15/04/2015
علاء الدين الخطيب
منذ منتصف 2013 توصل النظام الإيراني والحكومة الروسية وبالتالي السلطة السورية لقناعة راسخة أن الأزمة السورية مستمرة لعدة سنوات لا تقل عن خمس أو عشر سنوات. فوضعوا استراتيجية بعيدة المدى تقوم على أساس “من يصرخ أولا يخسر”. والصراخ هنا بين معسكر روسيا والصين وإيران والسلطة السورية وبين معسكر الغرب وحكومات الخليج العربي وتركيا.
تقوم هذه الاستراتيجية على بضعة حقائق بالصراع الدولي ومنهجية عمل داخلي يمكن تلخيصهم بما يلي:
1- حقيقة أن الفصائل الإسلاموية هي أساس ضرب أي تهديد عسكري حقيقي ضد السلطة السورية فهي عاجزة عقائديا وتكتيكيا وبنيويا أن تحقق أي نصر عسكري حاسم، وممنوعة دوليا بدلالة ما يلي:
· السياسة الغربية تستخدم الفكر والمجموعات الإسلامية الأصولية من قبل حتى حرب أفغانستان. لذلك وضعت خطا أحمر يمنع وصول هذه المجموعات لحكم بلد مهم استراتيجيا، ليس خوفا من هذه المجموعات لكن حفاظا على مستوى استقرار معين.
· الحكومات الإقليمية وخاصة في السعودية وقطر وتركيا لا تملك قوة كافية لإيصال هذه الفصائل لحكم سوريا. وكذلك لا تستطيع التحكم بهذه الفصائل إن حكمت بلدا أساسيا مثل سوريا.
· هذه الفصائل بنيويا وفكريا لا تتقن سوى حرب العصابات وإدارة ذاتها كمافيا ولا تستطيع إدارة دولة أو جزء من دولة.
· قادات هذه الفصائل ومموليها وغاسلي العقول فيها منقسمون بين مجموعة توالي الحكم السعودي ومجموعة توالي الحكم القطري والتركي. وبما أن سبيل التعاون الكامل مستحيل بين هذه الحكومات بل الأرجح استمرار صراع العائلات فمن المستحيل ألا تتقاتل هذه الفصائل فيما بينها.
· المخابرات الإيرانية والروسية وكذلك السورية استطاعت اختراق كافة هذه الفصائل من أول يوم وتملك مراكز قوة ضمنها تكفي للتحكم بحركتها وقت الضرورة.
2- المعسكران الرئيسيان المتصارعان على سوريا ما زالا في حالة صدام متصاعد، خاصة بعد أزمة أوكرانيا والدرع الصاروخي الأمريكي وحرب أسعار النفط والحصار الاقتصادي على روسيا. هذان المعسكران يتبعان أصول اللعبة بمنع الاحتكاك المباشر بينهما. فهما يتبعان أسلوب الحروب المتحكم بها عن بعد على أراضي الآخرين، وليس ما حصل باليمن سوى فتح ساحة حرب جديدة على حساب الشعب اليمني.
من البديهي أن المعسكر المقاد أمريكيا هو أقوى، لكن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية على المدى الاستراتيجي لا تقتضي تدخلا حاسما في سوريا لمصلحة قلب النظام أو إبقائه. بل حتى حكومات السعودية وقطر وتركيا تراجعت منذ منتصف 2012 عن فكرة قلب النظام السوري لأسباب تتضمن ما ذكرناه هنا، وأيضا لسبب أساسي أنها لم تفلح بتصنيع البديل الموالي لها سوريا القادر على إدراة بلد.
المعسكر المقابل أعلن بوضوح أنه مستعد لكسر الخط الأحمر والذهاب لحرب مباشرة إن سقط النظام السوري دون مساومة مرضية معه. وهنا أتت اتفاقية البرنامج النووي الإيراني كدليل التزام واضح من الطرفين بأصول اللعبة.
إذا فالنظام السوري مطمئن تماما لدعم لا نهائي من حكومات إيران وروسيا والصين وللقرار الأمريكي بضرورة إبقاء النظام السوري مسمار جحا بينهم وبين الروس والإيرانيين.
3- تأخر النظام السوري سنتين في اكتشاف الحقيقتين السابقتين، لكنه وصل بالنهاية. ولذلك هو يتابع استراتيجيته التي قررها منذ نهاية 2011: ليجرب السوريون حكم أمراء الفصائل الإسلاموية الظلاميين وسلوك عناصرهم المشلولة العقل أمام فتاوى أكل الزمن عليها وشرب دما. وليصل بعضهم لقناعة أن النظام السوري بكل مساوئه وظلمه ودمويته كان أفضل لهم. ومن لم تتراجع قناعته سيغادر البلد أو يصمت للأبد. وقد قدم قادات هذه الفصائل أقوى دليل على نجاح هذه الاستراتيجية، فمنذ أن صعدت جبهة النصرة بشعاراتها الطائفية الصريحة تراجعت الانشقاقات عن الجيش النظامي بس
هنا أتت الحملة الإعلامية المركزة من قبل النظام السوري، حول “البسطار العسكري”. هذه الحملة قدمت حلا لمن يرفض النظام البشاري ويرفض الفصائل الإسلاموية والمعارضة الإسطنبولية وهو أن يقف مع الجيش السوري لحين انجلاء الأزمة.
4- ضمن ما سبق من واقع سياسي دولي وميزان قوى، لا يوجد أمام النظام السوري ما يمنعه من قصف وتدمير أي مدينة أو تجمع سكني يخدم مصالحه السلطوية. فكان له أخيرا أن يقترف مجزرة في حلب في حي غالبيته مسيحية ولم يصل هذا الخبر حتى لآذان الإعلام الغربي. فمن ما زال مترددا بالاقتناع بأن حكم النظام السوري أفضل له، تتكفل البراميل والصواريخ بإجباره على الاقتناع.
السلطة السورية الآن تسير بخطى أكثر ثقة بأنها مستمرة بمركزها حتى لو كلف هذا بضعة مئات آلاف أخرى من السوريين ضحايا الحرب وبضعة ملايين أخرى مشردة. وبالنهاية تقديم الشمال السوري ما زال ثمنا مقبولا بعد بضع سنين.
أما مشاهير وقادات ما يسمى معارضة سورية وإعلاميين وكتاب فهم في أوقات فراغهم خارج صراعاتهم البينية ما زالوا يبيعون أوهام عاصفة حزم سعودية تركية بعد أن أصبحت بضاعة وهم التدخل العسكري الغربي غير مطلوبة بسوق الإعلام. والأدهى أن غالبية منهم تحولت لكتيبة تخدم هذا المعسكر أو ذاك ضمن تبرير ما يسمى “الواقعية السياسية” والذي يعني: نعم لا يوجد حكومة حولنا أو بالعالم تريد الخير لسوريا لكننا يجب أن نختار أحد الخنادق ونجلس فيه.
15/04/2015








