
علاء الخطيب
29/08/2026
عن منصة جمهرة
على السطح، يبدو المشهد السوري مشبعًا بخطاب ديني متشدد، وتعبئة طائفية حادة، وسلطات أمر واقع تسعى إلى ترسيخ شرعيتها عبر المرجعيات العقائدية والهوياتية. ومن السهل، أمام هذا المشهد الصاخب، أن يترسخ انطباع بأن المجتمع السوري يتجه باطراد نحو مزيد من الانغلاق الأيديولوجي، وأن فرص قيام دولة مدنية أو نظام ديمقراطي أصبحت أبعد من أي وقت مضى.
غير أن هذا الانطباع قد يحجب مسارًا اجتماعيًا آخر، أقل ضجيجًا وأكثر عمقًا. فبعيدًا عن الخطابات السياسية والدينية، تعمل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي فرضتها سنوات الحرب والانهيار على إعادة تشكيل أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية ومنظومات القيم بصورة تدريجية، بما يفضي إلى نتائج تبدو، في كثير من جوانبها، أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ «العلمنة الوظيفية».
لا تنطلق هذه العلمنة من مشروع فكري، ولا من تبنٍّ واعٍ لفلسفات التنوير، ولا من تدخل الدولة أو النخب الثقافية، بل من ضرورات الحياة اليومية نفسها. إنها ليست رفضًا للدين، ولا دعوة إلى إقصائه من المجال الشخصي، وإنما إعادة رسم للعلاقة بين الدين والسلطة، وبين المجال الخاص والمجال العام، تحت ضغط الحاجة إلى البقاء وإدارة مجتمع شديد التنوع أنهكته الحرب.
ومن هذا المنظور، لا يحاول هذا المقال الدفاع عن العلمانية بوصفها أيديولوجيا، بقدر ما يسعى إلى قراءة التحولات الاجتماعية التي يشهدها المجتمع السوري، وإلى طرح فرضية مفادها أن المجتمع بدأ، في ممارساته اليومية، ينتج أشكالًا من العلمنة الوظيفية، حتى في ظل غياب دولة محايدة، بل وربما رغمًا عنها.
التحولات البنيوية وعلمنة الحياة اليومية
لا تنشأ التحولات القيمية الكبرى دائمًا من المناظرات الفكرية أو الحملات الأيديولوجية، بل كثيرًا ما تتشكل في الحياة اليومية تحت ضغط التحولات البنيوية التي تعيد تنظيم المجتمع من الداخل. فعندما تتغير شروط العيش، وتتبدل مصادر الرزق، وتُعاد صياغة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، تبدأ منظومة القيم بالتكيف تدريجيًا مع الواقع الجديد، حتى وإن ظل الخطاب السياسي أو الديني على حاله.
وفي الحالة السورية، لم يقتصر أثر الحرب والانهيار الاقتصادي على إنتاج الفقر أو تفكيك مؤسسات الدولة، بل أدى أيضًا إلى إعادة توزيع مصادر السلطة داخل المجتمع. فمع تراجع قدرة المؤسسات التقليدية على أداء وظائفها، لم تعد المكانة الاجتماعية أو السلطة الرمزية تُكتسب بالقدر نفسه من الانتماء أو الخطاب، وإنما أخذت ترتبط، بصورة متزايدة، بالقدرة على الاستجابة لمتطلبات الحياة اليومية وتأمين شروط البقاء. ومن هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ”العلمنة الوظيفية“؛ أي انتقال متدرج في تنظيم المجال العام والعلاقات الاجتماعية، تفرضه الضرورات العملية أكثر مما تصنعه القناعات الأيديولوجية.
إعادة توزيع السلطة داخل الأسرة والمجتمع
في جانب مهم من بنيته التقليدية، قام المجتمع السوري على تلازم بين السلطة الاقتصادية داخل الأسرة والسلطة الرمزية للمؤسسة الدينية. فقد كان رب الأسرة يمتلك، في الغالب، أدوات الإعالة، بينما كانت المرجعية الدينية تمنح هذه البنية شرعيتها الأخلاقية والاجتماعية. وقد منح هذا التداخل منظومة القيم التقليدية قدرًا كبيرًا من الاستقرار، طالما بقيت شروطها المادية قائمة.
غير أن سنوات الانهيار الاقتصادي أعادت تشكيل هذه المعادلة. فمع تراجع القدرة الاقتصادية، وانهيار كثير من شبكات الأمان التقليدية، بدأت تتراجع أيضًا قدرة تلك السلطات الرمزية على إنتاج الامتثال والطاعة. ولم يعد النفوذ الاجتماعي يُستمد بالدرجة نفسها من المكانة الدينية أو الأبوية، بقدر ما أصبح مرتبطًا بالقدرة الفعلية على إدارة متطلبات الحياة اليومية وتأمين احتياجات الأسرة.
ولا يعني ذلك اختفاء السلطة الدينية أو الأبوية، وإنما تراجع احتكارها لتحديد الخيارات الفردية والاجتماعية، في ظل واقع فرض على ملايين السوريين إعادة تنظيم حياتهم خارج الأطر التقليدية التي كانت تحكمها.
المرأة وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية
تُعد مشاركة المرأة السورية المتزايدة في سوق العمل واحدة من أبرز تجليات هذه التحولات البنيوية. ولم يكن هذا التحول، في معظمه، ثمرة مشروع فكري أو حراك نسوي منظم، بقدر ما كان استجابة مباشرة للانهيار الاقتصادي واتساع مسؤوليات الإعالة داخل الأسرة.
لكن النتائج الاجتماعية لهذا التحول تجاوزت أسبابه الاقتصادية. فمع انتقال المرأة إلى موقع الشريك الأساسي، أو في كثير من الحالات المعيل الرئيس للأسرة، بدأت الأسس الاجتماعية التي استندت إليها بعض التصورات التقليدية عن توزيع الأدوار داخل العائلة تتعرض للمراجعة العملية، حتى دون أن يصاحب ذلك أي جدل فكري منظم.
وقد انعكس ذلك في ثلاثة مسارات متداخلة:
- إعادة مساءلة البنية التقليدية للعلاقات الأسرية: إذ أصبح توزيع الأدوار داخل الأسرة يتحدد بصورة متزايدة وفق مقتضيات الواقع الاقتصادي، لا وفق التصورات الموروثة وحدها.
- تكيف الخطاب الديني مع الواقع الاجتماعي: دفعت هذه التحولات قطاعات من الخطاب الديني إلى إعادة تفسير بعض المواقف أو التكيف مع وقائع اجتماعية لم يعد من الممكن تجاهلها، بعد أن أصبح خروج المرأة إلى العمل شرطًا لبقاء عدد كبير من الأسر.
- تعزيز استقلالية الفرد: فقد أتاح الاستقلال الاقتصادي لعدد متزايد من النساء هامشًا أوسع في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتعليم والعمل والحياة الشخصية، وهو ما أسهم في توسيع المجال الفردي خارج أشكال الوصاية التقليدية.
إن الشارع السوري اليوم لا يقرأ كتب التنوير، لكنه يمارس، في تفاصيل حياته اليومية، كثيرًا من النتائج الاجتماعية التي ارتبطت تاريخيًا بها. فالتحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا من الكتب، بل كثيرًا ما تبدأ من تغير شروط الحياة نفسها.
الخبرة المعيشة والانفتاح على نماذج اجتماعية جديدة
إلى جانب التحولات الداخلية، لعبت الهجرة السورية الواسعة دورًا لا يقل أهمية في إعادة تشكيل التصورات الاجتماعية. فقد عاش ملايين السوريين خلال السنوات الماضية في دول تقوم مؤسساتها على حياد الدولة تجاه الانتماءات الدينية، سواء في أوروبا أو تركيا أو في بلدان أخرى ذات أنماط مختلفة من التنظيم المدني.
ولم تكن التجربة، بالنسبة إلى معظمهم، تجربة فلسفية مع مفهوم العلمانية، بل تجربة مع مؤسسات تعمل وفق قواعد عامة لا تميز بين المواطنين على أساس معتقداتهم. وقد أسهم هذا الاحتكاك اليومي في تصحيح كثير من الصور النمطية التي رُبطت طويلًا بالعلمانية في الخطاب السياسي والديني، ونقل إلى الداخل السوري، عبر العلاقات الأسرية ووسائل التواصل والزيارات المتبادلة، خبرات عملية حول أنماط مختلفة لإدارة التنوع وتنظيم المجال العام.
وبذلك، لم تعد الخبرة السورية محصورة داخل حدود الدولة، بل أصبحت موزعة بين مجتمعات متعددة، الأمر الذي وسّع أفق المقارنة، وفتح المجال أمام إعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والدين والمواطنة، انطلاقًا من تجارب معيشة لا من سجالات أيديولوجية مجردة.
الفضاء الرقمي وتراجع احتكار إنتاج المعنى
إذا كانت الهجرة قد فتحت نافذة مباشرة على تجارب اجتماعية مختلفة، فإن الثورة الرقمية وسّعت هذه النافذة لتشمل المجتمع بأسره. فقد أدى الانتشار الواسع للإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي إلى إنهاء الاحتكار التقليدي الذي كانت تمارسه الأسرة أو المؤسسة الدينية أو وسائل الإعلام الرسمية في إنتاج المعرفة وتشكيل الوعي.
أصبح الفرد السوري يقارن بصورة يومية بين أنماط متباينة من الحياة والقوانين والعلاقات الاجتماعية، ويتابع نقاشات تدور في فضاءات ثقافية متعددة، الأمر الذي عزز الميل إلى مساءلة كثير من المسلمات التي كانت تُتلقى سابقًا بوصفها حقائق نهائية. ولم يعد تكوين المواقف يعتمد على مصدر واحد للمعرفة، بل أصبح نتاجًا لتفاعل مستمر بين خبرات وتجارب ورؤى متباينة.
ولا يعني ذلك أن الفضاء الرقمي يقود بالضرورة إلى مزيد من العقلانية أو التسامح؛ فهو، في الوقت نفسه، قد يعزز الاستقطاب وينتج أشكالًا جديدة من التطرف. غير أن أثره الأهم يتمثل في كسر احتكار إنتاج المعنى، وإضعاف قدرة أي سلطة منفردة، دينية كانت أو سياسية، على فرض تفسير واحد للعالم أو احتكار المجال العام. وفي هذا المعنى، يصبح الإنترنت أحد العوامل البنيوية التي تُسهم، إلى جانب التحولات الاقتصادية والهجرة، في دفع المجتمع نحو أنماط أكثر تعددية في التفكير وتنظيم الحياة العامة.
الممارسة وإعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة
إذا كانت التحولات الاقتصادية والاجتماعية قد أعادت توزيع مصادر السلطة داخل المجتمع، فإن التجربة السياسية خلال سنوات الحرب أسهمت، بدورها، في إعادة تشكيل العلاقة بين الدين والسلطة في الوعي العام. فالأفكار لا تُختبر بخطاباتها، بل بما تنتجه حين تتحول إلى ممارسة.
لقد دخلت قوى وتيارات ذات مرجعيات دينية إلى مواقع السلطة والإدارة في أكثر من منطقة سورية، ووجد السوريون أنفسهم أمام تجربة عملية للحكم باسم الدين، بعد عقود ظل فيها هذا الخطاب يقدّم نفسه بوصفه البديل الذي لم تتح له فرصة التطبيق.
غير أن التجربة العملية، بما رافقها من أنماط متكررة من الاستبداد، والمحسوبيات، والاقتصاد الريعي، وتوظيف الخطاب الديني في الصراعات السياسية والعسكرية، دفعت قطاعات واسعة من المجتمع إلى إعادة النظر، ليس في الدين بوصفه معتقدًا، بل في صلاحيته كمرجعية لإدارة السلطة والشأن العام.
وقد كان لهذا التحول أثر واضح، خصوصًا لدى الأجيال التي تشكل وعيها خلال سنوات الحرب. فبدل النظر إلى الدين باعتباره مشروعًا سياسيًا جامعًا، أخذ يتعزز الميل إلى التعامل معه بوصفه شأنًا فرديًا وأخلاقيًا، مع تزايد الشك في توظيف المقدس لخدمة الصراعات والمصالح السياسية.
ولا تعني هذه التحولات تراجع التدين أو انحسار الهوية الدينية، بقدر ما تعكس إعادة تعريف للحدود بين المجال الديني والمجال السياسي. فكلما اتسعت الفجوة بين الشعارات والممارسة، ازداد الميل إلى الفصل بين الإيمان الشخصي وإدارة الدولة، بوصفه ضمانة لحماية المجالين معًا؛ فلا تُستخدم السياسة لإضفاء القداسة على السلطة، ولا يُستنزف الدين في صراعاتها.
من التحولات الاجتماعية إلى حياد الدولة
تكشف التحولات السابقة أن السؤال المطروح اليوم لم يعد ما إذا كان المجتمع السوري سيقبل بالعلمانية أو يرفضها بوصفها أيديولوجيا، بل أي نموذج للدولة يستطيع استيعاب التحولات التي يعيشها بالفعل. فالمجتمع الذي أعاد، تحت ضغط الحرب والانهيار، توزيع أدوار الأسرة، وتوسيع المجال الفردي، والانفتاح على خبرات مؤسسية متنوعة، لم يعد يشبه المجتمع الذي صيغت من أجله كثير من التصورات السياسية التقليدية.
ولعل أحد أسباب الالتباس التاريخي حول مفهوم العلمانية في العالم العربي يعود إلى تشويه مزدوج تعرض له المفهوم. فمن جهة، ارتبط في تجارب عديدة بأنظمة استبدادية استخدمته غطاءً لاحتكار السلطة، ومن جهة أخرى، صُوِّر في الخطاب الديني والسياسي بوصفه مرادفًا للإلحاد أو العداء للدين. وقد حال هذا التشويه دون مناقشة العلمانية بوصفها سؤالًا يتعلق بوظيفة الدولة، لا بعقائد الأفراد.
ومن هذا المنظور، لا تبدو العلمانية الوظيفية مشروعًا لإعادة تشكيل المجتمع أو استبدال منظومته القيمية، وإنما إطارًا مؤسسيًا ينظم العلاقة بين الدولة ومواطنيها، على قاعدة الحياد والمواطنة وسيادة القانون. فهي لا تحدد للناس كيف يؤمنون، بل تحدد كيف تعمل الدولة.
وتبرز أهمية هذا الإطار في مجتمع متنوع كالمجتمع السوري، حيث يصبح حياد مؤسسات الدولة شرطًا لحماية ثلاثة مبادئ أساسية:
- حرية الضمير والمعتقد، بحيث يبقى الإيمان شأنًا شخصيًا لا تفرضه السلطة ولا تعاقب عليه.
- حياد المؤسسات العامة، بحيث تُدار الحقوق والموارد والوظائف العامة وفق معايير المواطنة والكفاءة، لا وفق الانتماءات الدينية أو الطائفية.
- إدارة التنوع سلميًا، عبر توفير مساحة سياسية مشتركة لا يشعر فيها أي مكون بأن الدولة تعمل بوصفها ممثلًا لعقيدة أو جماعة بعينها.
وبهذا المعنى، فإن العلمانية الوظيفية ليست إجابة عن سؤال فلسفي حول الدين، بل عن سؤال سياسي يتعلق بكيفية إدارة دولة تضم مواطنين مختلفين في معتقداتهم، ومتساوين في حقوقهم.
خاتمة
ربما تكمن المفارقة الأبرز في الحالة السورية في أن المجتمع يبدو، في بعض جوانبه، أسرع تحولًا من نُخبه السياسية ومن خطاباته الأيديولوجية. فبينما ما تزال المعارك تدور حول شعارات كبرى وهويات متصارعة، كانت الحياة اليومية تعيد، بهدوء، تشكيل العلاقات الاجتماعية وأنماط السلطة وحدود المجال العام.
ومن هنا، فإن التحدي الذي يواجه سوريا المستقبل لا يتمثل في إقناع السوريين باعتناق العلمانية بوصفها عقيدة سياسية جديدة، وإنما في بناء مؤسسات عامة تستجيب للتحولات التي يعيشها المجتمع بالفعل. فالدولة الحديثة لا تُبنى على توحيد معتقدات مواطنيها، بل على قدرتها على ضمان حرياتهم، وإدارة اختلافاتهم، وتحييد مؤسساتها عن صراعات الهوية.
وربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم: هل أصبح المجتمع السوري أكثر علمانية؟ بل سؤال آخر أكثر أهمية: هل تستطيع السياسة السورية أن تلحق بالمجتمع الذي بدأ، تحت ضغط الضرورة، في إعادة اكتشاف شروط العيش المشترك؟









