30/01/2018
علاء الدين الخطيب
نشر عالم الفيزياء الفلكية كارل ساغان عام 1995 كتابه “العالم المسكون بالشيطان The Demon Haunted World ” والذي يحاول فيه من خلال لغة بسيطة تخاطب عامة الناس الغير متخصصة، أن يشرح ويشجع الناس على تعلم منهجية التفكير النقدي والعلمي، والتمييز ما بين العلم والمنطق وما بين الخداع والأوهام. ضمن سياق الكتاب ذكر ساغان مثالا يوضح فيه بعض أساليب الجدل، وموقف العلم والعقل فيقول فيه:
[“لقد ادعيت أن هناك تنينا في بيتي، ودعوت بعض الأصدقاء ليروا بأنفسهم. قلت لهم أن التنين في الكراج، ذهبنا للكراج وفتحت باب الكراج، لكنهم قالوا لي: “لكننا لا نرى أي تنين هنا”، فقلت لهم “آه، نسيت أن أقول لكم أن هذا التنين غير مرئي”، فقالوا “حسنا، لنفرش بعض الطحين على الأرض، وعندها سنرى آثار أقدام هذا التنين بشكل واضح”، فأجبتهم “بالواقع فاتني أن أذكر أن هذا التنين عائم في الهواء”، فقالوا له “لنحضر كاميرا بالأشعة تحت الحمراء التي سترينا ناره” فقلت لهم “للأسف تنيني يطلق نارا بدون حرارة”، فقالوا “لنحضر دهانا ونرشه ضمن الكراج فنرى التنين”، فقلت لهم “بالواقع التنين ذو بنية شبحية لا يلتصق بها الدهان”، واستمر الجدل بيننا، كلما اقترحوا طريقة لكشف تنيني العزيز، بينت لهم أنها لن تنفع لسبب ما”.
في نهاية القصة يسأل ساغان “ما هو الفرق بين تنين غير م
قد تبدو هذه القصة مبالغة في تصوير أشكال الجدل والنقاش بين البشر، لكن مبالغتها تهدف لتوضيح منهجية في فهم وتحليل ورؤية الواقع من قبل بعض الناس، ودور المنهج العلمي في التمييز بين ما هو “صواب أو حقيقة” وبين ما هو “خطأ أو وهمي”. بالواقع أورد ساغان هذه القصة ضمن سياق نقاشه حول العلم والكون ووجود الخالق، لكن يمكننا أيضا التوسع بالاستدلال إلى أماكن أخرى في منهجيات التفاعل بين البشر.
ينطلق الكثيرون في تبني أراء معينة من منطلقات حسية أو عاطفية أو وراثية في الكثير من الأحيان، ثم عندما يريدون نقاشها مع الآخرين يستدعون كل التبريرات والتوصيفات الممكنة لإثبات آرائهم، ثم يضعون عبء البرهنة على خطأ كلامهم على الآخر، مثل صاحب التنين وصفه بكل ما يمنع قياسه أو الإحساس به، ثم تحدى العالم أن يثبت عدم وجوده.
هذه المنهجية مستخدمة بكثرة في حياتنا اليومية كأفراد وكجماعات بشرية، بقضايا ومشاكل تبدأ من خلاف الزوجين لتصل إلى الحروب بين الشعوب والدول. ولتبسيط الأمر نستعرض هذه الأمثلة التي نعرف ما هو قريب منها، وتسير وفق منهج صاحب التنين.
مثال من الحياة الزوجية:
الزوج: أنت لم تعودي تحبينني كما اعتدت في أول زواجنا.
الزوجة: بل ما زلت أحبك وأكثر من بداية زواجنا، لكنها أعباء الحياة والأولاد. كيف أثبت لك أني أحبك؟
الزوج: أنا متأكد أنك لا تحبيني، أنت يجب ان تثبتي العكس، هذا واجبك.
الزوجة: هل نسيت كيف فاجأتك في عيد زواجنا العاشر منذ شهر؟
الزوج: أنت فعلت ذلك لكي تتفاخري أمام صديقاتك يوم تجلسون وتثرثرون عن حياتكم، أنا أعرف عقل النساء.
الزوجة: هل قصرت معك كزوجة؟ ألا ترى أني مهما كنت مرهقة فإني أضع تعبي خارج غرفة النوم كي تستمتع بمعاشرتي؟
الزوج: أنت تفعلين هذا لأنك تريدين تلبية رغباتك الجنسية وليس رغباتي أنا.
ويستمر الجدل بين الزوجين، فأحدهما يطلب إثبات خطأ موقفه، لكن تنينه لا يقبل أي دليل أو برهان.
مثال من حالنا السورية:
الأول: ما حصل في سورية مؤامرة كونية ضد سورية وقيادتها ورئيسها وحلف الممانعة.
الثاني: ما الذي كان يرعبهم في سورية وحلفائها في 2011 لكي يتكلفوا كل هذه البلايين من الدولارات ضد النظام السوري؟
الأول: طبعا، لو لم يتحرك العملاء داخل سورية والجراثيم من المتخلفين في أصقاع الأرياف السورية، لكن الآن الجيش العربي السوري يقف على حدود طبريا.
الثاني: كيف ذلك؟ قوة الجيوش في هذا العصر تقاس بمدى تقدم وتطور تكنولوجيتها العسكرية وقدرة أسلحتها على التدمير، وفي هذا الفارق شاسع بين إسرائيل وكل جيوش العرب وإيران حتى، هذا بغض النظر عن الدعم الأمريكي اللامحدود.
الأول: لقد كانت استراتيجية تسير ببطء وثقة ضمن حلف الممانعة، وهذا هو سبب هذه المؤامرة الكونية. وانت للآن لا تستطع إثبات عدم وجود مؤامرة كونية، إذا كلامي صحيح!
إن تنين الطرف الأول هو مؤامرة كونية شريرة ضد النظام السوري، ولا يرى نفيا لها سوى دليل على عدم وجودها.
مثال من نقاشنا الديني:
الأول: الشيعة حاقدون على المسلمين السنة وحتى العرب، لأن قاداتهم فرس.
الثاني: لكنهم يشهدون الشهادتين ويؤمنون بالله ورسله وكتبه وكل أركان الإيمان، كيف تحكم على ملايين الناس أنهم ليسوا مسلمين أو حاقدون.
الأول: لأنهم منحرفون عن الدين، ومن البداية كان تأسيسهم مؤامرة يهودية على يد عبد الله بن سبأ.
الثاني: كل ما رويّ عن عبد الله بن سبأ، روايات ضعيفة وغير متواترة، والأهم غير منطقية أن يستطيع شخص واحد فعل كل ذلك.
الأول: ربما تكون الروايات حوله غير متواترة، لكن لا يوجد روايات متواترة تنفي وجوده ومؤامرته، أحضر لي دليلا على أنه لم يكن موجودا ولم يتأمر.
تنين الأول هو مؤامرة يهودية بدأها عبد الله بن سبأ واستمرت، وهو يتمسك بالمرويات حتى لو كانت ضعيفة، ويطلب دليلا على نفي كلامه فقط من حيث إثبات عدم وج
هذا المثال يمكن تقليبه بين مختلف الأديان الطوائف، فيمكن عكس السنة والشيعة هنا، وتبديل ابن سبأ بالحبر الأعظم أيام عمر بن الخطاب؛ وأيضا يمكن وضعه بين مسلم ومسيحي وتبديل الأدوار، وتبديل التنين بين الطرفين.
مثال من طوائفنا
الأول: لو لم يكن هذا النظام علويا، لكانت سورية الآن مثل سويسرا، لكنهم النصيريون الحاقدون على السنة من أيام الحرب الصليبية.
الثاني: كيف تحكم على قلوب ملايين الناس حتى ممن ماتوا منذ ألف سنة؟
الأول: حقدهم لم يتغير، لولا خيانة الشيعة والنصيرية أيام المغول لما اجتاحوا بلادنا، هل يمكنك إثبات العكس؟ طبعا لا، إذا كلامي صحيح. ألم ترى بعد الثورة السورية كيف قتلنا النصيرية؟
الثاني: لكن النظام السوري من 1963 كان ظالما لكل السوريين، و كثيرون من السنة قاتلوا مع النظام وليس فقط من العلويين.
الأول: من قاتل مع النظام من السنة قلة قليلة، ولا يمثلون السنة، أما من النصيرية فهم الغالبية إن لم يكن الجميع. هل تملك إحصائيات تثبت أن غالبية النصيريين لم يقاتلوا مع النظام لأنهم حاقدون علينا؟
تنين الأول هو حكايات تاريخية رواها المنتصرون من حكام وشيوخ السنة طوال 1000 سنة وخبرات شخصية وتفسيرات طائفية سهلة لا تتعب العقل، أتبعها بطلب الدليل المستحيل: إحصائيات.
طبعا يمكن قلب الأدوار هنا أيضا بسهولة بين السني والعلوي، بين العربي والكوردي، بين المسلم والمسيحي، ولون التنين الغير مرئي قابل للتغيير حسب الحاجة.
مثال من الغرب
الأول: المسلمون يشكلون خطرا على الحضارة الإنسانية والعالم الحر، لأنهم يتبعون دينا عنيفا إقصائيا، نصوصه وتاريخه لا تخفي نفسها، إنهم جوهر الإرهاب في عالمنا المعاصر.
الثاني: لكنك تتكلم عن أكثر من مليار ونصف إنسان، كيف يمكنك أن تجزم بهذا الحكم؟ أليست كل الأديان مليئة بنصوص العنف والإقصاء وتاريخ كل الشعوب مليء بالحروب والدماء، بل إن تاريخ ما تسميه العالم الحر هو الأكثر دموية؟
الأول: الإسلام مختلف عن كل الأديان، والمسلمون هم الأكثر تخلفا وتمسكا بدينهم، وهم الأكثر إرهابا للآخرين. أما الحروب فليست إرهابا، حروب الاستعمار الغربي كانت بهدف تحضير الشعوب الأخرى وليست إرهابا، الحرب العالمية الثانية كانت حربا وليست إرهابا، وغزو أميركا للعراق كان منعا لإرهاب صدام حسين، حتى حوادث القتل الجماعي والتفجير في الغرب من قبل غير مسلمين كانت نتيجة أمراض نفسية لأفراد.
الثاني: يبدو أن تعريفك للإرهاب خارج كل منطق وعقل.
الأول: بل أنت من يكره الغرب ومتعصب للمسلمين. الإرهاب واضح، وهو أن تقتل وأنت تصرخ بشعار ديني مثل “الله أكبر”. هل قال الطيارون الذين ألقوا القنابل النووية على اليابان “باسم المسيح”؟ هل قالت مادلين أولبرايت عن موت نصف مليون طفل عراقي بسبب اليورانيوم المنضد “إن ذلك من أجل المسيح”؟ هل صرخ منفذ مذبحة لاس فيجاس الأخيرة “ليتبارك أبانا في السماء”؟
تنين الشخص الأول هو تعريف انتقائي للإرهاب وبواعثه لا يناسب ويصلح سوى للمسلمين، وبالتالي لا يمكنك إثبات أن الإرهاب يأتي سوى من المسلمين.
استخدام منهج التنين في الجدل شائع بين الناس والدول، ويسيطر على كثير من الإعلام والإنتاج الفكري أيضا. هو عند كثيرين من عامة الناس منهج لا إرادي، بمعنى أنهم لا يعون أنهم يمارسون هذه المغالطة العقلية، لكنه وسيلة دفاع نفسية عن أفكار يعتنقونها بدون عميق تفكير أو تحليل. وهذا الأسلوب هو واحد من عدة أساليب تحول النقاش ما بين الأفراد والشعوب إلى عبثيات تؤدي دائما لترسيخ التعصب ولتبرير الحروب والعنف، ولعل ما يحصل في بلادنا من المحيط للخليج بقيادة الإعلام الكبير خير شاهد ودليل، لكنه دليل عقلاني موضوعي منطقي، فكثيرون لا يرونه لأنه ليس تنينا.
30/01/2018
رابط مختصر http://wp.me/P2RRDZ-D6








