علاء الخطيب
08/02/2026
تتناقل وسائل إعلام تصريحات منسوبة لوزير الطاقة السوري محمد البشير، وردت في مقابلة إعلامية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قدّر فيها احتياطيات البلاد من الغاز البحري بنحو 1200 مليار متر مكعب، مشيرًا إلى أن شركات دولية كبرى مثل شيفرون وتوتال وكونوكو فيليبس ستعمل في التنقيب البحري، إضافة إلى اهتمام شركات أخرى من بينها إيني وقطر للطاقة.
لكن يبقى السؤال: إلى أي مدى تستند هذه الأرقام إلى تقديرات علمية منشورة؟ وهل هي متوافقة مع ما تقوله المؤسسات الجيولوجية الدولية المتخصصة؟ وهل هي تصريحات لخلق “وهم” يتم تسويقه للسوريين، أم لتبرير القرارات التي تتخذها الحكومة الانتقالية في مجال الطاقة؟
ماذا تقول التقديرات الجيولوجية الدولية؟
وفق تقارير أهم المؤسسات المتخصصة في المسح الجيولوجي واستكشاف الثروات الطبيعية، فإنه من المُستبعد جداً أن تصل احتياطيات سورية من الغاز الطبيعي تحت مياه المتوسط إلى 1200 مليار متر مكعب.
يُعد المسح الجيولوجي الأميركي (USGS) المرجع الأهم عالميًا في تقييم الموارد الهيدروكربونية غير المكتشفة. وفي دراسته المعروفة حول حوض الليفانت في شرق المتوسط الصادرة عام 2010، قدّر المعهد الموارد الغازية غير المكتشفة القابلة للاستخراج تقنيًا في كامل الحوض بما يلي:
- متوسط تقديري: نحو 3455 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي
- المجال الاحتمالي: بين 1400 و6400 مليار متر مكعب
- إضافة إلى متوسط يقارب 1.7 مليار برميل من النفط
ومن المهم التوضيح أن هذه الأرقام:
- تتعلق بالحوض الجيولوجي كاملًا، وليس بدولة بعينها
- تمثل موارد محتملة غير مكتشفة وليست احتياطيات مثبتة
- لا تتضمن توزيعًا رسميًا للحصص بين الدول المطلة على الحوض
ويمتد حوض الليفانت بحريًا قبالة سواحل فلسطين ولبنان وإسرائيل وقبرص ويصل إلى شمال الساحل السوري. وبحسب الخرائط الجيولوجية المنشورة، فإن الجزء الواقع ضمن المياه السورية يمثل قطاعًا محدودًا نسبيًا من إجمالي مساحة الحوض.
ماذا عن التقديرات الخاصة بالمياه السورية؟
إن أكثر التقديرات تفاؤلاً لاحتياطيات الغاز الطبيعي تحت المياه السورية تقول إنها قد تصل إلى ما بين 230 و400 مليار متر مكعب. هذه التقديرات وردت بتقرير مفصل صدر عن مركز أمن وحوكمة الطاقة في كوريا الجنوبية عام 2016. وفي أحدث تقرير صادر عن مؤسسة وود ماكينزي أيضا التقديرات تتراوح حول بضع مئات من المليارات. لكن لا يوجد أي مرجع أو تقرير من مؤسسة أو شركة معروفة تشير حتى لاحتمال أن تصل حصة سورية من غاز المتوسط إلى ألف ومئتي مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.
إذا تشير تقديرات تحليلية غير رسمية وبعض الدراسات المتخصصة إلى نطاق تقريبي بين 200 و400 مليار متر مكعب، لكن لا يوجد حتى الآن تقدير رسمي معتمد لحصة سوريا بسبب غياب الحفر الاستكشافي البحري.
لماذا لا يمكن الجزم قبل الاستكشاف؟
التقديرات الجيولوجية الإقليمية لا تتحول إلى احتياطيات مؤكدة إلا بعد:
- تنفيذ مسوحات زلزالية بحرية تفصيلية
- حفر آبار استكشافية
- اختبار المكامن
- تقييم الجدوى التقنية والاقتصادية للاستخراج
ولم تُسجل حتى الآن أي عمليات حفر استكشافي بحري مثبتة في المياه السورية العميقة. لذلك تبقى جميع الأرقام المتداولة، مهما كان مصدرها، في إطار الفرضيات الجيولوجية، لا الاحتياطي المؤكد.
كما أن وجود مكمن غازي لا يعني بالضرورة إمكانية استخراجه اقتصاديًا، إذ تعتمد الجدوى على العمق، والبنية الجيولوجية، وكلفة التطوير، وأسعار السوق.
بكل الأحوال هذه الكميات تمثل دعماً كبيراً نسبياً للاقتصاد السوري، ولقطاع الطاقة، وستساهم في نهضة سوريا اقتصادياً. لكن لن تجعل سوريا دولة مؤثرة في سوق الطاقة والغاز الطبيعي الإقليمي أو الدولي، كما يوحي كلام الوزير، وكما يظن العديدون. 
إذاً من أين أتى وزير الطاقة السوري بهذه الأرقام؟ ولماذا أطلق هذه التقديرات الوهمية؟
من المؤكد أن سوريا منذ ما قبل الثورة لا تملك الخبرة ولا التقنيات اللازمة للاستكشاف البحري للموارد الطبيعية، بما فيها الغاز الطبيعي، وبالتالي من غير المعقول أن الوزارة نفسها أجرت عمليات الاستكشاف خلال السنة الماضية. والسيد محمد البشير لم يُشر إلى مصدر معلوماته، لكنه وضعها ضمن إطار خبر وبشرى للسوريين، وأعلن أن وزارته تخطط لاستكشاف هذه المكامن تحت مياه البحر.
لكن كما هي عادة هذه الحكومة الانتقالية، لم يذكر الوزير شيئاً عن طبيعة العقود التي تزعم الوزارة عقدها مع الشركات الأجنبية التي ستقوم بعمليات الاستكشاف، وحتى لماذا الإصرار بكل هذه العقود على وجود شركات قطرية وسيطة لا تقدم عملياً أي شيء لسوريا. فشركة Power International ليست شركة متخصصة في المسح الجيوفيزيائي أو الاستكشاف البحري، وهذه الأعمال عادة تنفذها شركات خدمات تقنية عالمية متخصصة.
لا يمكن تفسير خداع الجمهور بهذه الأرقام إلا ضمن لعبة الإعلام الشعبوي لبيع الوهم للشارع السوري، فالحالة الاقتصادية تسير نحو الأسوء، وللآن لم تقدم الحكومة الانتقالية حتى خارطة طريق واضحة لإعادة الإعمار، ولكيفية النهوض بالاقتصاد السوري، وتحسين الحالة المعاشية للناس.
فالسؤال المطروح، هل فعلا هذا ما يستحقه الشعب السوري بعد كل هذه الآلام والمآسي؟ ألا يستحق حكومة وقادة يحترمونه بالحد الأدنى ضمن علاقة السلطة بالشعب، ويتعاملون معه بشفافية وصدق أكثر؟
لتفاصيل أكثر يمكن العودة لدراسة: “سوق الغاز الطبيعي وعلاقته بالمسألة السورية”،
https://www.infosalam.com/syria/syria-studies/syria-gas-pipeline









