحكومة، المنظمة السياسية التي تملك قوة السلطة، عبر مؤسسات الدولة، لإدارة علاقات الأفراد ببعضهم، وعلاقتهم بالحكومة، وعلاقة الدولة بالدول الأخرى.
الدولة الحديثة
أما في العصر الحديث، وبالذات منذ بدايات القرن العشرين فإن الدولة أصبحت ذات بنية وتنظيم أكثر تعقيدا وأكثر تحديدا. فبالإضافة للعناصر الثلاثة السابقة التي تشكل أساس الدولة في أي زمن، أصبح من الضروري إضافة وتعريف عدة مكونات مثل: المواطنية التي تعرف من يحق له حمل جنسية هذه الدولة، وما هي حقوق وواجبات المواطن وعلاقته بالسلطة؛ والسلطات الثلاثة التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ مؤسسات الدولة التي من خلالها تمارس السلطات صلاحياتها؛ واعتراف منظمة الأمم المتحدة بهذه الدولة (انظر: Human Evolution and the Origins of Hierarchies: The State of Nature” – Cambridge University- ISBN 978-0-521-76948-8)، أو عدد من الدول. تتميز الدولة في العصر الحديث عن الماضي بما يلي:
- أشكال متعددة للحكم، فهناك الدول الديمقراطية الليبرالية مثل الدول الغربية عموما، والدول الديمقراطية المحافظة مثل الهند واليابان، والدول الأقل ديمقراطية مثل تركيا وروسيا والصين، والدول ذات الحكم الشمولي الديكتاتوري مثل الدول العربية وغالبية الدول الإسلامية والإفريقية.
- السلطة موزعة بين السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية. حتى لو كان هذا التوزيع مختلا جدا في الدول الديكتاتورية، إلا أن المبدأ والبنية الشكلية موجودة.
- الحدود الجغرافية أكثر تحديدا وانضباطا. فلم يعد يكفي، من حيث المبدأ، أن تحتل جيوش دولة ما أرضا جديدة لتضمها لها، بل تحتاج لاعتراف رسمي من الأمم المتحدة. فباستثناء فلسطين، التي اغتصبها الصهاينة، التوسع العسكري لا يعطي مبررا قانونيا دوليا لضم أراض الغير للدولة؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي تم وضع حدود شبه نهائية للدول؛ هذه الحدود قد تتقلص أحيانا، مثلما حصل مع مكونات يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكية بعد سقوط الشيوعية، لكنها لا تتوسع عسكريا.
- مشروعية الدولة تحتاج لاعتراف دولي مؤسسي عبر منظمة الأمم المتحدة، ولا يكفي مجرد إعلانها. أما مشروعية الحكم في الدولة فهي ما زالت مختلفة الأشكال حسب نوع نظام الحكم.
- مفهوم المواطنة والجنسية. بمعنى انتساب سكان الدولة لجنسيتها رسميا، وبالتالي خضوعهم لقوانين بلادهم في الحالة العامة، وأحيانا للقوانين الدولية. وقد اختلفت الدول، تبعا لشكل نظام حكمها، في تعريف حقوق وواجبات المواطن وعلاقته بالدولة.
- العلاقات الدولية أكثر تعقيدا، ومضبوطة لحد ما وفق الاتفاقيات الدولية، والقانون الدولي وأعرافه، من خلال منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى. فعلى الرغم من أن سلطة الأمم المتحدة والقانون الدولي ما زالت محدودة وخاضعة لموازين القوى بين الدول، إلا أن ذلك لا يقلل بل يزيد من أهمية وجود إطار نظري تنظيمي قانوني للعلاقات الدولية.
يمكننا تعريف الدولة الحديثة على أنها: “كيان اعتباري يتكون من: شعب يضم المواطنين الذين يحملون جنسية دولتهم، يعيشون فوق أرض جغرافية بحدود معترف بها دوليا؛ وتدير هذا الكيان سلطة موزعة وفق ثلاث سلطات أساسية: السلطة التنفيذية والقضائية والتشريعية؛ والحكومة هي رأس السلطة التنفيذية، وتملك أدوات تنفيذ قرارات السلطة، وتنظم علاقة الدولة الخارجية“.
نظرية الدولة وسؤال الدولة الحديثة
المقصود بنظرية الدولة هي النظرية السياسية التي تقدمها جماعة أو تيار أو حزب أو شخص، وتتضمن رؤيتها للدولة الحديثة بمفهومها الواسع. تواجه هذه النظرية العديد من الأسئلة، التي تشكل محاور أساسية للدولة الحديثة، وتتجاوز بكثير الأسئلة التي واجهتها الدولة تاريخيا. هناك أسئلة يجب على أي نظرية أو برنامج سياسي أن يجيب عليها، حول بناء الدولة الحديثة.
الدولة المؤسساتية القائمة على الديمقراطية، والعلمانية، والمؤسسة على مبادئ الشرعة الدولية لحقوق الإنسان هي الحل
لا يمكن الكلام عن العلمانية بالحال السورية دون الترابط الحتمي مع الديمقراطية ومبادئ الشرعة الدولية لحقوق الإنسان (بدون أي تحفظ أو خصوصية)، والذي سأسميه “مثلث الحداثة”. ولذلك فإن الإجابة على سؤال جلسة الحوار يجب أن يضع هذا المثلث كإطار دائم لأي مقاربة للعلمانية.
أورد بالفقرات التالية أسس وضع تصور للدولة السورية، والديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل مختصر قبل الانتقال لسؤال العلمانية.
لا يوجد خصوصية لسوريا أو العرب أو المسلمين
لطالما كانت حجة الخصوصية هي الحجة الأهم التي رفعتها النظم الحاكمة العربية، والسوري الأسدي البعثي منها، وكذلك التي رفعتها عدة تيارات سياسية خاصة الإسلامية في مواجهة كل التطويرات اللازمة والحتمية لإنشاء الدولة الحديثة. وبواقع التطبيق كان ادعاء الخصوصية أمام مثلث بناء الدولة الحديثة المشار له هو وسيلة لضرب هذه الأسس للدولة الحديثة، والانكفاء للنماذج التقليدية الديكتاتورية أو الإسلامية المزعومة.
ما يهدم حجة أو داعي الخصوصية ليس فقط في سوريا أو منطقتنا، بل في كل العالم هو حقيقة أن تحول العالم لقرية صغيرة كونية ليس مجرد توصيف رومانسي، بل هي حالة اشتباك تجاوز الاقتصاد والبضائع والنزاعات والتحالفات السياسية ليشمل الفكر والفلسفة والدين والعادات والتقاليد من أبسط تفاصيل الحياة اليومية وصولا لبنية السوق والمؤسسات والدولة. وهذا التشابك يتزايد بسرعة قياسية تلغي خصوصية دول أقوى وأقدر من سوريا والدول العربية مثل الصين والهند والدول الغربية، فلا مكان لادعاء خصوصية سورية.
ما هي الديمقراطية؟
للديمقراطية تعاريف ومفهوم عام سائد، لكن لا بد من إعادة صياغته بشكل واضح محدد وبسيط، ولن نتطرق هنا للتعاريف الأكاديمية وخلافاتها التنظيرية الكثيرة، بقدر ما يهمنا الوصول لفهم عام يعكس التطبيق في الدول الديمقراطية وينسجم مع التعريفات الأكثر انتشاراً، ويخدم النقاش حول شكل الدولة الحديثة، ولعل ما أوردته الأمم المتحدة بوثائقها الرسمية يشكل التعبير الأكثر شمولية ووضوحا.
ووفق وثائق الأمم المتحدة، والتي لا تدافع عن نموذج محدد للحكومة، ولكنها تروج للحكم الديمقراطي كمجموعة من القيم والمبادئ التي يجب اتباعها من أجل مشاركة أكبر ومساواة وأمن وتنمية بشرية. وتوفر الديمقراطية بيئة تحترم حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ويتم فيها ممارسة إرادة الشعب التي يعبر عنها بحرية، فان للناس رأي في القرارات ويمكنهم محاسبة صناع القرار، وان للنساء والرجال حقوق متساوية وجميع الناس في مأمن من التمييز.
في عام 2015، التزم قادة العالم في خطة التنمية المستدامة لعام 2030 بإيجاد عالم تعتبر فيه “الديمقراطية والحكم الرشيد وسيادة القانون فضلاً عن البيئة المواتية على المستويين الوطني والدولي، ضرورية للتنمية المستدامة”.
ترتكز الديمقراطية[iv] على المرتكزات التالية التي يجب العمل على تحقيقها تدريجيا وبإصرار:
- الثقافة الديمقراطية والتي تعني نشر الثقافة والمبادئ والقيم الديمقراطية في كامل مكونات الدولة والمجتمع من القمة إلى القاعدة وصولا للأسرة وهي الخلية المؤسسة الأساسية للمجتمع.
- ثقافة الحوار والنقاش والتي تحمي الديمقراطية من أن تصبح صراعا سياسيا أو أيدلوجيا دائريا يؤدي لتشتيت الناس وإغراق الدولة بالفوضى.
- آليات الديمقراطية والتي تتضمن آليات الاقتراع والتصويت والقوانين والنظم الحاكمة لها. هذه الآليات هي القابلة للتطبيق السريع في الحياة العامة، ولا تحتاج لتدرّج مثل الأساسين السابقين؛ لكن ذلك لا يجوز أن يصبح كافيا في طريق تحقيق الديمقراطية، كما حصل بعديد من الدول ذات الديمقراطية الشكلية.
لضمان نجاح الديمقراطية كنظام حكم سياسي يشترط توفر ما يلي:
- شفافية المعرفة وحرية الحصول على المعلومات وحمايتها. لأن الديمقراطية التي تتطلب من الأفراد اتخاذ قرارات تؤثر على الدولة ككل تستوجب أن يعرف المواطنون المعلومات اللازمة والصحيحة.
- عدالة توزيع مصادر القوة والتعبير والحماية لمختلف القوى السياسية والاجتماعية والمدنية المشاركة بالعملية الديمقراطية.
- التناغم والانسجام مع مبادئ حقوق الإنسان وفق الشرعة الدولية دون أي تحفظ لتجنب وقوع الديمقراطية بفخ ديكتاتورية الأكثرية. وبذلك لا تستطيع الأكثرية استخدام قوتها للانتقاص او انتهاك حقوق الأقليات.
أسس الديمقراطية حسب الأمم المتحدة
أوصت لجنة حقوق الإنسان في عام 2000 بمجموعة من التدابير التشريعية والمؤسسية والعملية الهامة من أجل دعم الديمقراطية، وفي عام 2002، أعلنت اللجنة المبادئ التالية بوصفها من العناصر الأساسية للديمقراطية:
- احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية
- حرية الانضمام للجمعيات
- حرية التعبير والرأي
- إمكانية الوصول إلى السلطة وممارستها في إطار سيادة القانون
- تنظيم انتخابات دورية حرة نزيهة على أساس الاقتراع العام والتصويت السري تعبيراً عن إرادة الشعب
- إيجاد نظام لتعددية الأحزاب السياسية والمنظمات
- الفصل بين السلطات
- استقلال القضاء
- توفير الشفافية والمساءلة في الإدارة العامة
- تهيئة وسائط للإعلام تتسم بالحرية والاستقلال والتعددية
مبادئ حقوق الإنسان وفق الشرعة الدولية
تشكل مبادئ حقوق الإنسان وفق الشرعة الدولية[v] ما يمثل مبادئ فوق دستورية حاكمة للسلطات في الدولة، وبذلك يتم ضمان ألا تتطرف الدولة أو أحد مكوناتها مما يؤدي لانتهاك حقوق الإنسان وبالتالي تهديد استقرار الدولة والمجتمع. وهذه المبادئ لا يجوز المساومة حولها بحجة الخصوصية[vi] لأنها الضامن الأساسي والأهم لتحقيق أفضل شكل ممكن للعدالة، ولمواجهة ما قد يتفجر بعد 11 سنة من المأساة السورية.
ما هي العلمانية؟
العلمانية هي أحد الأطر التي تشكل منظومة الدولة[vii]، فالعلمانية تهتم بعلاقة الدين بالدولة والمجتمع والأفراد، من خلال إبعاد مرجعية التفسيرات الدينية وما يُشتق منها من شرائع عن نظام الدولة القانوني والتشريعي والتنفيذي؛ وحجب التفسيرات الدينية الإقصائية عن سلم القيم الأخلاقية الاجتماعية والثقافية.
فالعلمانية تحمي الدين والعقائد الدينية من تدخل الدولة والسلطة السياسية فيما يخص حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية ضمن الحدود التي يعرفِّها الدستور والقانون والقيم المؤسسة للدولة الحديثة.
كذلك العلمانية لا تعني رفض الدين كحقيقة وحاجة إنسانية تقوم على حرية الاختيار، ولا رفض القيم الأخلاقية الدينية التي تتوافق مع القيم الأخلاقية الإنسانية العامة.
وبشكل أكثر اختصارا ووضوحا: هي إبعاد سلطة رجال وتشريعات الدين عن الدولة بكل مكوناتها، وحماية عقائد المؤمنين وحرياتهم الدينية.
أسس العلمانية المطلوبة في سوريا
تعتمد العلمانية المأمولة بحدها الأدنى على عدة ضرورات وحقائق هي:
- لا دين للدولة. فلا يمكن أن تكون الدولة السورية إسلامية بالتعريف الرسمي دستوريا. فالدولة السورية يجب أن تكون لكل السوريين وليس لغالبيتهم، كي لا نقع بفخ ديكتاتورية الأكثرية.
- لا تخضع المناصب والمؤسسات والبنية الإدارية للدولة لأي شرط لهل علاقة بالدين أو الطائفة. فلا يجوز فرض أي صفة دينية، أو طائفية، أو قومية، أو مناطقية لرئيس الدولة ،أو غيره.
- لا يمكن قبول وجود أي مرجعية دينية في التشريع القانوني للمجتمع والدولة. فالمادة الدستورية المتوارثة منذ منتصف القرن الماضي حول فرض الشريعة الإسلامية كمرجع أو المرجع الأساسي للتشريع هو ضرب للعلمانية بأهم أسسها.
- اعتماد التشريع والقوانين على التجربة السورية وتجارب الدول الأخرى في تحرير القانون من أي مرجعية دينية.
- قوانين الأحوال الشخصية يجب أن تكون مدنية أساسا وفق الفقه القانوني الحديث وتجارب الدول الأخرى.
- يبقى للأفراد ببعض الحالات، كحالات الزواج أو الطلاق أن يلجؤوا للتشريعات الدينية، لكن أمام الدولة يبقى القانون هو القانون المدني (مثل الحالة التركية).
- حماية وضمان الحرية الدينية والإيمانية لكل الأفراد وفق مبادئ حقوق الإنسان، التي تضمن حرية الإيمان، والممارسة، والإعلان، والدعوة.
- ضبط ومواجهة كل الدعوات الدينية أو الطائفية التي تساهم في ترسيخ أو تثبيت قيم أو ممارسات تميّز بين المواطنين وفق انتمائهم الديني أو الطائفي. ومن ذلك منع التفسيرات المغالية في الإقصاء الديني التي تكفر أو تزندق وبالتالي تدعو بأقل أشكالها للاضطهاد النفسي والاجتماعي.
بل قد تفرض الحالة السورية منع ذلك قانونيا وبشكل حاسم، ضمن مجموعة كاملة من قوانين حماية المواطنين من التمييز ضدهم بسبب دينهم أو طائفتهم أو قوميتهم أو منطقتهم أو جنسهم أو مستواهم المادي.
أسس العلمانية هذه لا تعني بأي شكل علمانية أتاتورك أو السوفييت، ولا تعني أيضا علمانية مشوهة تحت عنوان الدولة المدنية الذي رفعه الإخوان المسلمون في مصر، حيث لا وجود أساسا لهذا المصطلح بعلوم الاجتماع والسياسة، فخلطوه بمفهوم الحكومة المدنية.
هل هناك علمانية خاصة “سورية” أو “عربية” أو “إسلامية”؟
لا يوجد أي نموذج علماني ناجح تنازل عن الأسس السابقة في العالم، حتى في تركيا ذات الأغلبية المسلمة. وبالتالي أي مساومة في أسس العلمانية، وطبعا الديمقراطية وحقوق الإنسان، سيؤدي لفتح الباب أمام سيل من التعديلات التي لا يمكن ضبطها.
فالثابت تاريخيا وحالياً أن التيارات الدينية، ومنها الإسلامية، والتيارات الأيدلوجية التقليدية بمنطقتنا لن تتوقف عند الحدود المرسومة لها إن وجدت أي مساحة لسلطة دينية أو أيدلوجية أو قومية، بل ستسعى لتوسيعها.
مثلا،
لو تم ادعاء أن عدم تحديد ديانة الرئيس والمسؤولين بالدولة مقبول. لكن يجب إبقاء قوانين الأحوال الشخصية قوانين دينية، أو الإبقاء على القوانين الدينية مع قوانين مدنية إضافية؛ فإن ذلك سيخلق تناقضات جوهرية في المجتمع منذ بداية إعادة بنائه كمجتمع حديث عصري لعدة أسباب منها:
- التشريعات الدينية الإسلامية والمسيحية وغيرها بما يخص قوانين الأحوال الشخصية هي أولا تميّز بين الرجل والمرأة وتظلم المرأة، وبالتالي سيحصل انتهاك لمبادئ حقوق الإنسان، ناهيك عن قصور رؤيتها بما يخص حق الطفل.
- ضمان حقوق كل المذاهب والطوائف بالتشريع القانوني سيخلق فوضى قانونية كبيرة. فالسائد في سوريا منذ الخمسينات إلى الآن هو الاعتماد على تشريعات المذهب الحنفي للمسلمين، ومنح المسيحيين وفق الكنائس المعترف بها، والدروز خصوصية تشريعية. فإذا تم فتح الباب لكل التشريعات الدينية فهذا سيخلق مجموعة ضخمة معقدة من القوانين، في حقل قانوني هو بحد ذاته من أصعب وأعقد القوانين بكل الدول؛ وإن تم الاكتفاء بالشكل التقليدي المشار إليه فذلك يعني انتهاك حقوق المواطنين من غير المذاهب والطوائف والكنائس المذكورة.
- خلق إشكاليات جوهرية في حال التعارض بين الشرائع، كحالات الزواج المختلط بين الأديان والطوائف. واقتراح منح القانون المدني السيادة سيؤدي بشكل غير مباشر لأن تمارس بعض فئات المجتمع بهذه الحالات ممارسات ظالمة وضاغطة لا يمكن مواجهتها أو تصنيفها قانونيا.
- تفرعات قوانين الأحوال الشخصية ستتفاعل مع بقية القوانين والمبادئ الدستورية، وهذا سيؤدي لتمرير تشريعات قانونية دينية ضمن قوانين الإرث، وبالتالي التأثير على قوانين المعاملات الاقتصادية بين الناس، وبالتالي توسع مساحة التشريع الديني.
إذا إن الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان وفق الشرعة الدولية يمنع بشكل حاسم اختلاق علمانية خاصة بسوريا.
من ناحية أخرى، حتى لو لم تكون سوريا مرت بكل هذه المآسي الأفظع بتاريخ العالم، فإنه لا سوريا ولا غيرها من دول نامية متعثرة تملك رفاهية الوقت لإعادة اختراع العجلة. فلا يوجد نموذج واقعي لعلمانية خاصة كما يريد أصحاب التيار الديني الإسلامي وحتى المسيحي. فالفروق بين علمانية دول أوروبا الغربية وأمريكا واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا هي فروق لا تمس الجوهر العلماني، وبالحالة السورية من الواضح ألا مكان للتجريب والإخفاق.
الصعوبات التي تواجه العلمانية
الصعوبة الأساسية تكمن في المبالغة بحجم معارضة العلمانية بين السوريين، بل وبين العرب والمسلمين. فلا يوجد في سوريا أي جهة يمكنها الادعاء أنها اجرت استطلاعات ودراسات بين السوريين لمعرفة حجم المعارضة الحقيقية للعلمانية. وبرأيي أن الغالبية من المهتمين بالموضوع يبالغون بحجم المعارضة.
الصعوبة الأبعد تكمن في الحرب الإعلامية الشرسة التي شنها تاريخيا إعلام النظم العربية كلها ضد مثلث الحداثة المشار إليه، بالإضافة للحرب التي شنها الإسلام السياسي والمؤدلج أيضا ضد هذا المثلث، وخاصة العلمانية. فبنظرة سريعة سنرى أن لا فضائية عربية واحدة تحمل هذا المثلث الحداثي كرسالة إعلامية، بينما يحمل كلها رسالة دينية كجزء صغير أو كبير من رسالتها الإعلامية. ولعل الإشاعة المنتشرة حتى بين النخب العربية والغربية حول كون ما يُسمى جمهوريات عربية، ومنها نظام البعث والأسدين في سوريا[viii]، هي نظم علمانية يساهم أيضا في زيادة تشويه صورة العلمانية، لأن هذه النظم ارتبطت بالتعسف والظلم والفساد والجرائم ضد الإنسانية؛ فهذا يضيف صعوبة كبيرة أيضا.
بالواقع الإعلام الكبير وإعلام السوشيال ميديا يشكل تحديا كونيا يهدد الدول الكبرى المستقرة[ix]، فكيف الحال في بلد مثل سوريا. خاصة وأن كل الإعلام السوري، سواء مع أو ضد النظام، لم يحمل رسالة الحداثة للسوريين. بالعكس تماما كل الإعلام ذو القدرة المادية الكبيرة أو المتوسطة يستخدم الدعوات الدينية والطائفية بالإضافة لغيرها وفق أجندات مموليه، وكأداة انتشار وبيع في سوق الإعلام. حتى مراكز البحث السورية لم تقدم ما يكفي من دراسات او قراءات لهذا المجال المحوري والأساسي والذي كان له كبير الأثر باستمرار المأساة السورية.
الحلول لمواجهة الصعوبات
الحل والمواجهة تكمن في محاولة جمع الإمكانيات لخلق إعلام سوري متحرر من الأجندات السياسية المسبقة، والتأثير الديني والتقليدي، والتقدم بشجاعة وثقة لساحة النقاش والحوار والمواجهة الفكرية الإعلامية. وهذا يستلزم بالإضافة للإمكانيات المادية ضرورة إعادة التفكير بوسائل وأشكال الخطاب مع الناس. فما زال خطاب العلمانية والحداثة عموما مسجون ضمن خطاب أكاديمي تنظيري جاف ومتعالي على الشارع، وبأحيان كثيرة لا يملك جرأة المواجهة.
بكلمات أخرى، يجب القيام بثورة ضمن طبقة النخبة والأكاديمية والإعلام السورية التي تقف ضد نظام الأسد، وترفض أيضا فخ الوقوع بحل دولي انتهازي لمصالح الدول المتصارعة فوق سوريا.
من ناحية ثانية، إن وجود أكثر من 3 ملايين سوري في تركيا العلمانية، وأكثر من مليون سوري بأوروبا العلمانية منح نسبة كبيرة نسبيا من السوريين فرصة معاينة معنى العلمانية على أرض الواقع، سواء في دولة ذات غالبية مسلمة تصل إلى 98 بالمئة، أو في دول غربية. إن الاستثمار بهذه الخبرة المكتسبة يشكل عامل دعم أساسي لمنحى العلمانية ضمن مثلث الحداثة.
بالواقع إن أزمة فوضى المعلومات والمعلومات المُحرّفة هي أحد التحديات العالمية الكبرى[x]، ولعل أكبر دليل على ذلك صعود اليمين المتطرف الغربي، وأزمة كورونا. فالتحدي ليس سوريا فقط بل تحدٍ عالمي.
لماذا لا بد من الديمقراطية والعلمانية ومبادئ حقوق الإنسان وفق الشرعة الدولية؟
بالحالة العامة لأي دولة بالعالم هذا المثلث الحداثي ضرورة لإنشاء الدولة الحديثة المستقرة القابلة للتطور وتحقيق أفضل شكل ممكن لمواطنيها بالمعايير النسبية[xi] للأسباب التالية:
- أولا: احصائيا كل الدول التي تحقق الصفات المذكورة هنا هي دول تملك نوعا من الديمقراطية والعلمانية واعترافا بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان. والكلام هنا نسبي طبعا. الاستثناء الوحيد هو الصين، والصين تجربة خاصة لا يمكن نسخها أو تكرارها.
- ثانيا، هذا النموذج للدولة مشفوعا بالنظام الرأسمالي الاقتصادي تطور خلال قرنين على الأقل في الغرب، ثم توسع. خلال هذا التطور جابه هذه النماذج نجاحات وإخفاقات، صعود وهبوط، أزمات واستقرار، وبالتالي الخبرة المتراكمة التي يمكن دراستها والاستفادة منها متوفرة ومفيدة وعملية كما اثبتت التجربة.
- ثالثا، هذا النموذج ولأنه مؤسس على بنية ديناميكية، هو النموذج الأفضل لمواجهة الحركة السريعة للعالم في كل المناحي. في مقابل النماذج المطروحة الأخرى، مثل الإسلامي والقومي التقليدي، التي تعاني من جمود كبير موروث تاريخيا.
- رابعا، لا يمكن تأسيس ديمقراطية، وهذه متفق عليها بين الغالبية، بدون العلمانية. لإن غياب العلمانية سيؤدي حكما للتمييز بين المواطنين وفق الدين والطوائف واللا-دين. والتمييز وفق الدين والطائفة سيولد بالضرورة تمييزا وفق المعايير الأخرى كالقومية والجنس والموقف السياسي.
وبالحالة السورية هذا النموذج هو ضرورة للأسباب التالية
- إن أكبر التحديات التي تواجه سوريا المستقبل، وربما أكبر من التحدي الأمني وقبل التحدي الاقتصادي، هو الشروخ الشاقولية العميقة الدينية والطائفية والقومية والمناطقية والسياسية والطبقية التي أصابت المجتمع السوري[xii]. والتعامل مع هذه الشروخ وأخطرها الشروخ بين الأديان والطوائف لا يمكن أن يتم وفق الطريقة العراقية أو اللبنانية، بل لا بد من أسس علمانية وثقافة علمانية ديمقراطية إنسانية كمنطلق لمعالجة هذه الشروخ والعمل على لئمها بأسرع وقت ممكن.
- مواجهة التحدي الأمني والاقتصادي يقتضي بالضرورة تعاون نسبة كبيرة من السوريين، وهذا التعاون والانتماء والثقة لا يمكن تحقيقه إذا لم تسد ثقافة الديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان.
- القدوم بنموذج تقليدي مشابه بأحسن أحواله للنظام المصري، لا علماني ولا ديمقراطي، سيزيد من مشاكل سوريا الإقليمية، لإن شكل الدولة له أيضا دور حاسم في حركيتها السياسية.
- وعلى منحى الصراع مع إسرائيل فإن النظام المُقترح سيشكل ورقة قوة مستقبلية أهم من القوة العسكرية[xiii].
الطرح الإسلامي للدولة
يقدم التيار الإسلامي بمختلف تنوعاته ومذاهبه (التيار الإخواني، الخميني، السلفي، حزب التحرير الإسلامي، إلخ)[xiv] الطرح الأكثر صعوبة بتجاوزه أمام مثلث الحداثة. لكن ما يجمع هذه الطروحات هو وجود عجز ذاتي وموضوعي يمنعها من تحقيق ما تعد به[xv]. ولعل المواجهة معه هي المواجهة الأصعب لأنه تيار يملك إمكانيات إعلامية ضخمة ولا يوجد أي هيئات إعلامية، لا سورية ولا عربية، تقف بوجهه. وهو يتقن استخدام الورقة الدينية ونظريات المؤامرة لاستمالة الشارع.
لكن واقع الحال، سواء إن نظرنا انتفاضتي العراق ولبنان في نهاية 2019، أو إلى نتائج انتخابات مصر وتركيا والمغرب، يقول إن ما يُقال عن قوة هذا التيار هو مقولات مبالغ بها جدا، وتُقاس بناء على رؤية خارجية دون دراسات واستطلاعات معمقة، ودون امتحان حقيقي لرسالة تعتمد مثلث الحداثة إعلاميا.
التحديات الكبرى التي تعمق الشروخ بين الشعب السوري
لم تكن سوريا تخلو من المشاكل المتوارثة تاريخيا خلال قرون طويلة من سيطرة التمايزات الطبقية الاجتماعية ما بين الأغنياء والفقراء، الريف والمدن؛ ولا من الاختلافات الطائفية والقومية والعشائرية التي كانت تحتد أحيانا. لكن السوريين وبعد الاستقلال لم يكونوا يضعون هذه التمايزات أو الاختلافات كحجر عثرة أمام بناء سوريا الدولة المستقلة، فكان المسؤولون المؤسسون لسوريا الدولة بعد الاستعمار الفرنسي يتنافسون، ويتصارعون، بأدائهم وليس اعتماداً على أديانهم وطوائفهم وقومياتهم. إلى أن بدأ عهد الديكتاتورية السياسية من أيام الوحدة مع مصر تحت قيادة جمال عبد الناصر، ثم سيطرة قيادات حزب البعث على السلطة بعد انقلاب 1963.
أقام حافظ الأسد ثم ابنه حكمهما اعتمادا على مبدأ فرق تسد، وبما أن تكوين الشعب السوري به الكثير من الألوان والأطياف فكان أحد أسس بناء سلطتهما الديكتاتورية هو استثمار هذه الاختلافات بين السوريين لتأسيس مرويات شعبية تتحدث عن حكم العلويين والعرب على حساب السنة والأكراد والقوميات الأخرى، وبالتالي وضع الطاغيتان سلطتهما كصمام الأمان لكل الجماعات الطائفية والقومية والحاكم بينها، وهذا أيضا ما مارسه صدام حسين في العراق والسادات ومبارك في مصر.
الكارثة كانت أن هذه الشروخ الطائفية والقومية والمناطقية والسياسية أصبحت أداة حاسمة وأساسية بيد نظام الأسد بعد الثورة وداعميه، وأيضا أداة بيد الدول التي ادعت صداقة السوريين ودعمهم، وحتى الدول الغربية؛ والمؤسف أن كثيرا من قيادات المعارضة السورية والمشهورين إعلاميا إما أنهم زادوا اضراما للنيران، أو أنهم خافوا من المواجهة، أو تجاهلوا كارثة تقسيم الشارع السوري، فأصبحت هذه الشروخ الشاقولية تمثل التحدي الأكبر أمام أي دولة سورية مستقبلية.
لذلك فإن مثلث الحداثة وفق طرحه هنا مع الإعلام الصحيح والعمل السياسي الحكيم هو السبيل الأكثر قدرة وضمانة على مواجهة هذه الشروخ والعمل على جبرها ثم العمل على التئامها خلال عقود.
الخاتمة
لا يعني الإصرار على العلمانية التطرف في رفعها شكليا كما هو حاصل عند العديدين بين النخب المشهورة وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث يقدمون بالواقع موقفا أقرب للإسلاموفوبيا منه للعلمانية (أدونيس مثال[xvi]). لكن لا يعني أيضا المسايرة للتيار الديني ذو الصوت الأعلى، والذي ليس بالضرورة الأوسع انتشارا، كما فعل غالبية مشاهير المعارضة السورية وإعلامها.
العلمانية مترافقة مع الديمقراطية ومبادئ الشرعة الدولية لحقوق الإنسان هم الأسس الضرورية والحتمية لبناء سوريا المستقبل كدولة مستقرة قوية قابلة للتطور والاستمرار ضمن الصراع الدولي الشرس، وأيضا لمواجهة النتائج السلبية والكارثية التي نالت المجتمع والدولة السورية خلال 11 سنة من التدمير والهدم والقتل المجاني.
للمزيد شاهد:
مراجع
[i] دراسة: الصراع الدولي والأزمة السورية: الأسباب والنهايات – علاء الخطيب – 01/09/2018
https://www.infosalam.com/syria/syria-studies/international-struggle-syria
[ii] محاضرة فيديو: الولايات المتحدة الأمريكية لن تنسحب من سوريا – علاء الخطيب – 21/08/2021
https://www.youtube.com/watch?v=YcwW9layUA8&t=2s
[iii] شكل سوريا القادم هو بداية الحل – علاء الخطيب – 07/10/2016
https://www.infosalam.com/syria/syria-studies/democratic-secular-syria/the-future-system-of-syria
[iv] ما هي الديمقراطية؟ – علاء الخطيب – 15/10/2016
https://www.infosalam.com/syria/syria-studies/democratic-secular-syria/democracy
[v] محاضرة فيديو: نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الديباجة والمواد – علاء الخطيب – 06/08/2020
https://www.youtube.com/watch?v=_T8g1tzzWG8&t=0s
[vi] محاضرة فيديو: شرعة حقوق الإنسان الدولية وخرافة خصوصية الدول الاسلامية والعربية وموقف الشريعة الإسلامية – علاء الخطيب – 11/08/2020
https://www.youtube.com/watch?v=EpL0PFsYLAc&t=395s
[vii] ما هي العلمانية؟ – علاء الخطيب – 08/10/2016
https://www.infosalam.com/syria/syria-studies/democratic-secular-syria/secularism
[viii] دراسة: الكذبة الكبرى: عَلمانية نظام الأسد – علاء الخطيب – 18/11/2018
https://www.infosalam.com/syria/syria-studies/fallacy-assad-regime-secular
Is Assad regime secular? – Alaa Aldin Alkhatib – 22/05/2019
https://www.infosalam.com/english/is-assad-regime-secular
[ix] دراسة، الظاهرة الترامبية والردة الأصولية العالمية – علاء الخطيب – 18/04/2017
https://www.infosalam.com/fundamentalism-backwardness/studies/trumpism-phenomenon
[x] ما بعد الحقيقة عربي قبل أن يكون غربيا – علاء الخطيب – 08/01/2017
https://www.infosalam.com/fundamentalism-backwardness/articles/post-truth-in-the-west-and-arab-world
[xi] الدولة الديمقراطية العلمانية ضرورة وليست خيارا – علاء الخطيب – 20/10/2016
https://www.infosalam.com/syria/syria-studies/democratic-secular-syria/democracy-secularism-syria
[xii] الحصاد المرّ لأربع سنين في سوريا، الشروخ الإجتماعية والنفسية التي سرطَنت المجتمع السوري – علاء الخطيب – 09/07/2014
https://www.infosalam.com/syria/syria-articles/syria_rifts
[xiii] نتنياهو وبشار الأسد وبوتين بين رؤيتين إسرائيليتين – علاء الخطيب – 02/06/2019
https://www.infosalam.com/syria/syria-studies/netanyahu-assad-putin
[xiv] دراسة: من يمثل الإسلام، بين صحة السؤال وتيه الجواب – علاء الخطيب – 03/07/2019
https://www.infosalam.com/islam/studies/who-represents-islam
[xv] محاضرة فيديو: تهافت نظرية الدولة الاسلامية1: الوحدة المستحيلة عربية واسلامية، وهم الخلافة والإمامة – علاء الخطيب – 19/03/2021
https://www.youtube.com/watch?v=_jNAMVEoUrM&t=2s
[xvi] محاضرة فيديو: أدونيس بين نظرية المؤامرة والإسلاموفوبيا، فشل النخبة العربية والسورية – 15/09/2021
https://www.youtube.com/watch?v=xC5nyILDr74&t=877s












