المرأة الطرف الأضعف أمام الذكر المهزوم
05/03/2018
علاء الدين الخطيب
فيديو صادم ملأ الانترنت السوري خلال الأسبوع الماضي، وهو فيديو مُسجل عن بث مباشر على الفيسبوك من قبل رجل عرف نفسه باسم أبو مروان، كان يصور نفسه ليقول إنه منذ دقائق فقط قد طعن طليقته بالسكين طعنات قاتلة أدت لموتها. كان يتكلم بنفس متقطع، تقطع الخائف الذي سلّم أن لا مجال للتراجع. أبو مروان لجأ لألمانيا مع عائلته، وكانت الأم تعيش مع ثلاث من أربع أطفال لهما، بنتان وصبي، في مدينة موهلاكر في ألمانيا.
المدعو أبو مروان يصرح بكل هدوء ظاهري وبتصميم واضح أنه طعن زوجته عدة طعنات. ويمضي أبو مروان حوالي 16 دقيقة بكلام مكرر عن مبرراته لجريمته، فيتهمها بالخيانة “المأجورة” قبل وبعد طلاقهما في اليونان منذ أكثر من سنة، فهو كان يعلم حسب ادعائه أنها كانت تبيع جسدها مقابل 10 يورو، ثم يدعي أن السبب المباشر لقتلها هو أنها منعته من أولاده، ويكرر بوضوح أنه غير نادم بل فخور بما فعل، ويطالب بنشر الفيديو بين كل الناس وكأنه قام بعمل بطولي خارق.
الشرطة الألمانية بتقريرها المبدئي قالت إن الضحية تلقت خمس طعنات على العنق، وأن الأطفال شهدوا حادثة القتل أمام عيونهم، وقد تحاملت الأم على نفسها للهرب لكنها تهاوت أمام الباب الخارجي بسبب جراحها. صاحب الشقة والجيران أكدوا أنها كانت إنسانة جيدة وأطفالها مهذبون في جوارهم. ألقت الشرطة القبض على أبي مروان في محطة المدينة، بفريق مكون من ست عناصر أمن، لأن القاتل كان ما زال يمسك بالسكين في يده. تأتي هذه الجريمة بعد 3 أيام فقط من محاولة قتل أخرى في مدينة لاوبهايم بداعي ما يّسمى “جريمة الشرف”، حيث كانت الضحية امرأة ليبية عمرها 17 سنة أرادت الانفصال عن زوجها السوري 34 سنة، فقام الزوج وأخو المرأة بمحاولة قتلها بالسكين، لكنها نجت من الموت، وتم القاء القبض على القاتلين.
الصادم في هذا الفيديو أولا هو القتل بحد ذاته، فالقتل أبشع جريمة يرتكبها الإنسان، خاصة اتجاه إنسان أعزل لم يهاجمه أو يعتدي عليه جسديا، وفي بلد مستقرّ ذي نظام قانوني وقضائي نزيه، فكيف الحال أن يكون المقتول هو الزوجة وأم الأولاد. لكن تبقى جريمة القتل ذو احتمالات قائمة للأسف في المجتمعات البشرية، فالمعدل الوسطي لجرائم القتل المتعمد عالميا كان في العام 2012 حوالي 6.2 جريمة قتل بين كل 100000 نسمة، وفي ألمانيا كانت 0.85 لكل 100000 نسمة.
الأكثر بشاعة في هذه الحادثة هو أن القاتل يقف يصور نفسه بكل هدوء وفخر ويروي ما حصل، مدعيا بطولة كاذبة ورجولة منخورة. لكن الأبشع من ذلك كان أن يستشهد بابنه الذي لا يتجاوز عمره الاثني عشر ربيعا، إن مجرد تعريض طفل لمشاهدة ودعم وتبرير مثل هذه الجريمة هو جريمة لا تغتفر، فكيف الحال مع الابن؟
لكن المخزي والمحبط هو ردود فعل البعض على هذه الجريمة. وفق متابعتي للردود على الانترنت، الغالبية العظمى أدانت بشكل واضح وقاسي جريمة هذا الزوج؛ لكن هناك نسبة ليست قليلة قد تصل إلى 5% أيدته ودافعت عنه، بل وحيّت رجولته المزعومة، وحسب المتوقع فإن من دافع عن القاتل كانوا بمعظمهم من “الذكور” السوريين، ومهيؤون للانقضاض بهجوم لفظي قذر على كل من يعارضهم.
وهناك أيضا نسبة قد تصل للربع ممن رفض الجريمة، لكنه وبعد رفض الجريمة أضاف كلمة “لكن”! وبعد هذه الـ”لكن” أنشأ مرافعة يلوم المرأة، فيرى أن الرجل “تصرف كردة فعل على سلوك زوجته السابقة”، بما معناه إدانة الضحية أيضا، ومنهم من اتخذ من الجريمة قصة مسلية على سياق النكات المنتشرة عن الزوج والزوجة. 
قلائل هم من استهجنوا، أن هذا الشخص قد أشهد ابنه على جريمته بحق أمه، وأنه يستمر في طلب تأييده والتعاطف معه، وقلائل من همهم أن القتل حصل أمام الأطفال الأربعة، ولم يسألوا أنفسهم أي مصير ينتظر طفلا شهد أباه يقتل أمه بالسكين. إشراك الأطفال في السلوكيات العنفية بين الأبوين، سواء لفظية أو جسدية، هو جريمة بحق الطفولة وتدمير لشخصية الطفل، واستهتار بمسؤولية التربية، وهو سبب كاف في المجتمعات المتحضرة لمنع الوالدين أو كلاهما من تربية الطفل إن تجاوز العنف حدا معينا، فكيف الحال مع جريمة بهذا الحجم.
لا يهمني هنا مناقشة بوليسية للجريمة، ولا التحاذق في ادعاء البحث عن أسباب هذه الجريمة، هل هي جريمة ما اصطُلح على تسميته زورا وظلما “جريمة شرف”، أو جريمة غضب ناتج عن خلاف، أو ما هي مبررات القاتل؛ فليست الغاية هنا إنشاء مقال نتسلى به كما نتسلى بقراءة صفحة الجرائم في الجرائد، ثم نطوي الجريدة وننسى القاتل والضحية. ومن ناحية أخرى لكل فعل إنساني طبعا أسبابه، سواء خيرا كان أم شرا، فحتى للشيطان أسبابه في شره، لكن لا يوجد مبرر للشرّ، وهذه الجريمة بكل تفاصيلها شر واضح سواء من حيث فعل القتل، أو التفاخر بالقتل، أو إشهاد الأطفال لهذه الجريمة.
الخلافات العائلية والطلاق هي سنة الحياة الزوجية في كل المجتمعات، وقد يتطور الخلاف الزوجي أحيانا للعنف والضرب، وبأحيان نادرة جدا يصل لدرجة القتل. وهذه مشكلة مقيمة يتابعها المتخصصون النفسيون والاجتماعيون والتربويون والقانونيون والمشرعون، وقد حصلت مثل هذه الجريمة وأبشع منها في سورية وفي كل بلد وعند كل المجتمعات؛ لكن ليس هذا محور حديثنا هنا.
ما يتوجب النظر إليه في هذه الحادثة هو أن القاتل وجد ضمن الموروث من عادات وقيم ما يبرر له القتل، فخاطب المجتمع فخورا بجريمته. وكذلك ردود الفعل المتعاطفة معه أو حتى الباحثة عن مبررات له؛ أو المهتمة بالجريمة فقط من باب الغرابة والنكتة، أو من باب إدانة وتسفيه كامل أو غالبية المجتمع السوري.
إن موروث مجتمعنا السوري والشرق أوسطي من عادات وتقاليد مليء بالغث والسمين، بالقبيح والجميل، فمجتمعاتنا ليست فوق المجتمعات البشرية، وإنكار ظلامية وخطورة بعض عاداتها وحتى قيمها هو نوع من التعصب الأعمى الذي يزيد في حالتنا سوءا. ومن أسوء هذه العادات والقيم ما هو متعلق بالمرآة، حيث تم وضع المرأة في الطبقة الثانية إنسانيا من عدة نواحي، وهذا موضوع واسع، لكن أحد جوانبه هو عادة اجتماعية “وقحة” تعتبر أن من حق الرجل، مهما كان هذا الرجل، استخدام العنف ضد المرأة حتى لو وصل الأمر للقتل، فكان أن ما يسمونها الدولة العصرية، سواء في سورية أو جوارها، أبقت قانونيا عذرا لأن يقتل الرجل زوجته أو أخته او امه لمجرد الاشتباه في ممارستها عمل خارج العادات، ابتداء من الكلام مع رجل غريب وصولا للعلاقة الجنسية؛ لقد سمّاها المشرع القانوني جريمة شرف، وهذه التسمية بحد ذاتها تفتقد للشرف والقيم الإنسانية وحتى القيم الدينية الجوهرية. هذه المفاهيم كانت عامة في كل المجتمعات الإنسانية لقرون طويلة، لكن كثيرا من هذه المجتمعات وجدت الشجاعة الكافية في القرن العشرين لتقف وتقول “هذه المفاهيم هي عادات ظالمة قبيحة يجب إقصاءها”، لقد خرجت تيارات كثيرة في سورية وبلاد الشرق الأوسط خلال القرن الماضي تحاول محاربة هذه العادات، لكن مع انقلابات الوضع الجيوسياسي منذ الثمانينات، تحالفت السلطات السياسية الديكتاتورية مع السلطات الدينية خاصة الإسلامية ومع الإسلامية السياسية لكبح محاولات الارتقاء بالوعي الجماعي الإنساني واستئصال القيم الجاهلية من مجتمعاتنا، وكان للإعلام أسوء الأدوار عموما في عملية توسيع دائرة المقدس الاجتماعي لتشمل كل العادات والتقاليد.
مع لجوء حوالي مليون سوري إلى أوروبا، ظهرت هذه المشكلة المعقدة، الصدام بين عادات وتقاليد مجتمع لم تتح له السلطة السياسية الديكتاتورية ولا السلطة الدينية ولا الإعلامية فرصة النقد الذاتي والتطور العصري، مع مجتمع حداثي حول قيم حقوق الإنسان والحرية إلى دستور وقيم أخلاقية حاكمة. وترافق ذلك أيضا مع صعود صاروخي لليمين المتطرف الغربي المتعصب، وسيطرة إعلامية للتيارات المتعصبة الدينية أو السياسية؛ هذه ال
تعقيدات تركت الناس لوحدهم يراكمون خبراتهم من خلال حركتهم الإنسانية، فالواقع يقول إن الغالبية تائهة في هذا الصدام الثقافي، فسعت الطبيعة الإنسانية لحلول وسط، لكن غير مستدامة تخفف من حدة هذا الصدام؛ لكن هناك أقلية صاخبة متعصبة، بين اللاجئين وبين المجتمعات المضيفة، حولت هذا الصدام الثقافي إلى فوضى وراية حرب. فلا عجب أن نرى ردود الفعل التي تؤيد هذه الجريمة، أو تبررها، ولا عجب أن نرى على الجهة الأخرى من يعمم هذه الجريمة على كل السوريين واللاجئين.
الادعاء أن هذه الجريمة وتبريرها هو حالة سورية أو عربية أو إسلامية عامة، هو جريمة أسوء من هذه الجريمة؛ لكن نكران دور العادات والتقاليد والمفاهيم الظالمة القبيحة بحق المرآة في مجتمعنا هو أيضا جريمة تتستر على المجرمين. كما لا يمكن لأحد الادعاء ان السبب هو فقط هذه العادات والمفاهيم، فحكما هناك أسباب شخصية تتعلق بحياة القاتل والضحية، لكن بالتأكيد أن ردود الفعل المؤيدة والمبررة للجريمة هي نتيجة لعيوب قاتلة في ثقافتنا وعاداتنا.
أصدرت ألمانيا مؤخرا قانونا متخصصا بملاحقة جرائم الشبكة العنكبوتية، أي يلاحق من يستغل الشبكة في الإساءة الواضحة للأخرين من منطلق عنصري أو طائفي، ومن يحرّض على العنف ويبرره. هذا القانون آتى متأخرا لكنه أصبح ضرورة عالمية إنسانيا؛ لذلك على السوريين توخي الحذر في استعراضات “أباضيات باب الحارة” على الانترنت إن كانوا يقيمون في أوروبا، أما خارجها حيث لا قانون يصدهم فهم مصيبة أخرى من مصائب سورية المثقلة دما وهما تحت نيران النظام الأسدي ومليشيات التجارة بالدين والوطن.
جرائم القتل للأسف ظاهرة ملازمة للمجتمع البشري، وكل قوانين الدول تحاول بمستويات مختلفة منعها والوقاية منها. لكن أن يوجد حتى واحد بالمئة من الناس ممن يجرؤون على تبرير القتل لأن الضحية امرأة فهي ظاهرة كارثية على أي مجتمع، وعلى ما يبدو أن مقاييس اللجوء في أوروبا يجب أن تتضمن مقاييس للرجولة المزعومة، فمن كان يرى في مثل هذا التصرف شجاعة ورجولة، أو يلتمس له تبريرا يجب عليه العودة لبلاده كي يمارس شجاعته وعنفوانه المزعوم الكاذب، ولا يعوضنّ هزيمته وانكساره من خلال استغلال جو الحرية في الغرب وفوق وسائل التواصل الاجتماعي، ويستعرض فحولته المطعونة كلما اشتم رائحة المرآة، فأكثر المجتمعات ظلما للمرأة هي أكثر المجتمعات هزيمة أمام حاكمها السياسي السلطوي وحاكمها الكهنوتي الديني.
05/03/2018
بعض ما نقله الإعلام الألماني حول جريمة أبو مروان
· Mühlacker: Syrer tötet seine Frau vor den Augen der Kinder und stellt Video auf Facebook ein
وحول محاولة القتل في لاوبهايم
· 17-Jährige wollte sich offenbar trennen
رابط مختصر للمقال: http://wp.me/P2RRDZ-Dr









