الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

صعود اليمين المتطرف الغربي

18/10/2017

علاء الدين الخطيب

تعريف ومقدمة تاريخية

اليمين المتطرف هو التوجه السياسي المحافظ المتعصب لفكرة أو أيدلوجية، قد تكون القومية أو الدين؛ والعصر الحديث يحمل جرثومتي تعصب هما التعصب القومي والعرقي، والتعصب الديني والطائفي. هذا اليمين المتطرف ينمو بتسارع في عدة بلاد من العالم، وبشكل يعطي إشارات تحذير كارثية. فاليمين المتطرف الغربي يصعد في الولايات المتحدة الأميركية، مع ترامب، وكذلك في أوروبا مع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، ومع نتائج انتخابات ألمانيا والنمسا وفرنسا وهولندا؛ وهو أساسا قوي في روسيا وأوروبا الشرقية، ويتزايد قوة في تركيا مع توجهات أردوغان القومية المتزايدة؛ ومن ناحية ثانية هو راسخ الأقدام في البلاد العربية بالإضافة لإيران، سواء عبر الحكام الديكتاتوريين، أو عبر الإسلاميين السياسيين.

من المهم ملاحظة أن وضع صفة التطرف كظاهرة في مجتمع ما، لا يعني أن المجتمع كله أصبح متطرفا، فهذا مستحيل؛ لكنه يعني صعود الصوت المتطرف ليسيطر، بسبب سلبية وصمت الغالبية. فيوم نقول صعود النازية الجديدة في أوروبا الغربية، أو الإسلامية المتطرفة في البلاد الإسلامية، لا يعني ذلك أن الناس الغربيين أو المسلمين قد صاروا متطرفين، بل يعني أن غالبيتهم صمتت ووقفت جانبا، فاتحة الباب لصعود الأقلية المتطرفة، التي تكون عادة مثل قنبلة مخفية تنتظر لحظة الانفجار.

التطرف حالة كامنة وموجودة في أي مجتمع بشري، مهما كان هذا المجتمع، لكن بنسب قليلة في الأحوال العادية المستقرة للمجتمعات؛ فاستقرار المجتمع والدولة وتطورهما يكبح جماع العقلية المتطرفة مهما كان نوعها. ولا يعني الاستقرار فقط الرخاء أو الحالة المادية الجيدة، بل يعني استقرار كل عوامل وأسس بنية المجتمع.

كان اليمين المتطرف في أوروبا الغربية والولايات المتحدة موجودا تاريخيا، خلال العقدين الماضيين، واستمر بحالة ما بين الصفر كما هي حال المملكة المتحدة، وإلى الخمس كحالة أعظمية في النمسا حتى ما بعد بداية الألفية الثالثة. يمكن القول أن بدايات الصعود الحالي تعود إلى ما بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، صعود تسارع في السنين الأربع الماضية بشكل واضح.

أسباب صعود اليمين المتطرف الغربي

هذا موضوع يحتاج لكتب وبحوث مطولة، خاصة إذا أردنا تغطية كل اليمين المتطرف في العالم، التوجهات النازية والفاشية في الغرب، الصعود الصاروخي للإسلامية المتعصبة بشقيها السني والشيعي، والتوجهات القومية المتطرفة في روسيا وشرق أوروبا وتركيا؛ لكن يمكننا وضع أسباب عامة تشمل الجميع، وسنركز في هذا المقال على اليمين الغربي المتطرف. يمكن إجمال الأسباب في مجموعتين:

الأسباب المحلية

المقصود بالأسباب الداخلية هو التغيرات داخل الغرب نفسه. ولعل أهمها يتلخص في النقاط التالية:

·        الصعوبات المادية: والتي ظهرت بسبب إطلاق الاتحاد الأوروبي وتوحيد العملة الأوروبية في اليورو؛ وأيضا بسبب الأزمة المالية العالمية في 2008 التي أدت إلى تباطء الاقتصاد الأوروبي الغربي والأميركي. فلقد شعر المواطن الغربي بهذه الصعوبات من خلال تراجع مستوى حياته التي اعتادها في العقدين الأخيرين من القرن الماضي.

قد يشعر الإنسان العربي وهو يقرأ كلمة صعوبات بالمغص في البطن أو الرغبة بالضحك، لأنه سيقارن بحالة المواطن العربي الذي يعيش الفقر والتقشف كعادة وتقليد مستمر من مئات السنين، لكن هذه المقارنة لا تصلح هنا، فالإنسان عموما يقارن بحاله وبجواره الأقرب، وليس بشعوب العالم، فالإنسان العربي السوري أو المصري أو العراقي أيضا يعيش بحبوحة بالنسبة لإنسان يعيش في بنغلاديش أو ميانمار.

·        تراجع الثقة بالحكومات: رغم أن هذه الصعوبات المادية التي طرأت على البلاد الأوروبية ليست كبيرة، إلا أن ذلك قد ساهم في تراجع الثقة بين الشارع الأوروبي الغربي والطبقة السياسية التقليدية. بالإضافة للصعوبات العامة التي ظهرت في الاتحاد الأوروبي، نتيجة عدم قدرة هذه الدول على تحقيق انسجام كافي في سياسات الاتحاد، وظهور الأقطاب ضمنه، مثل الخلاف الدائم بين فرنسا وألمانيا، وكذلك الصعوبات التي رافقت دخول دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد.

·        بلادة الطبقة السياسية التقليدية الأوروبية: التقليدية تعني هنا الأحزاب السياسية الكبرى التي حكمت دول أوروبا الغربية من خمسينات القرن الماضي، والتي بقيت دائما في موقع ومنهجية اليسار الوسط واليمين الوسط، أي ما بين التوجهات الاشتراكية الاجتماعية الديمقراطية وما بين التوجهات المحافظة الليبرالية.

هذه الأحزاب هي التي أسست أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، ووضعت مسارات تقدمها وقوتها، ونهضت بهذه الدول لتعود وتصبح من أغنى وأقوى دول العالم وأكثرها استقرارا منذ سبعينات القرن الماضي إلى اليوم. لكن مشكلة هذه الأحزاب، أنها أصيبت بالشيخوخة والنمطية في الحركة والتعامل مع مستجدات التغييرات العالمية والمحلية، وراهنت كثيرا على تاريخها ومنجزاتها، أي اطمأنت إلى منهجية العمل كالمعتاد Business as usual، فلم تعرّ انتباها كافيا لصعود اليمين المتشدد واليمين المتطرف، كما أنها كانت ذات حركة بطيئة في ملاحقة التغيرات العالمية التي بدأت تعصف بالعالم منذ بداية الألفية الثالثة.

كما أنها لم تستطع إخراج دولها وقرارها السياسي الخارجي من المظلة الأميركية، بعد سقوط المعسكر السوفياتي، بالعكس فقد استطاعت الولايات المتحدة الأميركية اختراق النظام الأوروبي الذي أثبت نجاحات ضخمة، عبر اتفاقيات لشبونة 2007، بعد فشل مشروع الدستور الأوروبي الموحد، والذي كان يهدف إلى تصدير النظام الأميركي النيوليبرالي إلى الاتحاد الأوروبي. كما أن هذه الأحزاب لم تضع خطط كافية للتعامل مع توسعة الاتحاد ليشمل دول أوروبا الشرقية.

 

الأسباب العالمية العامة

الأسباب العالمية مرتبطة طبعا بالداخل الأوروبي، لكنها تشمل أيضا كل أماكن صعود اليمين المتطرف حول العالم. ويمكن تلخيص أهمها بالنقاط التالية:

·        فوضى النظام العالمي الجديد: اعتاد المخيال العربي النخبوي على نقل عبارة منسوبة إلى كونداليزا رايس “الفوضى الخلاقة”، والتي يُدعى أنها أطلقتها حول الشرق الأوسط “الجديد”، باعتبارها مؤامرة أميركية مدروسة للمنطقة بهدف تقسيمها؛ لكن الوقائع تقول إن الفوضى هي فوضى عالمية تصاعدت مع ترسيخ النظام العالمي الجديد بقيادة أميركية تدعمها القوة الأوروبية، وليست خلاقة بل فوضوية ومدمرة.

حصلت هذه الفوضى خلال مسارعة الحلف الغربي بقيادة أميركية لفرض قوانينه على اتفاقيات تحرير التجارة الدولية، وحرية حركة الرأسمال، والتحكم بمفاصل سريان طرق التجارة؛ هذا التسرع أدى لفلتان السوق من سيطرة الحكومات، مما أدى للأزمة المالية العالمية عام 2008؛ هذه الأزمة التي دفعت ثمنها شعوب البلاد الغربية وشعوب العالم، وليس الشركات الكبرى التي سببت الأزمة.

أدت هذه الفوضى ونتائج الأزمة المالية، إلى ازدياد المسافة بين الطبقة الأفقر وبين الطبقة الأغنى في الغرب، وكذلك ببقية الدول النامية، وتراجع حجم الطبقة المتوسطة. هذا التغير الهيكلي زاد من المشكلة الغربية في الشارع، وابتعاد الناس عن الطبقة السياسية؛ كذلك أدى في الدول النامية مثل منطقة الشرق الأوسط إلى تسريع حركة الثورات ضد النظم الحاكمة التقليدية التي لم تؤثر بها عواصف العالم خلال نصف قرن.

·        فوضى الإعلام والمعلومات: وهي نتيجة للنظام العالمي الجديد، وأيضا للتقدم التقني الكبير في تقنيات الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي. فمع كل المزايا التي قدمتها ثورة الاتصالات للبشرية، وما فتحته من إمكانيات تواصل بين الناس، إلا أنها بنفس الوقت فتحت الباب لغزو معلوماتي فوضوي هائل، وانتشار مخيف للأخبار الكاذبة، والتي عبر عنها في نهاية العام 2016 اختيار مجلس اللغة الألمانية في برلين، وقاموس أكسفورد البريطاني لكلمة “ما بعد الحقيقة Postfaktisch, Post Truth” والتي تعني ميل الناس المتزايد لتصديق الأخبار الكاذبة.

فمن خلال عدة دراسات ميدانية في أوروبا والولايات المتحدة، تبين أن غالبية الناس تملك معلومات خاطئة تماما عن واقعها المحلي، وعن المشاكل العالمية، وتستسلم أكثر فأكثر للتفسيرات الشعبوية الأقرب إلى نظرية المؤامرة.

كذلك فإن الإعلام الكبير في الغرب تراجع دوره كثيرا، أمام هجوم وسائل إعلامية أخرى وجدت في تقنيات الاتصالات ورخص التكاليف مجالا للعمل. فبغض النظر عن كل مسالب الإعلام المعروف خلال الخمسين سنة الماضية، من تحيز أو أدلجة أو حتى تلاعب في صياغة الأخبار والمعلومات، إلا أنه كان بسبب التنافسية المضبوطة محصورا ضمن حيز معقول من المصداقية. لكن الإعلام الجديد دخل في صناعة الرأي العام من باب الإثارة والتشويق والغرائبية ومداعبة العواطف البدائية، سواء العواطف القومية أو الدينية؛ ولعل أوضح مؤشر على ذلك هو أن 80% من الإعلام الأميركي كان ضد ترامب في الانتخابات الرئاسية الماضية، لكنه انتصر؛ وغالبية الإعلام في المملكة المتحدة كان ضد الخروج من الاتحاد من الأوروبي، لكن البريكست حصل؛ وكلا الإعلاميين كانا يخدمان المصالح الكبرى الاقتصادية لكبرى الشركات الأميركية والبريطانية.

·        الصراع العالمي الجديد: يميل العرب والمسلمون لتصديق أن الغرب وربما كل العالم يخاف منهم ويضعهم في أعلى سلم أولياته، ضمن سياق نظرية المؤامرة؛ لكن واقع العالم والأموال والاقتصاد يشير بوضوح إلى أن جوهر الصراع العالمي يقوم بين معسكرين: معسكر الغرب بقيادة أميركية، ومعسكر الاقتصاديات الصاعدة بقيادة الصين وروسيا، الصين كثاني أكبر قوة اقتصادية عالمية، وروسيا كثاني أكبر قوة عسكرية عالمية، ومعهما حلف يضم الدول الصاعدة اقتصاديا في آسيا وإفريقيا وأميركا الجنوبية. وقد وضح أوباما ذلك عدة مرات من خلال تصريحاته التي تدور حول أن ضمان بقاء الولايات المتحدة كأقوى اقتصاد والأكثر ازدهارا يأتي من خلال سيطرتها على اتفاقيات تحرير التجارة، ونفوذها في منطقة شرق وجنوب شرق ووسط آسيا، والتي تسمى منطقة المحيط الهادئ، بكلمات أخرى اختراق المجال الصيني الجغرافي الحيوي.

الصين اقتحمت السوق العالمي بثبات وقوة، وبنعومة في نفس الوقت، ولم توفر أي اتجاه لصناعتها أو تجارتها، إلا أن نقطة ضعفها هي الطاقة والقوة العسكرية، ولهذا عملت بجد لبناء الثقة مع روسيا، وكذلك لتنمية منطقة وسط آسيا ومنع الولايات المتحدة من اختراقها، خاصة بعد وضع الإدارة الأميركية يدها العسكرية في أفغانستان والعراق.

هذا الصراع العالمي، مع التوافق الضمني بين الدول الكبرى على عدم الدخول بمواجهات عسكرية مباشرة، ولا العودة إلى أساليب الحرب الباردة، أدى إلى استخدام الحرب المتحكم بها عن بعد Proxy Wars، ولعل منطقتنا وخاصة في العراق وسورية واليمن كانت من أوائل من دفع هذا الثمن.

هذه الأزمات والحروب الإقليمية، مثلما حصل في الشرق الأوسط، والنيران الكامنة بين دول البلقان، ومشاكل افريقيا التي لم تنتهِ، كذلك التعجل في توسيع الاتحاد الأوروبي دون امتلاك خطط واستراتيجيات كافية، أنتج في أوروبا الشرقية دولا فقيرة بالمعيار النسبي؛ كل ذلك أدى إلى بدء حركة نزوح بشرية جماعية باتجاه حياة أفضل من حيث الحالة الاقتصادية والأمنية؛ فارتفع عدد الأجانب في أوروبا خلال العقدين الماضيين بشكل كبير جدا، وأتت أزمة اللاجئين الأخيرة لتضيف زيتا على النار.

·        حلقة التطرف اليميني المفرغة: تصاعد المد المتطرف المتعصب دينيا أو قوميا أو عرقيا، انتشر في العديد من بلاد العالم، بما فيها الغربية، وكل طرف منهم يعتبر الأخرين أو بعضهم أعداءه، ويقدم تطرف أعدائه كحجة ومبرر لتطرفه؛ وكل فريق يلوم الآخرين، ويتنصل من التعصب، بل يدعي الدفاع عن النفس، ليجذب جماهير أكثر إلى صفه.

من ذلك أن حجة الإسلامية المتطرفة تقوم على فكرة “تطرف شرانية الغرب الصليبي ضد المسلمين”؛ في مقابلها نجد أن من أهم مقولات اليمين المتطرف الغربي هي: “تطرف شرانية الإسلامية والجهادية ضد الغرب” هي سبب تحرك هذا اليمين؛ فيدخل الطرفان في حلقة مفرغة لا نهائية.

·        الأسباب الذاتية للمجتمعات البشرية: والتي تتلخص في أن العقل الجماعي للجماعات البشرية يميل في جزء من مكوناته، إلى البحث عن التفسير الأسهل والأقرب للملاحظة الشخصية المباشرة لما يواجهه من مشاكل، وينفر من التفسيرات الواقعية الموضوعية والعلمية، لأنها تفسيرات صعبة ومعقدة وتحتاج لجهد ومستوى معرفي عالي؛ هذا التوجه “نحو السذاجة الجماعية” يتزايد عندما يتراجع دور النخبة الفكرية، والمؤسسات الإعلامية والتربوية، التي يكون من أهمها مهامها الحفاظ على مستوى مقبول من الوعي الجماعي.

إذا فإن التسرع في بناء النظام العالمي الجديد، من قبل المعسكر الغربي، ضمن رؤية شرهة للربح السريع والسيطرة الكاملة على العالم، وبروز الصراع مع معسكر الصين وروسيا والاقتصاديات الصاعدة، وثورة الاتصالات والتواصل الإنساني، وفوضى الإعلام خلقت بيئة مناسبة في غالبية دول العالم لصعود الفكر اليميني المتطرف، سواء كان تطرفا دينيا أو طائفيا أو قوميا أو عنصريا؛ وكل أشكال هذا التطرف تقتات على بعضها البعض، وتنمو تشاركيا مع بعضها البعض، سواء من باب العدائية، كعدائية التطرف الغربي اليميني والتطرف الإسلامي الجهادي؛ أو من باب التحالف كما حصل بين الأحزاب اليمينة الغربية المتطرفة وبين بوتين في روسيا وترامب في الولايات المتحدة الأميركية.

 

خطورة التطرف

شهد التاريخ البشري، وفي كل بقاع الأرض، ومع كل شعوبها، صعودا للتطرف في عدة محطات تاريخية، وفي كل مرة كان هذا التطرف يؤدي لكوارث إنسانية بشعة، ولتهديم دول وحضارات؛ وآخر صعود كبير كان في الحرب العالمية الثانية، التي أدت لمقتل حوالي 60 مليون إنسان، وتدمير هائل في أوروبا والاتحاد السوفيتي واليابان، وانطلاق حرب باردة أورثت الويلات للبشرية.

خطورة التطرف في القرن 21، تكمن في أن حجم القوى العسكرية والتقنية والاقتصادية التي يملكها البشر الآن، والقدرات التدميرية الهائلة لهذه القوى، يضع العالم كله على كف عفريت. فللأن ما زالت الأثار المباشرة للتطرف محصورة في حوادث إرهابية مباشرة، مثل جرائم الإرهاب المتسمي بالإسلامية سنيا كان أو شيعيا، وجرائم إرهاب التطرف العنصري الأبيض الغربي، وغير مباشرة في توسع مشكلة الفقر واللاجئين حول العالم، ومشكلة التغييرات البيئية والمناخية. وانتقلت أثار التطرف بالسنوات الأخيرة لتدمر بلدانا كاملة مثل العراق وسورية تحت مسميات التطرف الإسلامي السني والشيعي، لكن لأسباب جوهرية تتعلق أساسا بنظم الحكم الديكتاتورية التي كانت مهيمنة في البلدين، وبالصراع العالمي الجديد الذي يريد تفريغ احتقانات النظام العالمي الجديد في محيط إقليمي محدود.

ولعل من المهم جدا، ضمن هذه السياقات التحليلية لظاهرة التطرف، عدم الانسياق خلف حجج التطرف التي نريد تحليلها لمواجهتها، وذلك بالسير مثلا خلف ادعاء منتشر في الغرب وفي منطقتنا، والذي يقرر، بكل سطحية، أن سبب صعود اليمين الغربي المتطرف هو التطرف الإسلامي والإرهاب الإسلامي؛ أو مثلما يقول التطرف الإسلامي والمتعاطفين معه، من أن السبب هو تطرف العدائية الغربية والعنصرية البيضاء والمسيحية واليهودية ضد المسلمين. الفخ المختبئ في هذه القراءات يخفي حفرا عميقة لا تقود سوى للالتقاء مع أحد التطرفات الموجودة.

خاتمة

قد تبدو الصورة سوداوية من خلال ما سبق، لكن هناك في المقابل مؤشرات أساسية على أن البشرية بإمكانها تجاوز هذه المرحلة، والتخلص نهائيا من الفكر المتطرف اليميني بكل أنواعه؛ ففي أوروبا الغربية والولايات المتحدة، ورغم صعود اليمين المتطرف والمتشدد، إلا أن ذلك قد حرّض المؤسسات المدنية والنخب وحتى الطبقات السياسية التقليدية على المراجعة وإعادة التقييم، كما أن قوة قيم حقوق الإنسان في هذه المجتمعات راسخة لحد يعطي أملا كبيرا في إنهاء هذه الظاهرة خلال السنوات القادمة.

لكن ذلك يستلزم أيضا تعاونا واعيا من القادمين الجدد إلى أوروبا، لأن حضورهم كان مثل الشرارة التي أطلقت اليمين المتطرف، لم يكن توافدهم السبب الأساسي، لكن الحجة التي احتاجها هذا اليمين المتطرف.

 

18/10/2017

مواضيع ذات صلة 

الظاهرة الترامبية والردة الأصولية العالمية

الجهل أساس التعصب العرقي والديني، 60000 متظاهر في بولندا ضد المسلمين واليهود

المؤامرة مرة أخرى، لكن إسلامية

ترامب يهدم الفوضى الخلّاقة

أصدقاء بشار الأسد

رابط مختصر: http://wp.me/P2RRDZ-zW

 

 

 

قد يهمك