الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

الجهل أساس التعصب العرقي والديني، 60000 متظاهر في بولندا ضد المسلمين واليهود

فيينا – 12/11/2017

علاء الدين الخطيب

 

خرج في وارسو، عاصمة بولندا، في ذكرى يوم الاستقلال الوطني يوم السبت 11/11/2017 مظاهرة كبيرة، قُدر عدد من شارك بها ب 60000 شخص. لم تكن الغاية فقط الاحتفال باستقلال الوطن البولندي، بل الغاية الأهم التي استغلها منظمو المظاهرة، كانت شعار “بولندا أنقى، مسلمون ويهود أقل”. المنظمان هما حركتان شبابيتان قوميتان بولنديتان: الأولى اسمها ” معسكر القوميين الراديكاليين”، وهي منظمة يمينية متطرفة تنسب للفاشية، وتحمل شعارات قومية بولندية عنصرية متطرفة، وهي تحمل نفس الاسم لمنظمة ظهرت في العام 1930 وكانت تدعو للتخلص من اليهود خلال السنوات التي سبقت مذابح الهولوكوست؛ ومنظمة “كل الشباب البولندي” وهي أيضا تنطلق من نفس الأفكار ضد اليهود والمسلمين.

في تحقيق صحيفة الوول ستريت جورنال، تذكر أن العديدين من المتظاهرين نفوا ارتباطهم بأي تنظيم فاشي، وأنهم أرادوا الاحتفال بيوم الاستقلال الوطني، وبنفس الوقت لا يمانعون شعارات المنظمين، لأنه “يجب الحذر من المسلمين واليهود”. كما أن بلدية وارسو ادعت أنها لم تستطع رفض منح التصريح للمظاهرة، لأنه مستوف للشروط المطلوبة.

هذه التظاهرة بدأت كعادة سنوية منذ العام 2009، لكن لم يتجاوز عدد المشاركين بها المئات، لكن من ثلاث سنوات بدأ العدد يزداد، ليصل هذه السنة إلى ستين ألفا، وبذلك تكون أكبر تظاهرة وطنية في أوروبا كلها خلال السنين الماضية.

حسب تقرير الصحيفة، فإن أدبيات هذه الحركات تدعي أن هناك مؤامرة ضد بولندا، وأن تدفق اللاجئين السوريين في السنوات الأخيرة، كان نتيجة مؤامرة ممولين يهود، متحالفين مع الشيوعيين في الاتحاد الأوروبي، بهدف جلب المسلمين إلى أوروبا، وجلب “الشريعة” و”المثلية الجنسية” معهم. كما أن هذه الحركات تعتبر أن الاتحاد الأوروبي وروسيا خطران يهددان أوروبا، باختصار هذه الحركات تعيش، مثل الحركات الإسلامية السياسية والقوموية في منطقتنا، في سجن خرافة المؤامرات الكبرى، لكن للأسف فلخرافتها مستمعون “سذجٌ” كثيرون.

Polish nationalists light flares during an independence-day march organized by a nationalist youth league, the National Radical Camp, in Warsaw on Saturday. PHOTO: PIETRUS/EPA-EFE/REX/SHUTTERSTOCK/EPA/SHUTTERSTOCK

منظمو المظاهرة دعوا الأميركي Richard Spencer المعروف بحملاته العنصرية، ودعوته لجعل أميركا الشمالية بيضاء، أي فقط للعرق الأوروبي، والمحظور دخوله إلى 26 دولة أوروبية، وأتى فعلا إلى وارسو، لكن الحكومة البولندية طلبت منه عدم حضور المظاهرة. ومن المهم لفت النظر إلى أن سبنسر هذا يعتبر من أكبر مؤيدي رئيس النظام السوري بشار الأسد.

من ناحية ثانية تبنت المظاهرة مقولة دونالد ترامب كشعار من شعاراتها “نريد الله We want God” قالها في زيارته لبولندا في شهر تموز/يوليو الصيف الماضي. بالإضافة لشعارات تدعو “لهولوكوست ضد المسلمين واليهود” وأخرى تدعو “لأوروبا بيضاء”.

من ناحية ثانية، رصد التحقيق أن العديدين من البولنديين كتبوا على صفحات التواصل الاجتماعي، أنهم سيتجنبون الخروج يوم السبت إلى مركز المدينة، لأنهم لا يريدون رؤية هذه المظاهرة. كما أن بروفسور الاقتصاد السياسي Rafal Pankowski في أحد جامعات وارسو قال ” هذه المظاهرة هي مجرد تعبير عن ظاهرة اجتماعية كبيرة وخطيرة، وهي ازدياد الميول اليمينية المتطرفة بين الشباب، وانتشار مشكلة رهاب الأجانب xenophobia بينهم” وأضاف أن المفاجئ هو ” إن أباء وجدود هؤلاء المتظاهرين أكثر تحررا من أبنائهم“.

التعصب الأعمى هو نتيجة الجهل

كما هو واضح من شعارات المظاهرة، فالمتظاهرون لا يدركون عن ماذا يدافعون، فيجمعون اليهود والمسلمين والشيوعيين في إناء واحد، ويظنون أن الشريعة الإسلامية تشجع المثلية الجنسية، ويظنون أن الاتحاد الأوروبي وروسيا يعملان معا على تقويض بولندا.

كذلك ومن الحقائق المثيرة للسخرية السوداء، هي أن بولندا، مثل هنغاريا وعديد من بلدان أوروبا الشرقية، لا تضم سوى نسبة ضئيلة جدا من المسلمين، أقل من 1% من عدد السكان، ونسبة اليهود أقل بكثير، كما أن هذه الدولة نسبيا لم تستقبل سوى بضعة عشرات من اللاجئين خلال السنين الأخيرة. بينما في ألمانيا التي استقبلت مليون ونصف لاجئ خلال السنوات الماضية، وتضم حوالي 6% مسلمين بين سكانها، لم ولن يخرج بها هذا العدد من المتظاهرين، وبهذه الشعارات العنصرية.

إذا لماذا هذا العداء؟

تحليل أسباب هذه الظاهرة يحتاج لدراسات موسعة، لكن يمكن تلخيص الأسباب فيما يلي:

1-    الفشل الاقتصادي لحكومات أوروبا الشرقية بعد انهيار المعسكر السوفياتي، وسيطرة الفساد والمافيات عليها.

2-    فوضوية الإعلام الذي صاحب عصر ثورة الاتصالات، فامتلأ الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية الرخيصة بالأكاذيب والإشاعات.

3-    صعود الإسلام السياسي في الدول الإسلامية، ومعه حركات الإرهاب الإسلامي، التي ندرك أنها أدوات للصراع السياسي، لكنها موجود وقوية وقائمة، وقد قدمت ما يكفي من مواد تغذي الإسلاموفوبيا، ليس فقط في الغرب، بل أيضا في كل العالم.

4-    تراجع دور النخبة الثقافية الواعية في التأثير على المجتمعات البشرية، لحساب نخبة إعلامية تمثل بغالبيتها طبقة من “الأفكار الحمقاء” القائمة على دين “نظريات المؤامرة“.

5-    فشل النظام العالمي الجديد بعد انهيار السوفييت، والذي أطلقته الحكومات الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، في تحقيق التنمية المطلوبة في بلادهم وبين شعوبهم؛ وكذلك الشكل الجديد للصراع العالمي بين الأقطاب الكبرى: الغرب وروسيا والصين.

      6 – مشكلة البشر عموما هي الذاكرة القصيرة، فالبولنديون هم من أكثر الشعوب الأوروبية التي عانت من تبعات العنصرية العرقية والنازية والفاشية، وخسروا الكثير، واليوم يعود اليمين المتطرف العنصري للانتشار، بعد فقط 60 سنة من الحرب العالمية الثانية.

بالواقع إن وصول شخص عنصري أحمق مثل ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وصعود اليمين الأوروبي المتطرف في أوروبا، ليسوا سوى سلسلة متصلة لظواهر تنذر بما هو أسوء.

كذلك فإن هذا الصعود لما يمكن تسميته “تحكم الحمقى بالشارع” في الغرب، ليس منفصلا، بل متصل بقوة بظهور التعصب الديني والطائفي والقومي في البلاد العربية والإسلامية، والذي يعتمد في جوهره على نظرية مؤامرة اسطورية أخرى، تقول إن “ذلك الغرب (صليبيا أم إمبرياليا) يهدف إلى هدم دول المسلمين أو العرب”، وكل فريق بنظرية مؤامرته يشحذ جمهوره، بسلوك الطرف الآخر، فمثلا سيتناول الإسلامي أو القومي العربي المتعصب هذه المظاهرة كدليل على صحة نظريته، بينما يقوم منظم المظاهرة البولندية هذه باستخدام عمل أحمق آخر لإسلامي متعصب، ويبقى الجميع في دائرة مفرغة من تبادل الجنون.

إننا نعيش في عصر الجنون والحماقة، لكن مجرد إدراك الغالبية من البشر في كل مكان، أن صمتها أمام ضجيج المتطرفين القوميين أو العرقيين أو الدينيين أو الطائفيين، سينعكس وبالا عليها، سيؤدي في لحظة ما إلى إنهاء هذه الظاهرة، ولنتمنى أن تكون هذه اليقظة سريعة وقبل فوات الأوان.

 

فيينا – 12/11/2017

 

للمزيد حول هذا الموضوع يمكن العودة إلى:

1-      مقال صحيفة الوول ستريت جورنال:

2-       المؤامرة مرة أخرى، لكن إسلامية

3-  صعود اليمين المتطرف الغربي

 4- ما بعد الحقيقة عربي قبل أن يكون غربيا

صعود اليمين المتطرف الغربي

ترامب يهدم الفوضى الخلّاقة

أصدقاء بشار الأسد

رابط مختصر

http://wp.me/P2RRDZ-Bn

قد يهمك