الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

هل يمكن للعلوم الطبية أن تتحكم بالإيمان والإلحاد؟

بحوث علمية تربط بين ضرر دماغي قد يسبب التشدد الديني

 18/04/2019

علاء الدين الخطيب

جرت كثير من البحوث العلمية حول الدماغ البشري، ووجد عديد منها أن هناك علاقة بين التدين وبين بعض المناطق في الدماغ البشري، لكن هذه الأبحاث ما زالت بحاجة للكثير من العمل والمثابرة لوصول لفهم أعمق لهذه العلاقة. ضمن هذه الجهود البحثية نشرت مجلة نيوسيكولوجيا Neuropsychologia دراسة تقول إنها رصدت علاقة بين إصابة مناطق معينة من الدماغ البشري وبين التشدد الأصولي الديني.

يقول البروفسور جوردان غرافمان من جامعة نورث ويسترن الأمريكية، وقائد الفريق البحثي المعني، في مقابلة مع موقع psypost المتخصص في أبحاث علم النفس: “عقائد البشر، وبهذه الحالة العقائد الدينية، هي واحدة من مركبات المعرفة الإدراكية والاجتماعية التي تميزنا عن بقية الأنواع، وهي مؤشر على كيفية أثر التطور والعمليات الإدراكية-الاجتماعية على تطور الدماغ البشري“.

فحص غرافمان مع فريقه مجموعة محاربين سابقين في فيتنام ممن تعرضوا لإصابات في القشرة الأمامية الجبهية البطنية الإنسية ventromedial prefrontal cortex، يوضح الشكل المرفق مكانها باللون الأحمر؛ وقد وجد الفريق أنهم أكثر أصولية دينية مقارنة بمن لم يُصاب في هذه المنطقة من الدماغ.

تشير هذه النتائج كما شرحها غرافمان إلى أن “تغير طبيعة الإيمانيات الدينية لدى البشر محكومة من قبل مناطق محددة في القسم الأمامي من الدماغ، وهذه المناطق هي من أحدث مناطق الدماغ تطورا”.

في الواقع إن العلاقة بين الإيمان الديني وبين القشرة الدماغية الأمامية الجبهية لدى الإنسان معروفة منذ بعض الوقت، فالعديدون توقعوا أن توجد علاقة بين قشرة الدماغ الجبهية الأمامية وبين الأصولية الدينية، لأن هذه المنطقة مسؤولة عما يسمى “المرونة الإدراكية cognitive flexibility“. والتي تعني قدرة الدماغ على الانتقال بالتفكير من موضوع لآخر، والقدرة على التفكير بعدة مواضيع معا. فالمرونة الإدراكية تساعد الكائن على تحديث عقائده، أي الأفكار الثابتة لديه، مع تغير البيئة والأحداث؛ هذه القدرة هي التي تمكن الكائن عند الانتقال من بيئة إلى بيئة مختلفة أن يغير عقائده بما يناسب البيئة الجديدة.

لكن هذا البحث يضيف أن تضرر منطقة معينة منها قد يؤدي إلى سلوك التشدد الأصولي الديني، وذلك بسبب تراجع المرونة الإدراكية للشخص -أي تراجع قدرتنا على تطوير عقائدنا وفق التطور الزمني- ويتصاحب هذا السلوك عادة مع قدرة أقل على الانفتاح العقلي.

أجرى الفريق بحثه على 119 حالة لجنود أمريكيين تعرضوا لإصابة دماغية، و30 جنديا لم يتعرضوا لأي إصابة دماغية سابقا.

يحذر غرافمان من التسرع في التعميم فيقول “لقد قمنا بإجراء هذا البحث على محاربين سابقين أمريكيين ذكور، وبالتالي فهذا يحد من إمكانية التعميم على مجموعات أخرى مثل الإناث، أو متبعي ديانات أو من دول أو من ثقافات أخرى“.

ويتابع غرافمان: “يجب أن نعي جيدا كيف نميّز العقائد الدينية عن العقائد الأخلاقية، التشريعية، السياسية، والاقتصادية في عملية تعريف الدماغ لهم، وكذلك يجب فهم طبيعة التحول من منظومة عقائدية إلى منظومة عقائدية أخرى، والفرق بين العقيدة وبين الاستقلالية الفكرية، وطبيعة عمق المعرفة التي يستخدمها الأفراد للولوج إليها وتعبيرهم عنها“.

يشرح غرافمان النتائج قائلا، “العقائد صقلت سلوكنا خلال آلاف السنين، وساعدت على تشكيل وتقدم الدماغ البشري وإبداعه. المنظومات العقائدية تعتمد على عوامل كثيرة متصلة بالعمليات الإدراكية والاجتماعية، والتفاعل فيما بينها يشكل أساس فهمنا للعلاقة بين الدماغ والعقائد. مثلا كيف يمكن أن يؤثر انفتاح شخصيتك على ما يمكن أن تولده العقائد من أفعال ومظاهر؟ وهل تؤثر التغيرات الجينية على المنظومة العقائدية؟

يضيف غرافمان مشددا على أن العلماء ما زالوا في بداية الطريق “بينما يمكن دراسة العقائد الدينية وغيرها بشكل انتقائي ومستقل عن العمليات الإدراكية والاجتماعية الأخرى، لكن اعتمادهم على بعض والتفاعل فيما بينهم ما زال بحاجة لدراسات معمقة خلال العقود القادمة. فكما يقولون الشيطان يسكن في التفاصيل“.

يساهم هذا البحث في زيادة فهمنا للعلاقة بين عمل الدماغ والعقائد الدينية. لكن يجب معرفة أن هناك عوامل أخرى كثيرة متداخلة ما زال علماء الفيزيولوجية وعلم النفس يدرسونها. كما يجب التنبه إلى أن البحث لا يقول إن كل تشدد أصولي ديني سببه إصابة دماغية، بل يقول إن هناك علاقة بين تضرر منطقة معينة من قشرة الدماغ في الفص الجبهي الأمامي وبين التشدد الأصولي الديني. كما أن البحث وكما وضح غرافمان ليس جاهزا للتعميم، لكنه يتفق مع ما توصل إليه العلم الحديث من فهم لطبيعة العقل والمشاعر البشرية وبين الدماغ.

ما يثير في هذا الموضوع أيضا، أن احتمالات وجود جينات محددة ذات علاقة بتكوين العقائد الدينية ليس قليلة، خاصة وأن العلماء وجدوا كثيرا مما يربط بين الدماغ البشري كبنية فيزيولوجية وما بين معدلات الذكاء والإدراك والإبداع ومشاعر التعاطف والسلوك الاجتماعي.

والسؤال المثير، والذي قد يكون خياليا، هل سيستطيع العلم تطوير أدوية أو معالجات طبية معينة تحول الإنسان إلى متدين أصولي متشدد؟ أو تحوله إلى ملحد؟

 

 18/04/2019

رابط مختصر http://wp.me/P2RRDZ-L9

 

قد يهمك