11/04/2017
علاء الدين الخطيب
الإعلام الغربي مستنفر في تغطية المواجهة العسكرية المتوقعة في سوريا، والتصريحات والإشارات من الحكومات الأميركية والفرنسية والبريطانية تدفع بالتوقعات إلى أشدها، والردود الروسية صعدت اللهجة بشكل غير مسبوق ضمن علاقاتها مع الغرب. لكن هل كل هذه الزوبعة الإعلامية والسياسية ستؤدي لمواجهة عسكرية كبيرة مقارنة بما حصل من مواجهات بين روسيا والغرب خلال العشرين سنة الماضية؟ لا يبدو أن ذلك سيحصل رغم كل هذه العواصف، لكن لنرى الوقائع كما هي وليس كما نتمناها أو نخشاها أو يراها يأسنا وإحباطنا. من نافل القول إن القراءة في الإعلام العربي والسوري هي مضيعة للوقت، فهذا الإعلام مضبوط بأجندات سياسية محددة، ومحشو بكمية هائلة من العواطف المتناقضة، ويقوم على بديهيات أساطير نظرية المؤامرة.
مقال النيويورك تايمز “خيارات أمريكا الثلاثة السيئة في سوريا“
نشرت النيويورك تايمز يوم الثلاثاء العاشر من نيسان/إبريل مقالا تحليليا ممتازا لماكس فيشر يتناول به، خيارات أمريكا الثلاثة السيئة في سوريا. وهي باختصار:
· الخيار الأول: توجيه ضربات عقابية جوية عسكرية محدودة إلى مواقع عسكرية تابعة للنظام الأسدي، شبيهة بما فعله ترامب السنة الماضية ضد مطار الشعيرات. ويشرح الكاتب أن هذا الخيار لن يقدم شيئا ذا أهمية في تغيير موازين القوى العسكرية في سوريا، وأن روسيا وإيران سيعوضان نظام بشار بسرعة وكفاءة عن خسارته، ولن تحقق للولايات المتحدة الأميركية نصرا عسكريا مهما. لكن هذه الضربات ستؤدي لمكاسب سياسية لترامب على الصعيد الداخلي الأميركي.
· الخيار الثاني: وهو كان خيار أوباما بعد مجزرة الغوطة الكيماوية التي نفذها النظام الاسدي في 2013، حيث قررت إدارة أوباما رفع مستوى دعم الفصائل المعارضة عسكريا، وأرسلت لهم صواريخ تاو المضادة للدروع بالإضافة لبعض الصواريخ المضادة للطيران، مما أدى لقلب موازين القوى العسكرية على حساب النظام وحليفه النظام الإيراني، والذي أدى بدوره لقرار بوتين بالتدخل العسكري المباشر في 2015. لكن بسبب تعقيد توزع الفصائل العسكرية الآن في سوريا، والمشاكل بين مموليها وداعميها الإقليميين والوجود الروسي الحاسم عسكريا فهذا الخيار غير مطروح حاليا على الأجندة الأميركية، وهو بكل الأحوال خيار بطيء المفاعيل لا تناسب حاجات ترامب السياسية الداخلية.
· الخيار الثالث: غزو عسكري شامل وبقوة كبيرة تشلّ القدرة الروسية على الرد، وهذا الاحتمال حسب المقال سيؤدي لمخاطرتين لا تحتملهما الإدارة الأمريكية حاليا، الأولى انهيار النظام السوري بشكل كامل مما سيزيد من الفوضى والاقتتال الداخلي وبدون وجود عسكري أمريكي مباشر سيشكل ذلك خطرا إقليميا مباشرا لكل دول الإقليم، وسيزيد من عدد الضحايا أيضا. والثانية هي أن ذلك سيؤدي غالبا لمواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، التي لن تنسحب بسهولة، والتي قد تضطر للرد خارج سوريا خاصة في أوروبا الشرقية.
ما أضيفه إلى الخيار الثالث، أن هذا الاجتياح العسكري لا يمكن أن يقلّ عن حجم الاجتياح الأميركي للعراق، والإعداد له سياسيا ولوجيستيا وعسكريا وإعلاميا لا يمكن أن يحصل في غضون أسابيع فقط، وبحاجة لدعم دولي قوي خاصة من قبل حلفاء الولايات المتحدة الأميركية ودول الإقليم. كما أن الموقف التركي موضع شك دائم في أي مواجهة حقيقية مع روسيا، فرغم أن تركيا عضو أساسي في حلف الناتو، إلا أنها وصلت لمرحلة القناعة الكاملة بتحريم الدخول في مواجهة مع روسيا بالاعتماد على الناتو؛ ومن ناحية عسكرية فموافقة ودعم تركيا الكامل مفصل هام في هذا النوع من الحرب الكبيرة.
إذا ما هو المطروح على الطاولة حاليا؟
وفق غالبية التقارير الإعلامية الأمريكية والتصريحات السياسية لإدارة ترامب، فإن الاحتمال الأكبر هو توجيه ضربة صاروخية من البحر المتوسط إلى نقاط عسكرية مدروسة بدقة تتجنب المدنيين وتتجنب الوجود العسكري الروسي، وحتى الوجود الإيراني العسكري الواضح.
حتى إسرائيل رغم دعمها الكلامي للإدارة الأميركية، إلا أنها تشعر أنها خاطرت بتفاهم استراتيجي مهم مع روسيا يوم تسرعت بضرب مطار التيفور، لإن الرد الروسي كان أقوى مما توقعت، ولإن الحلفاء الغربيين ليسوا بموقع الضغط على روسيا حاليا لضمان استمرار التفاهم الروسي الإسرائيلي حول حرية الطيران العسكري الإسرائيلي فوق سوريا. فوفق عدة قراءات إسرائيلية، لا ترى إسرائيل حاليا أن ضربة عسكرية صاروخية محدودة ستعادل خسارتها للتفاهم الذي أبرمته مع روسيا فوق سوريا.
ما هي النتائج المتوقعة؟
لا يمكن لأي كان الجزم بأن ترامب سيوجه الضربة العسكرية، لكن إن فعل فلن تؤدي لقلب موازين القوى العسكرية في سوريا، ولا إلى خسائر حقيقية ترهق روسيا وإيران بحيث لا يستطيعون تعويضها في جبهة النظام العسكرية. لكنها ستؤدي سياسيا إلى رفع مستوى التوتر بين روسيا والغرب، المتصاعد أصلا منذ مقتل الجاسوس الروسي في بريطانيا، والممتد منذ أزمة أوكرانيا قبل عشر سنين. لكن ومن ناحية آخرى ستحقق لترامب وماي رئيسة وزراء بريطانيا وماكرون رئيس فرنسا نصرا سياسيا داخليا من الناحية الشعبية، فثلاثتهم يدركون أن الشارع سيتعاطف مع معاقبة الديكتاتور السوري والقيصر الروسي، لكنهم لن يؤيدوا حربا شاملة غير واضحة، والثلاثة بحاجة لرفع شعبيتهم المتدهورة داخليا.
ما هو الموقف الروسي؟
لا يمكن إهمال العقلية البوتينية في تجييش الشارع الروسي خلفه كقيصر حازم قوي، في ظل التراجعات الاقتصادية المتوالية منذ العام 2015 إلى اليوم، نتيجة الحصار الغربي وانهيار أسعار النفط. لكن من ناحية ثانية يجب ربط اغتيال الجاسوس الروسي في بريطانيا مع مجزرة دوما في سوريا، فكلاهما عملين استفزازيين للسياسة الغربية، وعلى ما يبدو أن بوتين يريد حشر السياسة الغربية في الزاوية للدخول في مفاوضات جدية حول الأزمات العالقة مع روسيا.
فمنذ الاجتياح الروسي لجزيرة القرم والتدخل العسكري في أوكرانيا، ثم التدخل العسكري في سوريا، كان واضحا أن الغرب قرر اتباع سياسة المماطلة واستخدام سلاح الوقت مع روسيا، لدفعها إلى القبول بالشروط الغربية؛ وكما يبدو أن هذا الانتظار كان مؤلما للاقتصاد الروسي وحتى للأمن الروسي، فلا يمكننا استبعاد احتمال أن روسيا، من خلال وضع القادة الغربيين ضمن خيارات محدودة مصحوبة بحزم روسي واضح على الرد القوي خارج هذه الخيارات، تريد فتح طاولة المفاوضات الجدية مع الغرب للوصول لتسويات تناسبها في أوروبا الشرقية وسوريا وإيران؛ خاصة بعد نجاح الصين في نزع فتيل أزمة كوريا الشمالية.
ماذا تبقى لنا نحن السوريون؟
للأسف وكما هي العادة منذ ست سنين على الأقل، فالسوريون مشتتون ما بين قرارات الحكومات المتدخلة في سورية، وما بين هوس النظام الأسدي بالسلطة والدم، وما بين إعلام سوري وعربي لا يقدم سوى الضلال والتشتيت والتجييش القومي والطائفي والسياسي؛ وفي غياب النخب السياسية والفكرية السورية، واحتلال المنصات الإعلامية من قبل أجندات سياسية وإسلامية وقومية، لا تعرف سوى الصراخ أو البكاء، وغالبا لم تغادر طروحاتها وديان حروب صفين والقادسية، ولا زالت أسيرة خيالات نظرية المؤامرة الكونية، فلا أمل سوى الانتظار والمشاهدة والبكاء بصمت.
خاتمة
لا يمكن لأي تحليل سياسي أن يغادر ساحة العواطف تماما، لكني حاولت قدر الإمكان تقديم صورة مختصرة عن واقع الصراع الدولي، وموازين القوى على الأرض، للمساعدة في رؤية الصورة الشاملة بعيدا عن المزاودات وحلقات تنفيس الغضب العمياء التي لم ولن تؤدي سوى لزيادة المأساة. طبعا هذه الرؤية ستنهار بسهولة أمام المؤمنين بنظرية المؤامرة الكونية الكبرى، وأساطير أن أمريكا تضغط الزر هنا، فينهار بوتين، وتضغطه هناك فتنتهي الأزمة في أي بلد؛ أمام هذا الإيمان الميتافيزيقي لا داعي للنقاش ولا للجدل.
إن مصير سوريا لا يمكن أن يرتهن على أسئلة من قبيل: “ماذا لو كان ترامب فعلا سيضرب النظام؟” “ماذا لو كان بوتين فعلا سيشعل حربا مع أمريكا كرمى لبشار؟” ” ما العيب أن نشمت بقاتل السوريين إذا جرحه الأميركيون ولو قليلا؟”. هذه الأسئلة الأقرب للسذاجة، ووفق 8 سنين من المعاناة أصبحت سلاح تدمير إضافي في سوريا وليست مجرد مساحات “لفش الخلق”. بدون وعي سوري شعبي لا يوجد أمل قريب بتحسن أوضاع سوريا.
11/04/2017
رابط مختصر: http://wp.me/P2RRDZ-DY









