الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

الظاهرة الترامبية والردة الأصولية العالمية

18/04/2017

علاء الدين الخطيب

مقدمة

عرف التاريخ الأمريكي رؤوساء وإدارات حاكمة أثرت في بنية النظام الأمريكي ومؤسساته واستراتيجياته بشكل كبير، لكن دائما بناء على توجهات كامنة في النظام الأمريكي، ووفق معيار المصالح الأمريكية، التي تمثلها بالواقع الفعلي مصالح الشركات الأمريكية بمختلف أنواعها. فمثلا رونالد ريغان، مع مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا، اللذان يعدان من أكثر الزعماء المؤثرين في السياسة الأمريكية والبريطانية وبالتالي العالمية خلال العقود الخمسة الماضية، التقطا محفزات التغيير الكامنة ضمن المنظومة الغربية الرأسمالية، أو بعبارة أصح جسدا رغبة هذا النظام بالتغيير، فسارا باستراتيجية الانتقال من النظام الرأسمالي الليبرالي الاجتماعي إلى النظام النيوليبرالي Neoliberalism[1] الذي غير وجه العالم منذ التسعينات[2].

فما هو الجديد مع ترامب إذا؟ سنحاول في هذه الورقة تحليل ما طرأ من جديد مع دخول دونالد ترامب للمكتب البيضاوي في البيت الأبيض، سواء من حيث تماسك المؤسسة والنظام الأمريكي المفترض، أو من حيث كون هذا الرئيس الإشكالي تعبيرا عن ظاهرة غير مسبوقة في بلده وفي العالم. أهمية التحليل تأتي من ضخامة تأثير الولايات المتحدة الأميركية في العالم، فنحن نعيش في عالم إن أصيبت به الولايات المتحدة بالزكام، فإن هذا العالم سيعاني من الأنفلونزا.

إن ترامب بحكم ما يملكه في دولته كرئيس من قوة ونفوذ، زاد من خطورة الردة الأصولية في العالم؛ فالموضوع ليس الشخص، وليس مجرد رئيس أتى وسيذهب مثل غيره، إنما هو ظاهرة جديدة تقرع أجراس الإنذار حول تغييرات خطيرة تتهدد العالم، بدأت قبل ترامب، لكنها اكتسبت معه قوة مخيفة بدأت بقلب العالم رأسا على عقب.

الردة الأصولية العالمية:

للأصولية Fundamentalism تعريفات عديدة، لكننا سنستخدم هنا التعريف العام وهو: الأصولية هي منهج فكري يقدم توصيفا شاملا للحياة والمجتمع وأحيانا الدولة، ويرتكز على التسليم بمجموعة أفكار أساسية، تكون غالبا دينية أو أيدلوجية أو قومية، وهي أفكار تعود للماضي القريب أو البعيد؛ لا يقبل المنهج الأصولي التنويع أو الاختلاف بل ينطلق من أحكام مطلقة، تستند إما إلى تفسير أصولي للدين أو الأيدلوجيا، أو إلى قراءة أحادية تقديسية للتاريخ. أما الردة، فهي التراجع إلى الوراء فكريا وزمنيا وسلوكيا.

على ذلك فالردة الأصولية العالمية هي ارتداد جماعات بشرية ذات وزن بمجتمعاتها إلى منهجيات وأفكار ومقدسات الماضي، كل حسب بلدها.

يوجد في العصر الحالي عدة تيارات تجسد هذه الردة الأصولية، لعل أهمها هي: الظاهرة الترامبية كما سنرى، هي ارتداد أمريكي إلى عدة منهجيات وسياسات قديمة، ففيها ارتداد إلى لفترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وسياسة الانعزالية American Isolationism؛ كذلك فيها ارتداد إلى أساليب الحرب الباردة، من مضاربات اقتصادية وسياسات إعلامية تحريضية حول أعداء خارجيين وداخليين؛ كذلك إلى منهجية التعصب القومي وترسيخ شعارات حول “أمريكا العظيمة مرة ثانية”. كذلك ارتداد اليمين الأوروبي المتشدد والمتطرف إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى والدعوات القومية المتعصبة. أخيرا ارتداد جماعات الإسلامية السياسية إلى فترات الخلافة الإسلامية أو إلى تعليمات وشرائع الشيوخ والأئمة والفقهاء السابقين.

هذه الظاهرة بدأت في كل مجتمع في مراحل مختلفة ولأسباب حسب الحالة الخاصة لكل بلد ومجتمع، لكنها تتشابه في أنها رد غير متوقع على تحول العالم الكبير إلى قرية صغيرة كونية، يُفترض بها التقريب بين البشر وليس زيادة مشاكل التمايز بين البشر حسب العرق والدين والطائفة والأيدلوجيا والثقافة والمستوى المادي. وكل ظاهرة منهم تستحق دراسات منفصلة، لكن هذه الدراسة الموجزة تريد تتبع أقوى هذه الحركات “الظاهرة الترامبية” باعتبار أن قائدها هو رئيس أقوى وأغنى دول التاريخ البشري.

الظاهرة الترامبية Trumpism phenomenon

أظهر قدوم دونالد ترامب إلى البيت الأبيض الضعف الذي كان مختبئا في النظام الأمريكي، وهدم الفكرة القائلة: إن الرئيس الأمريكي تختاره كبرى اللوبيات والشركات الاقتصادية والإعلام الكبير؛ فترامب لم يمثل مصالح الشركات الأمريكية الكبرى بتوجهاته الاقتصادية، وقد وقف في وجهه غالبية الإعلام الأمريكي الكبير. بنفس الوقت لا هو ولا معاونيه يشكلون مجموعة عباقرة أو أشخاص استثنائيون ممن يمكن أن يغيروا وجه التاريخ، فهم لم يظهروا يوما رؤية استراتيجية متميزة أمريكيا، ولا قراءة عميقة للعلاقات والصراع الدولي وبنية النظام العالمي الجديد، الذي بذلت لتأسيسه الولايات المتحدة الكثير منذ تسعينات القرن الماضي بعد سقوط السوفييت؛ وأيضا سياسيا لم يكن ترامب رجل صداقات سياسية يستقطب دعم السياسيين. وأضيف، كي يرتاح القارئ المسكون “بنظرية حكم اليهود للعالم”، أن ترامب لم يكن مرشح اليهود أو الصهيونية المفضل، فمن انتخب ترامب من اليهود كان فقط 23 بالمئة من اليهود الأمريكيين، مقابل 71 بالمئة منهم انتخبوا هيلاري كلينتون.

أدى جلوس ترامب لأقل من سنتين على عرش البيت الأبيض لإنتاج مصطلحات إضافية في اللغة الإنجليزية أشهرها Trumpism أي الترامبية نسبة إلى ترامب، والتي غلب على تعريفها المنحى السلبي أو الساخر، فقد عرفها المحلل الأمريكي الجمهوري رون كريستي، الذي عمل في البيت الأبيض مع جورج بوش الابن، بأنها ” ما يقتنع به الرئيس في أي لحظة، في أي يوم، حول أي موضوع” بمعنى أن مواقف ترامب قابلة للتغيير في أي وقت يشاء ودون مقدمات[3]. وذكر تقرير لصحيفة الغارديان أن قاموس إكسفورد يدرس إدراج عدد من المصطلحات التي تم اشتقاقها من اسم ترامب، مثل Trumponomics بمعنى سياسة ترامب الاقتصادية، و trumpertantrum بمعنى “الاستيقاظ صباحا غاضبا وكتابة تغريدة خاطئة”، و Trumpflation بمعنى “تضخم ترامب”، وغير ذلك من كلمات جديدة[4].

إذا الظاهرة الترامبية هي توسع وازدياد قوة تيار الردة الأصولية في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، أي الارتداد أمريكيا إلى منهجيات التشدد أو التعصب القومي والعرقي والديني وحتى المادي، بمعنى الغنى والفقر، التي يفترض أن الزمان قد طوى صفحتها. فهي ظاهرة تتشابه في المنهجية مع تيار اليمين المتطرف الغربي في أوروبا، وتيارات القومية المتشددة في روسيا وتركيا وإيران، وتيارات الإسلامية الأصولية والسلفية والجهادية سواء سنية أو شيعية. خلال سير هذا التحليل سيتضح معنى الظاهرة الترامبية أكثر.

 

ماذا فعل ترامب ليصبح أوضح تعبير عن ظاهرة الردة الأصولية العالمية؟

يفعل العديد من الأشخاص ويقولون كل يوم ما فعله وقاله ترامب، فهو كشخص أو حتى كملياردير يوجد منه العديدون حاضرا وماضيا؛ لكن كرئيس لأقوى وأغنى دولة عرفها التاريخ البشري، تملك ما يكفي لتدمير العالم كله عدة مرات، وتتحكم بأكبر حصة من الاقتصاد العالمي، هو يستحق القراءة المتأنية الموضوعية. لذلك من المهم تحليل بعض مناحي شخصيته كرئيس وكإنسان، بما يفيد في فهم الظاهرة الترامبية، محط هذا البحث.

قد يجادل البعض، باستخدام حجة ترامب نفسها، بأنه ضحية مؤامرة من الإعلام المغرض؛ لكن ما نُقل عن ترامب بغالبيته هو تسجيلات مرئية ومسموعة له وليست قيلا عن قال، وقرارات وأفعال هو مصدرها وليست ادعاءً ضده. سأورد هنا بعضا مما فعله أو قاله ترامب متبوعا بالدليل:

أولا، مواقفه العنصرية والتمييزية ضد البشر:  

حول المسلمين:

بتاريخ 15 آب\أغسطس 2016 أثناء حملته الانتخابية، هاجم ترامب باراك أوباما والديمقراطيين لأن أوباما، في خطابه في القاهرة 2009 والموجه للعالم الإسلامي، لم يستخدم تعبير “الإرهاب المسلم الأصولي radical Islamic terrorism” واتهم أوباما أنه كان يفتقر “للشجاعة الأخلاقية” وأضاف: “من لا يستطيع تسمية عدونا لا يستحق أن يقود هذا البلد، أي شخص لا يستطيع إدانة الكراهية والظلم والعنف في الإسلام الأصولي يفتقر للشفافية الأخلاقية كي يصبح رئيسنا”[5]. قبل ذلك في 9 آذار\مارس 2016 قال ترامب ” أعتقد أن الإسلام يكرهنا… لا يمكننا أن نسمح لناس يحملون هذه الكراهية للولايات المتحدة الأميركية وللناس غير المسلمين بدخول هذا البلد “[6].

حول المكسيك:

بتاريخ حزيران 2015، عندما أعلن ترشحه للرئاسة قال عن المكسيكيين ” إنهم يجلبون المخدرات، إنهم يجلبون الجريمة، إنهم مغتصبون. وأفترض أن بعضهم أناس جيدون”[7]. أما قصة حائط المكسيك فهي معروفة للجميع وللآن ما زال مشروع بناء الحائط على الحدود المكسيكية الأمريكية قائما في أجندة ترامب.

 

حول المرآة:

كثيرة هي أقوال ترامب المهينة للمرآة، والتي لا يمكن قبولها من إنسان عادي، فكيف من شخصية عامة تحولت لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية؛ لا يمكنني إيرادها هنا لكنها موجودة وموثوقة بالتسجيلات على الإنترنت.

حول الأمريكيين الأفارقة:

نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن المدير التنفيذي لأحد فنادق ترامب، أنه تذمر من كون المحاسب أسود حيث قال: “رجل أسود يحسب أموالي! أكره ذلك. … أعتقد أنه كسول. لكن ربما لا يكون ذلك خطأه، فالكسل من طبيعة السود”[8]؛ كما أن الشركات العقارية لعائلة ترامب، حين كان ترامب يديرها في عام 1973، تمت محاكمتها من قبل الحكومة الأمريكية بتهمة تَقَصُد استبعاد السود من عقود الإيجار في الشقق المملوكة من قبل الشركات[9].

حول اليهود والعداء للسامية:

قد يظن الكثيرون من العرب أن ترامب مناصر أو على الأقل محايد نظريا من اليهود، بسبب قراراته الجائرة الأخيرة حول القدس، لكن تاريخ الرجل يقول عكس ذلك. فقد ذكرت النيويورك تايمز أن ترامب شارك على التويتر رسوم كاريكاتير تضمن رسما لنجمة داوود السداسية وعلى جانبها رزمة من المال، كما أنه رفض هجوم وإدانة صحفيين لبعض مؤيديه من معادي السامية[10]. كما أن الصحفي الأمريكي اليهودي جونا شيب كتب في مجلة نيويورك مقالا مطولا يحلل فيه زيارة ترامب إلى بولندا التي يحكمها حزب معروف بميوله المعادية للسامية، ويربط ذلك بمقولات ترامب نفسه ومساهمة ذلك في نظرية المؤامرة التقليدية التي كانت منتشرة أوروبيا حول مؤامرة اليهود على الأوروبيين والمسيحيين[11].

ثانيا، من هم رجال ترامب في الإدارة الأمريكية ومؤيدوه؟

نورد هنا بعض النماذج التي لا يمكن لأي رئيس أمريكي تقبل التعامل معها علنا، فكيف بتأييدها.

أ‌-       الرئيس السابق لجماعة Ku Klux Klan الأمريكية المعروفة بعنصريتها الشديدة ضد غير العرق الأبيض الأوروبي، دافيد دوك[12] أعلن دعمه القوي لترامب، وقد رفض ترامب، في مقابلة تلفزيونية على السي إن إن في شباط\فبراير 2016، التنصل أو التحفظ على دعم دوك له، بعد أن تم سؤاله بشكل مباشر عن موقفه من دعم هذه الجماعة له[13].

ب‌-  ستيف بانون، الذي كان رئيس حملة ترامب الانتخابية، ثم كبير الاستراتيجيين في البيت الأبيض مع ترامب[14]، أسس موقع Breitbart الذي ينشر أفكار “التعصب الوطني الأبيض white nationalism[15]“.        

ت‌-  في نهاية العام 2017، وخلال الانتخابات الخاصة لملء مقعد ولاية ألباما في الكونغرس الأمريكي، أعلن ترامب ومن ورائه الحزب الجمهوري دعمه الكامل للمرشح الجمهوري روي مور. وروي مور هو سياسي ومحامي من ألباما، يؤيد العودة إلى قوانين العبودية، ويطالب بمنع المرأة من الترشح والانتخاب! فهو نموذج لا يمكن تخيل وجوده حاليا في العالم، لكن ترامب رأى أن هذا السياسي العنصري، بكل معنى الكلمة، يستحق أن يتم تأييده في الانتخابات الخاصة[16].

بالإضافة لهؤلاء، فكثيرون من طاقم إدارة ترامب هم ممن يسمونهم بكلمة مهذبة “صقور”، والتي لا تعبر عن مواقفهم، فهم بالواقع، وعلى رأسهم جون بولتون، مجموعة من سياسيين أمريكيين متعصبون يحتقرون كل ما هو غير أمريكي، ويرون أن العالم يجب أن يتبع السياسة الأمريكية ممتنا شاكرا. ولعل ما قالته سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة نيكي هيلي في الاجتماع السنوي لمنظمة أيباك (لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية) السنة الماضية يعبر عن منهج كامل الطاقم الترامبي، فقد قالت “يوجد ضابط أمن جديد في العالم الآن” وأضافت مشيرة لمن يعارض الولايات المتحدة في الأمم المتحدة “أنا لا أرتدي حذاء بكعب عالٍ فقط كنوع من الموضة، بل لكي نضربهم به كل مرة أرى بها شيئا خاطئا”[17]، وقد ضربت هيلي فعلا بحذائها الكثير من الدول داخل الأمم المتحدة، بمن فيهم حلفاء قديمون لبلادها.

 

لعل الخلاصة حول شخصية ترامب، تأتي ضمن الدراسة المطولة التي أصدرها معهد الشؤون الخارجية الملكي في بريطانيا شاذام هاوس في بداية العام 2017، ويحاول من خلالها عدد من باحثي المعهد توقع ما سيحصل من تغييرات مع ترامب، فمن ضمن البحث كان توصيفا مقتضبا لشخصية ترامب، حيث وصفوه من الناحية الشخصية بأنه “متهور، غير قابل للتنبؤ، متناقض، ولا يتقبل النقد أو التجريح[18].

 

ثالثا، نقض الاستراتيجيات الأمريكية الاقتصادية وتقلبات مواقفه السياسية

ظهرت أقوى تجليات النظام العالمي الجديد من خلال طرح عدة اتفاقيات دولية حول التجارة والاستثمارات، أكبرها كانت اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية العابرة للأطلسي Transatlantic Trade and Investment Partnership (TTIP) بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وهي تُعد أكبر اتفاقية اقتصادية عرفها التاريخ، وقد بدأ العمل عليها كفكرة منذ التسعينات، لكنها أخذت شكلا أكثر تنظيما في 2007، وفي 2011 أعلن الطرفان إطلاق المفاوضات حول هذه الاتفاقية، والتي يتوقع أن تنتهي مفاوضاتها فيما بين العامين 2019 و2020. لكن بعد انتخابات 2016 الرئاسية، أعلن ترامب وقف المفاوضات في هذه الاتفاقية “لأنه لا يحبها”؛ لكن الإدارة الأمريكية عادت وأعلنت في منتصف 2017 العودة للمفاوضات.

تكررت نفس السياسة الترامبية مع اتفاقية الشراكة العابرة للمحيط الهادئ Trans-Pacific Partnership (TPP) التي تضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وتشيلي والبيرو وأستراليا ونيوزيلاندا وفيتنام وسنغافورة واليابان وماليزيا، فهذه الاتفاقية أطلقتها الإدارة الأمريكية في العام 2015 لاختراق السيطرة الصينية على ساحة دول المحيط الهادي، لكن ترامب أعلن انسحابه منها في 23 كانون ثاني\يناير 2017، ليعود ويعلن استعداده للعودة في 13 نيسان\ابريل 2017. تكررت نفس التقلقلات في سياسة ترامب الاقتصادية الدولية مع اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية North American Free Trade Agreement (NAFTA)[19].

ومؤخرا فجر ترامب مفاجأة أكبر من كل ما سبقها، فهو يحضر للانسحاب من منظمة التجارة الدولية World Trade Organisation (WTO)، وهي المنظمة التي جاهدت الولايات المتحدة الأمريكية لتأسيسها وإجبارها على دول العالم منذ تسعينات القرن الماضي، كي تكون أداة تحكمها الأساسية في السوق العالمي[20].

لم تكتفِ إدارة ترامب بالتلاعب بالاتفاقيات الدولية التجارية والاستثمارية، بل إن ترامب قد أعلن، من طرف واحد، زيادة على التعريفات الجمركية للمستوردات الأمريكية من الخارج، والتي تزيد احتمالات دخول العالم في حرب تجارية خطيرة جدا، قد تؤدي لكوارث اقتصادية، ستعاني منها الولايات المتحدة أكثر من غيرها، لأنها تملك الحصة الأكبر من التجارة الدولية والاستثمارات الأجنبية في دول العالم.

لم يتغير موقف ترامب حول سياسات حماية البيئة ومواجهة مخاطر الاحتباس الحراري، فالرجل بقي معاديا لهذه الاتفاقيات منذ بدء حملته الانتخابية الرئاسية، فكان قرار انسحابه من اتفاقية باريس المناخية في منتصف العام 2017، وهي الاتفاقية الأهم في التاريخ الحديث لمواجهة التغيير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية الضارة بالبيئة. كما أن إدارة ترامب عززت هذه السياسة من خلال إلغاء عدد من القوانين الأمريكية التي تضع شروطا ورقابة، لحماية البيئة الطبيعية داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

من ناحية ثانية فإن تقلبات مواقف ترامب السياسية تهدد بفوضى في العلاقات السياسية، بسبب حجم الولايات المتحدة الهائل، فمثلا لم يهتم ترامب بحساسية وأولية اتقان اللعب مع الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فكانت مواقفه متقلبة وتتناقض بين يوم ويوم؛ ففي 11 كانون أول\ديسمبر 2016، أعلن أن بلاده قد تعيد النظر في سياسة “صين واحدة”[21]، لكن بعد شهرين، كان ترامب يتحدث مع الرئيس الصيني تلفونيا ويعلن أنه متمسك بمبدأ “صين واحدة”. وفي 8-9 تشرين ثاني\نوفمبر 2017، يقول ترامب في بكين إنه لا يلوم الصين على ارتفاع معدلات تجارتها، لكنه في اليوم التالي تماما، يلوم الصين بسبب ارتفاع معدلات تجارتها في مؤتمر قمة APEC (التعاون الاقتصادي الآسيوي الباسيفكي). لكن تقلباته الأشد درامية هي مع كوريا الشمالية، فقد أطلق ترامب تهديدا شديد اللهجة في 8 آب\أغسطس 2017 حذر فيه كوريا الشمالية من “النار والغضب”. لكن فجأة يجري الإعلان عن قمة تاريخية بين ترامب وبين كيم جونغ آن في سنغافورة في شهر حزيران\يونيو. في 24 ايار\مايو يعلن ترامب إلغاء القمة المرتقبة، لكنه يعود بعد أيام ليؤكد أن القمة ستعقد في حسبما هو مخطط، وفعلا يجتمع مع كيم جونغ آن ليعلن اتفاقا هلاميا، لم تنقض عليه أسابيع وإذ كوريا الشمالية تبدأ في تجديد منشآتها النووية[22]؛ ببساطة لأنه حتى كيم يعلم أن ترامب لا يمكن الثقة به.

إذا إن سياسة ترامب تضرب الاستراتيجيات الأمريكية الكبرى التي تم اعتمادها منذ بداية التسعينات في القرن الماضي، والتي تسعى لضمان بقاء الولايات المتحدة الأمريكية هي الأقوى والأكثر تحكما في العالم خلال القرن الواحد والعشرين، وبنفس الوقت تهدم المصداقية الأمريكية دوليا.

رابعا السياسة الداخلية

بعد وصول ترامب للبيت الأبيض نقض كل وعوده للفقراء الأمريكيين، وعاد لسياسة الحزب الجمهوري التاريخية التي تهتم بتحسين ظروف الطبقات الغنية في المجتمع. فأهم قراراته الداخلية كان السياسة الضريبية الجديدة، والتي تُعد أكبر تغيير حصل في سياسة الضرائب الأمريكية. هذا التغيير خدم الطبقات الأكثر غنى في الولايات المتحدة الأمريكية على حساب الطبقات الفقيرة والمتوسطة؛ مما حدا بالأمم المتحدة أن تطلق تحذيرا قويا في نهاية العام 2017، على لسان فيليب ألستون الذي قال أنه يوجد واحد من كل ثمانية أمريكيين يعيش في حالة فقر، وحذر أن الأمم المتحدة تتوقع زيادة هذه النسبة مع السياسة الجديدة للجمهوريين[23].

السياسة الضريبية الجديدة بالتوازي مع هجوم إدارة ترامب على نظام الضمان الاجتماعي والصحي، يعتبران تغييرا جذريا في بنية النظام الأمريكي الداخلي، مما سيكون له تداعيات خطيرة في المستقبل إن استمر بهذه الوتيرة.

من المهم الإشارة إلى أن تسارع معدل انتشار الجريمة وجرائم القتل قد تراجع نسبيا خلال فترة حكم ترامب، وهي مؤشرات يستخدمها ترامب ومؤيدوه بفخر، لكن بالمقارنة مع معدلات الجريمة في ألمانيا أو السويد أو النرويج أو اليابان وهي كلها أقل بكثير من أمريكا[24]، يتضح أن السبب في انخفاض هذه المعدلات أمريكيا يعود إلى تغليب منهج اليد الحديدية العمياء للقانون والأمن، ولعل هذا يتضح أكثر ما يتضح في إشكالية قانون حمل السلاح في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي لم يستطع ملايين المتظاهرين إقناع ترامب بإجراء أي تغيير طفيف فيه.

 

يعبر مقال ماشا غيسين في نيويورك تايمز في 25 أيار\مايو بعنوانه عن الحالة مع ترامب “في عهد ترامب، نحن نفقد القدرة على تمييز الواقع من الخواء”. فالسؤال إذا مع كل ما رأيناه، كيف أمكن له الوصول للرئاسة؟ ومن يصدقه ويدعمه جماهيريا؟

من يوالي ترامب؟

وفق معهد غالوب[25] فإن شعبية ترامب حافظت على مستوى يتغير حول قيمة 40 بالمئة منذ الشهر السابع السنة الماضية 2017، بل وصل عدة مرات إلى مستوى 35 بالمئة[26] .

 

يتميز أتباع هذا الرئيس الأمريكي غير العادي بالإخلاص الشديد، ويتبنون كل ما يقول ويفعل، حتى عندما يناقض نفسه بنفسه. فهناك الكثيرون داخل وخارج الولايات المتحدة، من يرون في الرجل نوعا من الكاوبوي المنتظر، الذي سيعيد سطوة أمريكا التي أهدرها، حسب رأيهم، باراك أوباما؛ فهم يسمّون وقاحته السياسية صدقا، وشعاراته العنصرية اعتزازا وطنيا، وتراجعاته عن وعوده براغماتية ومرونة، وحركاته المبتذلة في إحصاء ملايين الدولارات، التي يوهم الأمريكيين أنها صارت في جيوبهم بعد سحبها من جيوب أغنياء الخليج العربي، شطارة ومهارة.

لتوصيف الفئة الأمريكية الناخبة والداعمة لترامب يمكن الرجوع لاستطلاع الرأي الذي قامت به CNN مع ناخبين بعد الإدلاء بأصواتهم، وعلى عينة مؤلفة من 24558 ناخب أمريكي[27]. ومن دراسة قام بها عدد من الباحثين في الواشنطن بوست في نهاية العام 2017 بين ناخبي ترامب بالتركيز على شريحة جيل الألفية [28]من البيض، الذين صوت 41 بالمئة منهم لترامب[29]. من المفاجئ لكثيرين أن نسبة الناخبين ما بين ترامب وكلينتون لم تظهر فروقا ضخمة حسب المستوى الدراسي أو المادي، بمعدل عشر نقاط فقط. الفروق الكبيرة تظهر في أن 83 بالمئة من المحافظين صوتوا لترامب مقابل فقط 16 بالمئة لكلينتون، وأن حوالي 56 بالمئة من البروتستانت، 50 بالمئة من الكاثوليك، و23 بالمئة من اليهود، و29 بالمئة من غير أديان صوتوا لترامب، مقابل 39، 46، 71، 62 بالمئة، بنفس الترتيب، صوتوا لكلينتون.

ما أظهره استطلاع CNN هو أن ناخبي ترامب بالواقع لا يكترثون كثيرا حول خبراته إن كانت مناسبة للمنصب، أو حول مؤهلاته في اتخاذ القرار والحكم الصحيح كرئيس، بقدر أهمية أن يحدث تغييرا. هذا التغيير وفق هذه الفئة، هو التصدي لمشكلة الإرهاب والمهاجرين الغير شرعيين، ولا يهم غالبية هذه الفئة التحدي الاقتصادي أو المناخي أو السياسي الدولي.

يصل باحثو الواشنطن بوست إلى نتيجة مقاربة لنتائج الاستطلاع، فغالبية ناخبي ترامب من البيض يؤيدونه بسبب توجهاته التمييزية تجاه غير البيض وغير المسيحيين، وقد لخصتها الدراسة بأن هذه الشريحة من البيض تشعر بضعف الأبيض واستياء عرقي ناتج عن قلق حول فقدان الهوية او الميزة الثقافية. لا بد من التوضيح هنا أن هذا لا يعني أن ناخبي ترامب أشخاص عنصريون بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن يتملكهم قلق مما يحدث حولهم، حسبما أظهره لهم الإعلام الكبير والصغير والإعلام البديل، وهم عموما لا يمتلكون منهجيات التحليل والبحث الكافية للتحقق مما يسمعون أو يشاهدون، بل يلجؤون إلى التنميط السلبي السهل Prototyping.

 

أسباب صعود  الظاهرة الترامبية والردة الأصولية عموما

لم يهبط ترامب أو ظاهرة ترامب فجأة على الأرض الأمريكية، فهذه الظاهرة هي جزء من حركة تغيَّر تجتاح العالم، بدأت ببطء منذ تسعينات القرن الماضي، لكنها تسارعت مع مرور السنين، وليزداد تسارعها بعد الأزمة المالية العالمية 2008-2009، وصولا إلى السنين الأخيرة.

بعد سقوط السوفييت ومنذ تسعينات القرن الماضي، حملت الولايات المتحدة استراتيجية واضحة لملء الفراغ من خلال الاقتصاد والسوق؛ فانطلقت مشاريع وطروحات النظام العالمي الجديد تحت مسميات تحرير التجارة الدولية، التي تعني فتح الحدود أمام حركة الأموال والاستثمارات، وتقليص الحمايات الجمركية على المنتجات الوطنية، ومنح حماية دولية للشركات العابرة للقارات تتجاوز في كثير من الأحيان القوانين السيادية للدول؛ فهذه الاتفاقيات التجارية كانت بالواقع توسيع لنظام النيوليبرالية الاقتصادية إلى مستوى عالمي. فانطلق الصراع منذ التسعينات يتصاعد ما بين الاستراتيجية الأمريكية الغربية، وما بين الاقتصاديات الصاعدة بقيادة الصين، وبعد دخول الألفية الثالثة انضمت لهم روسيا وتوسعت آفاق هذا الصراع أكثر.

لقد ساهم هذا التغيير الكبير في المنظومة الدولية في تعزيز نوع من الفوضى بدأت تسود العالم مع بداية الألفية الثالثة، فوضى في الرؤية والتفاعل والصراع الدولي والشعبي؛ هذه الفوضى استشعرتها المجسات الأمريكية مع حرب العراق في العام 2003، لكنها افترضت أنها محدودة في الشرق الأوسط ووسط آسيا، فأطلقت كوندليزا رايس مصطلح “الفوضى الخلاقة”، مشيرة به إلى الشرق الأوسط بشكل أساسي، والذي أصبح عنوانا لكل مروجي نظرية المؤامرة الكبرى في العالم العربي والإسلامي. لكن ما أثبتته الأزمة المالية العالمية وصعود اليمين المتطرف الغربي للسلطة، ووصول ترامب للبيت الأبيض، وصعود الإسلامية السياسية والإسلامية المتطرفة فيما بين المحيط الأطلسي ووسط آسيا، وصعود زعماء قوميين متشددين في روسيا وتركيا وإيران، أن الفوضى بالواقع تعم العالم كله تقريبا.

هذه الفوضى كما هو واضح حتى الآن ليست خلاقة بأي معنى[30]، فحتى عندما انطلقت مسيرة ثورات العالم العربي ضد حكامها الطغاة الفاسدين والدمويين، لم تستطع هذه الثورات النجاة من هذه الفوضى العارمة عالميا، فقفزت على هذه الثورات تيارات الإسلام المتعصب السني والشيعي، وتحت عناوين مختلفة، ما بين انتهازية سياسية مثلما فعل الإخوان المسلمون وحزب التحرير الإسلامي، وما بين سلفية جهادية أو شيعية خمينية.

إذا إن صعود ترامب وتأسيس الظاهرة الترامبية كأقوى تعبير عن صعود اليمين الغربي المتطرف[31]، وإلى حد ما صعود الإسلامية السياسية المتشددة أو الجهادية، يعود أساسا للفوضى الهدامة التي نتجت عن الفراغ الحاصل مع سقوط المعسكر السوفييتي، وعن التسرع الغربي في تأسيس ما يسمى النظام العالمي الجديد منذ نهاية التسعينات، هذه الفوضى لها أسباب ومحركات يمكن تلخيصها بعدة حوادث وتغيرات عالمية، وهي عوامل ناتجة عن بعضها الآخر وليست مستقلة بحد ذاتها:

1-    اتفاقيات تحرير التجارة والاستثمارات ومنح الشركات العابرة للقارات ميزات وحمايات تتجاوز سيادة الدول.

2-    انتقال الصراع من نمط الحروب المباشرة، ومن نمط صراع الحرب الباردة، إلى صراع من نوع جديد بين أقطاب السوق العالمي. صراع يقوم على أساس الحدود المفتوحة أمام المال والاستثمار، أي ضمن سوق عالمي شبه مفتوح؛ ويعتمد على الحروب المتحكم بها عن بعد Proxy wars، فقد كان من المفترض أن حرب العراق 2003 هي آخر الحروب التي ستخوضها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر. فلا مجال لتبادل حتى التهديدات العسكرية بين الدول الكبرى والتلويح بالردع النووي مثلما كان حال الحرب الباردة، وخرجت فكرة المضاربات التجارية وحروب التعريفات الجمركية من السوق.

3-    خيبة الأمل ضمن الشارع الغربي نتيجة عدم تحقق ما كان متوقعا كنتيجة لسقوط السوفييت وتفرد الغرب بحكم العالم، والتطور العلمي والتقني الهائل والانتعاش الاقتصادي الكبير نتيجة توسع سيطرة الغرب على السوق العالمي، رغم وجود الصين. فبدلا من أن تتراجع ساعات العمل ويرتفع الدخل الفردي، بوتيرة متسارعة توازي تسارع صعود الشركات العابرة للقارات وتسارع التطور التقني، حصل العكس تماما. لقد تابع الدخل الفردي نموه العادي تاريخيا، ولم تتناقص ساعات العمل؛ بل فرض العصر عادات استهلاكية جديدة مما زاد من تكاليف الحياة، فتراجعت المدخرات الفردية، ولم تتراجع نسبة العاطلين عن العمل بل هي مرشحة للزيادة نتيجة الأتمتة المتوسعة بسرعة كبيرة.

يمكن مقارنة هذه المحركات الاقتصادية من خلال عدة مؤشرات، أورد هنا بعضا منها: انخفضت نسبة التوفير المنزلي Household savings في الولايات المتحدة الأميركية من 10 بالمئة من الدخل المنزلي المتاح household disposable income في العام 1980 إلى 5 بالمئة في العام [32]2016. ارتفع الدخل المنزلي السنوي المضبوط، من 9926 دولار لكل نسمة في العام 1980 إلى 47842 دولار لكل نسمة في العام 2016 أي أنه تضاعف حوالي خمس مرات خلال 36 سنة[33]؛ بينما خلال نفس الفترة نمت القيمة الرأسمالية للشركات الأمريكية من 1.36 تريليون دولار في العام 1980 إلى 27352 تريليون دولار في العام 2016 أي أنها تضاعفت عشرين مرة[34]؛ ولعل هذا يشير أيضا توسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وانحسار حجم الطبقة المتوسطة في الولايات المتحدة الأمريكية.

4-    رغم أن الولايات المتحدة معروفة بأنها أقدم الديمقراطيات في العالم، إلا أنها ومع العديد من الديمقراطيات الغربية، لم تستطع مغادرة أنماط الحرب الباردة في السياسة، وربما لم ترد ذلك؛ فانطلقت منذ التسعينات حملات دعائية، ونخبوية أحيانا، لخلق عدو بديل عن السوفييت، فكان “التنين الصين” رقم واحد كخطر اقتصادي هائل، والإسلام عموما كخطر محتمل حسبما قال صامويل هنتنجتون في كتابه “صدام الحضارات”.

الحاجة إلى عدو خارجي يتم تحويله إلى “غول مخيف” هو حاجة أساسية تاريخيا لكل النظم الديكتاتورية الشمولية، ولكن الديمقراطية الغربية وخاصة الأمريكية لم تحاول تجاوز هذه الحاجة بل وظفتها ضمن الصراع السياسي الداخلي، وربما يعود ذلك إلى أن نمطية الصراع مع السوفييت والتخويف من الوحش الشيوعي لم تنهار كنمطية حكم مع انهيار السوفييت. فمنذ جريمة تفجير الأبراج في نيويورك 2001، تحول هاجس التخويف من “غول مخيف” اسمه الإسلام أو الإسلامية إلى مادة دسمة للإعلام خاصة الإعلام البديل عبر الانترنت، وأيضا على يد كثير من السياسيين الأمريكيين. كذلك وبالتوازي مع التخويف من الإسلام زادت حملات التخويف من المهاجرين الغير شرعيين في الولايات المتحدة والغرب عموما ( انظر: خامسا السياسة الداخلية).

5-    ثورة الاتصالات والمعلومات التي بدأت ببطء منذ التسعينات مع انتشار الإنترنت، فمن بضعة ملايين مستخدم في بداية التسعينات إلى ما يقارب 4 مليارات مستخدم في العام 2018. هذه الثورة ذات الجوانب الإيجابية الكثيرة جدا، التي لا يمكن سوى الامتنان لها إنسانيا؛ لكن لا بد من الإقرار بأن لها آثار سلبية أيضا، منها فوضى الإعلام والمعلومات كما سنرى بالنقاط اللاحقة.

6-    الإعلام البديل، أي إعلام شبكة الانترنت الذي لا يحتاج لتمويلات ضخمة، عبر منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار الفوضوية. فمع ظهور الإنترنت وسهولة بث الأخبار والمعلومات في قوالب من الإثارة والتسطيح، أصبح من المستحيل ملاحقة مصادر الخبر أو المعلومة.

مثلا رغم أن التويتر كان له فضل كبير في نقل أحداث أول ثورة شعبية في الشرق الأوسط، ثورة الشباب الإيراني في 2009، ورغم أن الفيسبوك كان له لاحقا فضل كبير في إطلاق حركة الشباب في البلاد العربية للثورة ضد حكامهم، إلا أن نفس الوسيلتين خدمتا أيضا النظم الحاكمة، وحركات الإسلامية السلفية الجهادية مثل القاعدة؛ وكذلك تيارات اليمين الغربي المتطرف.

7-    فوضى المعلومات الناتجة عن سيادة الإعلام البديل وتعميم الانترنت بدون وجود آليات مراقبة وتحكم فعالة، تستطيع خلق توازن ما بين ملاحقة المعلومات المضللة، وما بين ضمان حرية التعبير والتفكير. فالناس عموما تحولت بسرعة في منهجية البحث عن المعلومات من مصادر موثوقة، إلى شبكة الإنترنت دون قدرة على التحقق من مصداقية المعلومات، فأصبحنا نسمع كثيرا أن مصدر خبر أو فكرة عند شخص ما هو فيلم قصير شاهده على الانترنت، ومن الصعب بهذه الحالة إقناعه بالعكس دون فيلم آخر يحوي نفس الإثارة والجاذبية؛ إنه ما يمكن تسميته عصر ثقافة اليوتيوب.

العوامل المذكورة سابقا هي أسباب عامة لظهور المنهج التعصبي عموما في غالبية بلاد العالم، التعصب للقومية، للعرق، للدين، للطائفة على عكس ما كان متوقعا أن يحدثه التغيير الأكبر في تاريخ الإنسانية، وهو تحول العالم بكل ضخامته وتنوعه إلى قرية صغيرة بفضل وسائل الاتصال والتواصل والتكنولوجيا الحديثة. فهذه العوامل تنطبق على الحالة الأمريكية لكنها تفسر حالة أوروبا الغربية مع اليمين المتطرف، وحالة التشدد القومي في روسيا وتركيا وإيران، وحالات التطرف الديني والطائفي في الدول الإسلامية. مع التأكيد أن هذا لا يلغي بأن لكل حالة منها أسبابها الخاصة التي تستحق دراسات موسعة مستقلة.

إن مجتمعات القرن الواحد والعشرين لم تتمكن من مواكبة التغيرات السريعة والمتسارعة في التقنيات وشبكات المعلومات ولا في بنية الأسواق العالمية الجديدة، فتسلحت أجزاء منها بوسائل الدفاع الأولية النفسية defense mechanism.

جزء من المجتمعات أصابه ما يسميه علماء النفس النكوص Regression أي الارتداد إلى الماضي؛ مثلا مع الظاهرة الترامبية واليمين الأوروبي المتطرف هناك نكوص إلى مرحلة ما بين الحربين العالميتين في القرن الماضي، حين ازدهرت النزعات القومية المتعصبة في الغرب عموما، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تعيش ضمن سياسة العزلة الاقتصادية عن العالم، التي يريد ترامب استعادتها جزئيا وليس كليا، كما أن الحالة الأمريكية تتميز بارتداد أيضا إلى مناخات الحرب الباردة أيضا بشكل جزئي. أما في البلاد الإسلامية والعربية فقد كان النكوص ذا قفزة زمنية أوسع إذ ارتد 1400 سنة للوراء نحو الفتنة الكبرى.  

جزء آخر من المجتمعات وهو الجزء الأوسع اختار سلوك القبول Acceptance أي قبول ما هو قائم دون محاولة مقاومته أو فهمه أو تصحيحه أو اتخاذ أي موقف منه، وهذا الجزء من المجتمع رغم سلبيته إلا أنه يمثل أهم أسباب المشكلة، فالمستفيد من سلبية هذا الجزء هو أصحاب تيار الردة الأصولية الذين بدؤوا يحققون انتصاراتهم في الغرب وفي البلاد العربية والإسلامية.

الجزء الثالث، هو المجموعات المتفاعلة إيجابيا مع التطورات الحاصلة في العالم من باب الاستيعاب والفهم والنقاش، ومواجهة التيار الأصولي المتعصب. لكن هذه المجموعات ابتعدت عن الجزئين السابقين أو تم إبعادها بحيث أصبحت جسور التواصل بين هذه الشرائح في كل المجتمعات البشرية حاليا ضعيفة وشبه مهجورة، مما فاقم الأزمة. لا بد من الإشارة إلى أن جزء من أسباب فشل هذه الشريحة، هو أنها أيضا لم تتفاعل كفاية لإنتاج وسائل تواصل جديدة مع الغالبية الصامتة ومع الشريحة المتبعة للتيار الأصولي، وهي شريحة ما يسمى عادة “النخب والمثقفين”؛ وقد رأينا ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، فرغم أن غالبية الإعلام الكبير الذي تسيطر عليه النخب والمثقفين، وقف بوجه ترامب، إلا أن الزعيم البرتقالي انتصر في معركة الرئاسة وبدأ يقلب المركب الأمريكي.

الظاهرة الترامبية والشرق الأوسط

نقاش تأثير وتأثر الظاهرة الترامبية بالشرق الأوسط والمنطقة العربية والإسلامية بحاجة لبحث مستقل، لكن باختصار يمكن القول إن ترامب تفاعل مع هذه المنطقة وفق منهجيين: الأول هو الاستثمار في الزعامات القائمة لدول المنطقة وإدارة خلافاتها عن بعد، كما هي حال خلافات معسكر السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر مع معسكر تركيا وقطر، أو كصدام معسكر الخليج العربي مع إيران. المنهج الثاني، هو زيادة قوة التيار الإسلامي المتعصب سنيا أو شيعيا، من خلال زيادة حدة اللهجة العدائية ضد الإسلام والمسلمين من قبل إدارة ترامب، فمن المعلوم أن ردة الفعل الشعبية على السياسات الأمريكية تميل دائما لدعم من تكرهه وتعاديه أمريكا وإسرائيل، باعتبارهما مصدر “الشر” المتآمر على هذه المنطقة منذ قرون. رأينا مثلا كيف ألهب ترامب المنطقة بتصريحاته النارية، بعد أن ضرب النظام الأسدي دوما بالسلاح الكيماوي؛ وكيف جعل العالم يقف على رجل واحدة وهو يرعد ويهدد إيران بما بدا أنه مقدمة لحرب كبرى[35]؛ لكنه في الحالين عاد إلى لعب الغولف في ناديه الخاص.

لعل سورية بمأساتها المستمرة منذ 8 سنين تمثل صورة مكثفة للفوضى الهدامة التي تعمّ العالم، وليس كما يشيع أتباع نظرية المؤامرة الكبرى أنها فوضى خلاقة مرسومة أمريكيا أو صهيونيا أو ماسونيا. لقد أثبتت 8 سنين في سورية إلى أي مستو من الفوضى تتخبط به سياسات الدول الكبرى والدول الإقليمية، وكلها وجدت نفسها في خضم نزاع لا تستطيع الانسحاب منه مهزومة، ولا تعرف كيف تنتصر به. ولعل أقل هذه الأطراف حيرة حول الفوضى الهدامة في سورية هي الولايات المتحدة الأمريكية، فترحيل بوادر الفوضى خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية هو سلوك متوقع وحتمي، وإن كان غير مستدام.

خاتمة

الظاهرة الترامبية إذا هي نتيجة لما سبقها من دوافع وحركة تاريخية فوضوية تفاقمت بعد سقوط السوفييت، وبسبب تهافت النظم الغربية على اقتسام تركة السوفييت بتسارع غير محسوب النتائج؛ لكنها بسبب حجم القوة والمال والإعلام الواقع تحت يد ترامب وطائفته فإن هذه الظاهرة شكلت دفعا خطيرا جدا لكل حركات الردة الأصولية حول العالم، سواء تعاطف معها ودعمها ترامب، مثل اليمين الأوروبي المتطرف والنظام الروسي بقيادة بوتين؛ أو سواء عاداها فزاد من أسباب قوتها مثل حركات الإسلام السياسي بكل أشكالها وطوائفها ومذاهبها.

الظاهرة الترامبية هي التعبير الأقوى عن حركة ردة أصولية متطرفة تجتاح العالم الغربي والعالمين العربي والإسلامي، وهي حركة تاريخية قد تؤدي لنتائج أخطر من المتوقع. ولن يستطيع السياسيون والإعلام والنخب التقليدية مواجهتها دون التحرر من منهجيات العمل المستمرة منذ القرن الماضي.

 

18/04/2017

مواضيع ذات صلة 

صعود اليمين المتطرف الغربي

الجهل أساس التعصب العرقي والديني، 60000 متظاهر في بولندا ضد المسلمين واليهود

المؤامرة مرة أخرى، لكن إسلامية

ترامب يهدم الفوضى الخلّاقة

أصدقاء بشار الأسد


[1]  النيوليبرالية Neoliberalism هي حسب الموسوعة البريطانية باختصار: نموذج أيدلوجي وسياسي يركز على قيمة التنافس في السوق الحرة. فهي عموما تتوافق مع المبدأ الاقتصادي “دعه يعمل، دعه يمر”. وتعتمد على تقليص تأثير الحكومة على المناحي الاقتصادية والاجتماعية، وتلتزم بحرية التجارة ورأس المال.

[2]  Campbell Jones, Martin Parker, Rene Ten Bos (2005). For Business Ethics. Routledge. ISBN 0415311357

[3]  مقال في البي بي سي البريطانية بعنوان “ما هي الترامبيةWhat is Trumpism – 20/01/2018

[4]  مقال في الغارديان البريطانية بعنوان “قاموس إكسفورد يدرس إضافة موجة المصطلحات الترامبية” – Oxford dictionary considers including wave of Trumpian neologisms

[9]  مقال في النيويورك تايمز 23/07/2016 “هل دونالد ترامب عنصري؟

[10] المرجع السابق

[12]  كذلك فان دافيد دوك زار النظام السوري في 2005 وأعرب عن دعمه القوي لبشار الأسد. راجع مقال للكاتب

[14]  أقاله ترامب لاحقا من مسؤولياته السياسية لكن ليس لخلاف أخلاقي أو مبدئي.

[15]  في اللغة الإنجليزية يعتبر تعبير Nationalism ذا محمول سلبي بمعنى التعصب للأمة، بينما كلمة وطنية تعني Patriotism لذلك اخترت ترجمتها بمعنى “الوطنية المتعصبة”

[21]  صين واحدة هو تعبير سياسي سعت الصين لفرضه دوليا، كي تمنع الاعتراف بتايوان كدولة مستقلة عن الصين، لكن المفهوم متغير حسب الطرف الثالث، مع الولايات المتحدة هذا التعبير أسس كاتفاق سياسي بين البلدين في 1972، وتقلب تفسيره خلال الزمن، لكنه عموما يقول أن الولايات المتحدة الامريكية لا تعترف باستقلال تايوان كدولة مستقلة، كذلك لا تعترف بحق الصين في تايوان.

[25]  معهد جالوب الأمريكي، تأييد عمل ترامب (أسبوعيا) Trump Job Approval (Weekly) – حتى 27/05/2018

[26]  أعطت نتائج استطلاعات رأي آخرى معدلا أعلى بقليل من معدلات معهد غالوب، مثل استطلاع السي إن إن في شهر آذار\مارس الذي أظهر تأييدا لترامب بنسبة 42 بالمئة مقابل 40 بالمئة وفق غالوب.

[28] جيل الألفية Millennials  تشمل المولودين ما بين 1980 والعام 2000، أي ضمن سياق الدراسة المذكورة الشريحة من ذوي الأعمار ما بين 18 و36 سنة.

[30]  مقال للكاتب بعنوان “ ترامب يهدم الفوضى الخلّاقة

[31]  للمزيد حول أسباب صعود اليمين الغربي المتطرف، مقال للكاتب بعنوان “ صعود اليمين المتطرف الغربي

قد يهمك