علاء الدين الخطيب
منذ عدة شهور ظهرت الكثير من الأخبار والتحليلات التي تدعي أن شقاقا كبيرا يحصل بين إيران وروسيا، خاصة بما يتعلق بسوريا؛ تحليلات اعتمدت على حدوث خلافات على أرض المعركة بين الجانبين في سوريا، وعلى بعض التصريحات السياسية المنتقاة. كذلك مع احتلال ترامب للمكتب البيضاوي، فإن تصريحاته النارية ضد إيران، ومغازلته لبوتين، زادت من حجم التكهنات التي تفترض أن ترامب سيجر بوتين لجانبه ويبعد روسيا عن إيران، ليستفرد بها لاحقا، بما قد يتجاوز العقوبات الاقتصادية إلى هجوم عسكري محتمل. لكن هل فعلا هذه قراءات تحليلية موضوعية أم أمنيات وتكهنات؟ 
بدايةً، الاعتماد على التصريحات السياسية يجب أن يكون محايدا وشاملا، فهل تم وضع التصريحات الإيجابية المتبادلة بين روسيا وإيران جنبا إلى جنب مع التصريحات التي تحمل نفسا سلبيا أو خلافيا؟ بالواقع غالبية القراءات التي تتنبأ بالخلاف الروسي الإيراني كان انتقائية في سرد التصريحات السياسية الخلافية؛ فلم نر تركيزا إعلاميا على التصريحات الواضحة الجازمة من قبل الرسميين الصينيين والروس الرافضة لقرار ترامب بزيادة العقوبات الاقتصادية على إيران في بداية هذا الشهر، وتصريحات الناطق باسم الكرملين بسكوف عن استراتيجية علاقات روسيا بإيران.
ثانيا، تسربت أخبار كثيرة عن خلافات تكتيكية بين روسيا وإيران على أرض المعركة في سوريا، التي لا يمكن أن نصدقها كلها، لكن يمكن الركون إلى حدوث بعضها؛ من البديهي والحتمي أن العمل العسكري المشترك بين روسيا وإيران لأول مرة على الأرض وبدون تاريخ من المناورات العسكرية المشتركة، سيؤدي إلى تصادمات على الأرض؛ هذا عدا عن كون الوجود العسكري الإيراني في سوريا بغالبيته يعتمد على مليشيا ارتزاقية، والتحكم الكامل بهذه المليشيات بالنسبة لإيران أو أي دولة صعب جدا ولا يمكن أن يتحقق؛ كما أن النظام الإيراني كبنية وتيارات ليس متفقا على كل التفاصيل سواء داخل أو خارج إيران؛ إذا فلا يمكن الجزم بأن خلافات حكومتي روسيا وإيران استراتيجية في سوريا، لأنهما واجها خلافات تكتيكية على الأرض.
ثالثا، تم البناء كثيرا في استنتاج حراجة الخلافات الروسية الإيرانية على التقارب التركي الروسي، من باب حقيقة أن موقفي تركيا وإيران متصادمان في سوريا. هذا الاستنتاج يهمل حقيقتين أساسيتين: الأولى هي أن علاقات إيران وتركيا ممتازة منذ وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، وكانت جيدة أو حيادية قبل ذلك لعقود طويلة سواء قبل أو بعد الثورة الإيرانية، ولم تعترها أي أزمات كبرى حقيقية منذ الحرب العالمية الثانية. والحقيقة الثانية هي أن علاقات روسيا وتركيا وإيران بقيت بأفضل حالاتها منذ 2011 الى خريف 2015 رغم تناقض سياستهم في سوريا. حسب السياق العام، فإن توتر العلاقات الروسية التركية العام الماضي هو الاستثناء وكان بالمحصلة مجرد زوبعة صغيرة بالفنجان، وإعادة التقارب التركي الروسي هو داعم للعلاقات التركية الإيرانية الروسية.
قد يقول قائل: كل ما ذكرت ليس حتميا، ويمكن إعادة تفسيره بطريقة مختلفة، حتى لو بدا أضعف بالمقارنة. حسنا، لنعد للحقائق الأساسية التي تحكم علاقات الدول.
الحلف الروسي الإيراني الصيني حلف استراتيجي لأنه حاجة أمن قومي وعسكري أولا لكل هذه البلاد، ومنفعة اقتصادية كبيرة لهم على المدى الطويل. فهذه الدول الثلاثة تقف منذ عقود طويلة في ساحة العداء والتوتر مع الغرب، وجود هذا العدو المشترك المخيف والضخم يفرض على هذه الدول التحالف. كما أن هذه الدول الثلاث تتشارك نفس الهاجس حول وسط آسيا، فكابوس أفغانستان ما زال مقيما، في المركز الجغرافي لديكتاتوريات وسط آسيا؛ إن المحافظة على استقرار هذه المنطقة، هو ضرورة أمن قومي وليس مجرد رأي أو مزاج زعيم. كذلك فإن منطقة بحر قزوين تشكل أمنا قوميا لإيران وروسيا وتركيا، والتنسيق والتفاهم بين هذه الدول ضرورة وحتمية لا مفر منها.
من ناحية ثانية، تمثل روسيا بقوتها العسكرية الهائلة، مصدرا أساسيا للصين وإيران عسكريا، وكلا البلدين يملك ما يكفي من هواجس أمنية. فالصين تستورد 80% من استيرادها العسكري من روسيا، وهي أيضا تشتري 27% من صادرات الأسلحة الروسية؛ وإيران تستورد 81% من استيرادها العسكري من روسيا والصين معا؛ وفي نهاية 2016 أبرمت إيران صفقة بقيمة 10 بلايين دولار لاستيراد أسلحة روسية.
بالإضافة لما ذكر سابقا، فالحقيقة المنسية في التحليل العربي السياسي، هي أن العلاقات بين الدول وخاصة بالعصر الحديث تحتاج إلى بناء جسور الثقة، وهي عملية غاية بالصعوبة وتحتاج سنين طويلة لتأسيسها، وخسارتها لا يمكن أن تحصل إلا بحالة انقلابات دراماتيكية داخل هذه الدول. كذلك فإن العلاقات الدولية لا تشبه علاقات القبائل التي تخضع لمزاجيات ورؤية زعيم القبيلة، وحكومتي روسيا وإيران ليسوا بغباء الاستدارة 180 درجة فقط لأن صورة الجالس بالبيت الأبيض قد تغيرت، فانعدام الثقة بين روسيا وإيران وبين الغرب وخاصة الولايات المتحدة من الشدة والقوة بحيث يحتاج رأبه لسنين طويلة من الجهود المضنية.
بالنتيجة إن القول بأن روسيا سترمي بكل مصالحها الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية مع إيران عرض الحائط، فقط لأن ترامب عبر عن احترامه العميق لبوتين، هو قول خيالي لا يسنده سوى الأمنيات، وفكرة عبثية تقول “كل شيء ممكن في السياسة”. والمراهنة على أن روسيا ستعمل ضد مصلحة النظام الإيراني استراتيجيا في سوريا هو أيضا إغراق في الأوهام.
كذلك من المهم التنويه إلى أن المراهنة أيضا على أن “غضب” ترامب من إيران سيكون في مصلحة دول الخليج العربي هو رهان خطير غير محسوب استراتيجيا، لأن ما ذكرناه سابقا هنا، وخلافات ترامب مع حلفائه الغربيين والصين وروسيا، يؤكد أن ترامب لن يتحرك ضد إيران بشكل حاسم عسكريا ولا يملك ما يكفي لتحرك اقتصادي ضخم ضد إيران.
إن الرؤية الموضوعية للعلاقات الدولية والصراع في السوق العالمي هي الأساس المطلوب لأي محاولة لإنقاذ سوريا مما هي فيه، والتعلق بالأوهام حول صراعات الأقوياء كان وما زال عامل هدم لأي محاولة إنقاذ سورية.
رابط مختصر:
http://wp.me/P2RRDZ-y0








