19/09/2018
علاء الدين الخطيب
1 مقدمة
أثار فكرة كتابة هذه الدراسة الجدل الذي ثار مؤخرا حول إشكالية تعديل قوانين الميراث في تونس، لمنح المرأة حقا مساويا للرجل في الميراث. وقد وجدت أن تناول الموضوع يعني حكما الدخول في نقاش فقهي إسلامي، ونقاش حقوقي إنساني وفق مفاهيم عصرنا، وأن هذا الجدل هو مجرد جزء صغير ضمن نقاش أكبر وأضخم تواجهه مجتمعاتنا وبلادنا العربية والإسلامية، إنه نقاش حول مصدر التشريع والنظام القانوني في الدولة، لذلك قررت التوسع في الموضوع لتناول الأحكام الفقهية الإسلامية المتعلقة بالمعاملات بين الأفراد، وبين الأفراد والدولة، وببنية الدولة التشريعية والقضائية؛ وهذا النقاش يستلزم نظرة موسعة إلى أحكام الفقه الإسلامي المتعلقة بالمعاملات ومدى موائمتها لعصرنا الحالي.
يتناول البحث أولا التعريفات الأساسية: الفقه في العلوم الإسلامية، شرعة حقوق الإنسان الدولية؛ يعرض المحور الثاني لأسباب التناقض ما بين بعض أحكام الفقه الإسلامي المتعلقة بالمعاملات وبين المنهج العقلاني وشرعة حقوق الإنسان وأسس الدولة الحديثة؛ ثم يعرض لأمثلة عن هذا التناقض تدور أساسا حول الموقف من حرية التفكير والاعتقاد، ومن مبدأ المواطنة، ومن المرأة. يصل البحث في نهايته إلى نقاش إمكانية بقاء هذه الأحكام الفقهية كما هي مصدرا ملزما للتشريع القانوني، والتفريق بين الفقه كمنتج لمشايخ وفقهاء الإسلام وبين الإسلام كدين وعقيدة.
تعتمد منهجية هذا البحث على نقاش الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات، من خلال الاعتماد على حقائق منطقية وعقلية، وأيضا ثوابت إسلامية يتفق عليها غالبية المسلمين ويوافقها العقل؛ فلا تدعي الدراسة أنها تقدم بحثا فقهيا إسلاميا وفق هذا العلم وأصوله وفروعه، بل تقدم قراءة مقارنة لهذه الأحكام مع شرعة حقوق الإنسان وأسس الدولة الحديثة.
2 الأحكام الفقهية الإسلامية
تعريف الفقه اصطلاحا “إن الفقه في اصطلاح الفقهاء هو: مجموع الأحكام والمسائل التي نزل بها الوحي، والتي استنبطها المجتهدون، أو أفتى بها أهل الفتوى، أو توصل إليها أهل التخريج، وبعض ما يحتاج إليه من مسائل الحساب التي ألحقت بالوصايا والمواريث. فاسم الفقيه عند الفقهاء لا يختص بالمجتهد – كما هو عند الأصوليين – بل يشمله ويشمل غيره من المشتغلين في هذه المسائل. أما الفقه في اصطلاح الأصوليين فهو: ” العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية[1]“.
موضوع هذه الدراسة هو حول الأحكام الفقهية العملية المتعلقة بالمعاملات، و
من المعروف أن الأحكام الفقهية، التي وضعها الشيوخ عبر قرون طويلة، تختلف ما بين المذاهب والفرق. بعض هذه الخلافات أفادت في تيسير الأحكام أحيانا وإغنائها؛ لكنها أيضا كانت في أحيان أخرى أداة في الصراعات السياسية التي طغت على التاريخ الإسلامي.
أما حجة الإجماع فهي أقرب للوهم منها للحقيقة[3]، فلم يجمع شيوخ المسلمين سوى على لفظ الشهادتين، والصلوات الخمس والصيام والزكاة من حيث العموم، وبعض أركان الإيمان من حيث الشكل؛ ما عدا ذلك لا إجماع لديهم على أي حكم[4].
من المهم الإشارة هنا أن أول تقنين للشريعة، بمعنى وضع قانون موحد ومواد قانونية وفق الفقه الإسلامي، حصل في القرن الثالث عشر هجري، عندما أصدر السلطان العثماني عام 1293 ه “مجلة الأحكام العدلية وقانون العائلات”، والتي أمر بوجوب العمل بها في السلطنة العثمانية، والتي ساد غالبها أحكام المذهب الحنفي، وقد شملت تلك المجلة 1851 مادة[5].
3 مبادئ حقوق الإنسان حسب الاتفاقيات الدولية:
من الثابت أن من صاغ مبادئ حقوق الإنسان، وأطلق المصطلح ليصبح من أهم منجزات البشرية في عصرنا، هم النخب والمجتمعات الغربية؛ لكن هذا لا يعني أن الغرب هو من أتى بهذه المبادئ من ذاته أو ثقافته فقط، فالحضارة الغربية وحسب دورة التاريخ هُيِّئ لها أن تتلقى كل ما أنتجته الحضارات الإنسانية السابقة، بما فيها الإسلامية، لتبني عليها صعودها المستمر للآن؛ تماما مثلما بنت الحضارة الإسلامية على ما سبقها، وكذا الرومانية والإغريقية والصينية. فمبادئ حقوق الإنسان هي منتج بشري للبشرية كلها، صاغته الحضارة الغربية وكان لها شرف أن تكون أول من وضعته في شكل قيَميٍّ قانوني؛ فلا بد لنا في هذه القراءة أن نتحاشى سذاجة الانفعال الرافض لكل شيء يوسم انه “غربي”[6].
منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948، تم توقيع عدة اتفاقيات دولية وإنشاء عدة منظمات دولية تعنى بترسيخ مبادئ حقوق الإنسان وتقنينها وضمان تنفيذها في كل الدول[7]. يتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 30 مادة تؤسس لحقوق الإنسان الأساسية، ومنها: حق الحياة، والحرية، والمساواة الكاملة، والكرامة الإنسانية، والعمل، والتعلم، والحقوق القانونية أمام الدولة والقضاء، والحقوق السياسية في انتخاب السلطات، وحق الحماية من الظلم والتعذيب والمعاملة المتعسفة، ومساواة حقوق المرأة والرجل، وحق التفكير والاعتقاد واختيار وتغيير الدين والتعبير[8].
4 هل تصلح الأحكام الفقهية الإسلامية المتعلقة بالمعاملات لكل زمان ومكان؟
السؤال ليس حول هل يصلح الإسلام، بل حول ما استنبطه الشيوخ من أحكام فقهية متعلقة بالمعاملات. يمكن الإجابة على هذا السؤال من خلال تفكيكه إلى أسئلة أوضح، تقود أجوبتها للجواب على السؤال الأساسي:
1- هل الاعتقاد والإيمان بأساسيات الدين، مثل أركان الإيمان في الإسلام المعروفة، تخضع للزمن والمكان؟
الجواب الواضح لا. الإيمان بالله ووحدانيته ورسول الإسلام والقرآن الكريم، وأي إيمان ديني لا يتغير جوهره بالضرورة مع الزمن والمكان؛ ما يمكن أن يتغير هو طريقة الإيمان عند المؤمنين.
2- هل تخضع العبادات مثل الصلاة والصيام والحج للزمن؟
الجواب الواضح لا. لأن طقوس العبادة ملازمة لإيمان غالبية المؤمنين في كل الأديان.
بناء على السؤالين السابقين يمكننا القول إن إيمان الإنسان بدين ما، وممارسته للعبادات وفق هذا الدين، ليس خاضعا للزمن والمكان بالضرورة، فلكل إنسان حق القرار في ذلك. فيمكن للإنسان أن يؤمن بأي دين، وبنفس الوقت يعمل في مسرع جزيئات يحاول محاكاة الانفجار الكوني الكبير، أو يتدخل في هندسة جينات الكائنات الحية؛ كذلك يمكن للإنسان أن يذهب إلى الطبيب ويتبع تعليماته وبنفس الوقت يصلي لله أن يشفيه. أو أن يعمل وينتج ويساهم ببناء بلده وبنفس الوقت يصلي ويصوم إن أراد. فهذه أمور تعود للإنسان الفرد، يستطيع أخذها أو تركها طالما أنها لا تؤثر سلبا على غيره.
3- هل تخضع الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات للزمان والمكان؟
الجواب هنا نعم، إنها تخضع للزمن للمكان وتغيرهما. والسبب الواضح لأنها تتعلق بعلاقات الناس مع بعضهم البعض كأفراد ضمن مجتمع يشكل دولة، وبما أن المجتمع والأفراد يتغيرون مع الزمن والمكان، فمن الحتمي أن علاقاتهم ببعضهم تتغير، وبالتالي القوانين التي تنظم علاقاتهم ببعض يجب أن تتغير.
5 لماذا لا يصلح كل ما ورد بالأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات في عصرنا الحالي؟
لا بد بدايةً من التوضيح أن الاستشهاد ببعض الأحكام الفقهية الإسلامية المتعلقة بالمعاملات فيما يتبع من فقرات، هو استشهاد انتقائي لبعض هذه الأحكام، فلا أدعى أن كل الفقهاء أجمعوا على أي منها، بل أذكر القارئ بأن العديد من هذه الأحكام عارضها بعض الشيوخ والفقهاء قديما وحديثا، فلا نحمّلنّ النصوص القادمة حمل التعميم. لكن هذه الأحكام المستشهد بها في الدراسة ليست أحكاما شاذة، بل هي أحكام واسعة الانتشار. كما أن هذه الدراسة لا تهدف لدعم هذا المذهب الفقهي أو ذاك، فما لم تنجح بتوحيده 1200 سنة من الخلافات الفقهية، لن توحده مدرسة فقهية عصرية.
فيما يلي بعض الأسباب التي تحدّ من صلاحية العديد من الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات في عصرنا الحالي:
1- إن أهم شروط الدولة الحديثة هي وجود نظام قانوني واضح شفاف مُحكَم يحقق أقصى ما يمكن من عدل نسبي ما بين الناس. وبما أن لا وجود لمنظومة أحكام فقهية إسلامية عملية متعلقة بالمعاملات واحدة بل عدة منظومات، فإن هذه الأحكام الفقهية لا تصلح بخلافاتها واختلافاتها لتأسيس قانون ناظم لدولة حديثة.
قد يقول قائل لكن هذا يعطي مرونة للأحكام الفقهية الإسلامية، لكن التاريخ الإسلامي يخبرنا أنها بالتطبيق العملي كانت تخضع لرأي الحاكم وكبار الشيوخ المقربين منه في اختيار أي المذاهب يجب أن تسود القضاء. حتى أن السلطان الظاهر بيبرس اضطر لتعيين قاضي قضاة لكل مذهب من المذاهب السنية الأربعة، نتيجة الخلافات والاحتجاجات بين أتباع هذه المذاهب[9]؛ فهم بالنهاية يستندون لنفس المصدر التشريعي ولا يملك أيا منهم حق إلغاء الآخر.
2- لا تحتوي الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات على مبدأ فصل السلطات. فمن الأحكام التي يُدعى الإجماع عليها بين الشيوخ هو أن الخليفة\الحاكم يوَلّي القضاة[10] “إن تولية الإمام الأعظم للقاضي شرط في صحة قضائه”[11]. إذا السلطة القضائية تابعة للسلطة التنفيذية وفق الأحكام الفقهية الإسلامية.
3- لا يوجد ضمن كل الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات شكل محدد للسلطة التشريعية، الشكل المقدم غالبا يعتمد على من يسمونهم أهل العلم وبالتخصيص الفقهاء، ولا معايير واضحة جازمة حولهم، فكل فرقة تمنح لقب الفقيه لمن يناسب مذهبها، ولا تقبل كل من تراهم فرق أخرى علماء، وتاريخ نزاعات كبار الشيوخ والفقهاء خير دليل.
4- لا تحتوي الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات على نظام حكم محدد واضح. بمعنى لا تحتوي نظاما يحدد كيف يصل الحاكم للحكم، سواء أسميناه رئيسا أو خليفة أو سلطانا. فمن المعروف أن الخلفاء الراشدين الأربعة تولوا الحكم بطرق مختلفة عن بعضها، انتهت بحرب دموية بين علي بن أبي طالب مع بني أمية، الذين أسسوا بدورهم حكما وراثيا ديكتاتوريا ساد تاريخ المسلمين إلى يومنا هذا.
5- الشورى التي يّدعى أنها مقابل للديمقراطية، ليست ملزمة للخليفة\الحاكم بل مستحبّة حسبما يُدعى أنه إجماع العلماء[12].
6- غالبية الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات تنسف مبدأ وأساس المواطنة في الدولة الحديثة. فمعظم التراث الفقهي الإسلامي المتعلق بالمعاملات يميّز في الأحكام بين المسلم وغير المسلم، بين الرجل والمرأة، بين الحر والعبد. هذا التمييز ليس فقط في باب الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وغيرها، بل في كثير من الأحكام التي منحت الرجل المسلم المكانة الأعلى في الدولة والمجتمع كما سنرى.
7- الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات تحوي تفاصيل كثيرة يمكن أن تحول النظام القانوني إن اعتمد عليها إلى سلطة ديكتاتورية باسم القانون، تتدخل في كل تفاصيل حياة الناس إلى حد الاعتداء على حرياتهم. مثلما هو حاصل في إيران، حيث تعتمد الحكومة في سن القوانين على الأحكام الفقهية المتناسبة مع السلطة الدينية والسياسية، وتمارس وصاية شبه كاملة على أسلوب حياة الناس.
8- تصادم بعض ما خطّه شيوخ الإسلام ضمن الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات مع حقوق الإنسان حسب الشرعة الدولية. ونظرا لأهمية هذا المفصل سنفرد له فقرة خاصة.
6 تصادم بعض الأحكام الفقهية الإسلامية المتعلقة بالمعاملات مع حقوق الإنسان حسب الشرعة الدولية
مبادئ حقوق الإنسان تنسجم مع روح الإسلام كدين كما وضح كثيرون من المفكرين والباحثين الإسلاميين، لكنها تتناقض في نواحي عديدة مع الأحكام الفقهية الإسلامية، وخاصة في عصرنا الحالي. فلربما كانت هذه الأحكام متقدمة بمراحل عما كانت حال الدول المزامنة والسابقة للدولة الإسلامية في العصر الأموي أو العباسي الأول، لكنها وفق قيم عصرنا الحالي فالعديد من هذه الأحكام لا يتفق مع قيم القرن الواحد والعشرين. فيما يلي بعضا من هذه التناقضات:
6.1 حق المساواة بين البشر
الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات تنقض حق المساواة بين البشر، فكلها تميز في كثير من الأحكام، بين المسلم وغير المسلم، بين الرجل والمرأة. مثلا مناصب الحاكم والحكم والقضاء محصورة بين الرجال المسلمين، فلا حق للمرأة ولا لغير المسلم بتولي منصب الحاكم أو القضاء[13]. كذلك في الشهادة أمام القضاء نجد أن “شهادة غير المسلم على المسلم غير مقبولة بالإجماع، إلا ما اختلفوا فيه من جواز ذلك في الوصية في السفر”، بينما “اتفقوا على قبول شهادة المسلم على غير المسلم في كل حال من الدماء فما دونها”[14]. وحتى في قيمة الحياة الإنسانية، في حال حصول القتل الخطأ، جعلوا دية الرجل المسلم ضعفي دية المرأة المسلمة، ودية الرجل الحر الكتابي نصف دية الرجل الحر المسلم، ودية الكتابية نصف دية الكتابي[15].
6.2 حرية الاعتقاد والتديّن
الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات لا تضمن حرية الاعتقاد والتدين. ولعل أشهر حكم ابتدعه شيوخ الإسلام هو حكم قتل المرتد الذي ادعوا الإجماع عليه[16]، فلا حرية للإنسان وفق أحكام هؤلاء الشيوخ الفقهية في اختيار دينه، حتى لو كان ورثه بحكم الولادة لأبوين مسلمين.
6.3 حرية ممارسة الدين
الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات لا تضمن حرية ممارسة الدين. فحتى المسلمين ليسوا أحرارا في ممارسة العبادات الإسلامية، فمثلا الأحكام الفقهية الإسلامية مليئة بالعقوبات على من لا يصلي[17]، أو من يخالف في طريقة أداء الصلاة حسب المذهب المسيطر حيث يعيش[18]. من ناحية ثانية إن كثيرا من شيوخ المسلمين منعوا بناء كنائس جديدة فيما يسمونها الأرض التي “فُتحت عنوة”[19].
6.4 حقوق المرأة
الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات تناقض حقوق المرأة في كثير من المناحي. كثير من أحكام الفقه الإسلامي تهضم حقوق المرأة كإنسان ومواطن وفق معايير عصرنا الحالي، الذي تجاوز كثيرا من أحكام وعادات الحضارات البشرية السابقة التي قامت على منح الرجل المكانة الأعلى على حساب المرأة[20].
· المرأة ممنوعة من تولي مناصب سيادية عليا في الدولة، وممنوعة من منصب القضاء، والإفتاء[21].
· أشهر هذه الأحكام حق الزواج المتعدد للرجل الذي يمثل اعتداء واضحا على كرامة المرأة كإنسان في عصرنا الحديث.
· أحكام الطلاق جائرة بحق المرأة، فللرجل أن يطلق متى أراد، أما المرأة فعليها أن تقنع القاضي أنها تستحق الطلاق من زوجها.
· المرأة مظلومة في الإرث كابنة فلها نصف حق الابن الذكر، وهي كذلك مظلومة مقارنة بحق الولد الذكر في حجب الإرث عن أقارب الأب.
· شهادة المرأة هي نصف شهادة الرجل في العديد من القضايا أمام القاضي[22].
· قيمة المرأة كإنسان أقل من قيمة الرجل كما مرّ معنا في أحكام دية القتل الخطأ.
· لا تملك المرأة حرية الحركة والعمل دون إذن “وليها”، كما هو مطبق حتى أيامنا هذه في بعض الدول الإسلامية.
· المرأة لا تملك حق حرية اللباس ومعاملة جسدها كما تريد، فما زالت قوانين الحجاب والنقاب مفروضة بقوة السلطة في بعض البلاد الإسلامية، وبقوة الزجر والنبذ الاجتماعي في دول أخرى.
· المرأة المسلمة ممنوعة من الزواج من رجل غير مسلم، بينما الرجل مسموح له.
· الأحكام الفقهية لا تحمي المرأة من تعسف زوجها، فضربه لها مباح وفق كثير من هذه الأحكام. والضرب هو إهانة للإنسان سواء بمسواك أو بعصا غليظة.
7 هل يمكن تطوير الأحكام الفقهية الإسلامية العملية المتعلقة بالمعاملات؟
كثير من الشيوخ والمفكرين المسلمين أطلقوا مشاريع تجديد، وأعادوا البحث في الفقه الإسلامي، واستنبطوا أو عدلوا كثيرا من الأحكام لتناسب العصر الحديث. لكن المشكلة التي تواجه هذه القراءات والتي لم يجرؤ غالبية المجددين على تحديدها هي أن الإسلام مثل أي دين ليس نظاما قانونيا؛ فكونهم قبلوا بأن في الإسلام شريعة عملية متعلقة بالمعاملات تمثل مرجعا للتشريع في الدولة وفق الأحكام الفقهية، يعني أنهم أبقوا الباب مفتوحا لأي قراءة متشددة للإسلام. فقد يصل بعضهم مثلا إلى أن الخلافة ليست محصورة بقريش، أو أن يوقف حكم إباحة الزواج المتعدد، لكن بما أن أساس كلامه ما زال أن الشريعة الإسلامية مصدر للقانون، وبالتالي الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات، فلا يمكنه منع من يقول إن القانون يجب أن يمنع المرأة من العمل أو قيادة السيارة، لأنه يعود لنفس التراث الفقهي الإسلامي. 
إن التطوير الوحيد الممكن، والضروري لسلامة ومستقبل المسلمين والإسلام، هو نزع صفة الإلزام عن الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات، وحجبها عن أن تكون مصدرا للتشريع في الدولة. وأن يتم نقلها إلى خانة الشرائع المتعلقة بالأخلاق وليس بالقانون. أما ما خصّ بعض الأحوال الشخصية فإن القانون الحديث أساسا يعطي الناس حرية الاختيار إذا لم يكن هناك ضرر ولا ضرار. مثلا في الدول العلمانية، ومنها تركيا، يمكن لمن أراد الزواج أن يتزوج في الكنيسة أو لدي شيخ مسلم وفق تعاليم دينه، لكن القانون يلزمه أن يعقد عقد زواج مدني أمام الدولة؛ وفي حال الطلاق أو أي خلاف زوجي، إن توافق الطرفان على العودة للشريعة الدينية بما لا ينتهك حقوق أطفالهم، فالدولة لا تمنعهم؛ لكن إن رفض أحد الطرفين ذلك، فالحكم للقانون المدني. كذلك في موضوع الميراث، إن توافق كل الورثة وكانوا كلهم بالغين عاقلين على أي شكل أرادوه لتوزيع الميراث فالدولة لا تمنعهم، لكن إن رفض أحدهم، أو كان بينهم من هم تحت السن القانوني فالقانون الحاكم هو قانون الدولة المدني.
8 هل نرمي ديننا وقرآننا لأننا نعيش في القرن الواحد والعشرين؟
يمكن الإجابة على هذا السؤال المتكرر أمام أي نقد للتراث الفقهي الإسلامي، من خلال التذكير بالحقائق الإسلامية المتسلسلة التالية التي تقر تأثير تغير الزمن على تغير الأحكام والفهم والتطبيق:
1- لم تأتِ الأديان الابراهيمية، اليهودية والمسيحية والإسلام، منذ أن كان هناك بشر على الأرض، بل أتت بفواصل زمنية بين بعضها، أي أن الله مصدر هذه الأديان أراد تنزيل دينه على البشر وفق حركة الزمن، فاتفقت على العقيدة وأساسها الإيمان بالله الواحد، لكنها اختلفت في الأحكام العملية المتعلقة بحياة الناس وعلاقاتهم ببعضهم وبالدولة.
2- رغم أن مدة الرسالة الإسلامية كانت 23 سنة فقط، إلا أنها أتت متدرجة عبر الزمن.
3- من الثابت أن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب أوقف العمل بحكم المؤلفة قلوبهم، رغم وضوح الحكم في القرآن الكريم. فهو لم يخالف الإسلام، بل فهم أن الحكم قابل للتغير مع تغير الحاجات.
4- لم يطلب أحد رمي آيات القرآن الكريم المتعلقة بالرقيق والإماء، رغم أن البشرية توافقت منذ سبعين سنة على منع استعباد الناس بأي شكل من الأشكال.
5- تتكرر في القرآن الكريم مواضيع حول الكون والإنسان والأرض، في غالبها تدعو للتفكر ولإثبات عظمة الخلق، لكن كل المفسرين القدماء لم يدركوا معانيها بشكل صحيح لأن علومهم الطبيعية في زمانهم كانت محدودة، ففسروها وفق ظاهر النص غالبا. كمثال على ذلك موضوع خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وقد فسرها غالبية المفسرين القدامى على أنها الأيام التي يعرفها البشر[23]؛ لكننا اليوم نعلم حقيقة أن عمر الكرة الأرضية حوال
إذا إن مقولة “الإسلام صالح لكل زمان ومكان”، تصح في الإيمان والعقيدة والعبادة؛ لكنها لا تقتضي أن تفسيرات ومذاهب شيوخ الإسلام في الأحكام الفقهية المتعلقة بالمعاملات تصلح لكل زمان ومكان، بل يحق للناس الذهاب بتأويل النص إلى ما لم يذهب من سبقهم، كي يسيروا ضمن الهدف الأسمى للبشرية كلها وهو إعمار الأرض وإحلال السلام والعدل والأمان بين البشر كلهم[25].
الناحية الثانية والأهم وبدون تعقيدات النقاشات والجدالات الفلسفية حول معنى الحرية والإجبار، التخيير والتسيير. على المسلمين أن يختاروا بين أن دينهم وعقيدتهم تقرّ بحرية الإنسان، مسلما كان أم غير مسلم، أو أن دينهم وعقيدتهم هي إجبار بالقوة، سواء قوة السلطة الحاكمة أو قوة التهديد بالسيف أو قوة الضغط الاجتماعي والنفسي. غالبية آيات القرآن الكريم وروح نصوصه، بدءا من منح حق المعصية والجدل لإبليس تقول إن الإسلام كعقيدة يقوم على حرية الاختيار. وأحسب أن الغالبية العظمى من المسلمين تقول إن الإسلام ليس دين جبر بل دين اختيار؛ فإن قلنا ذلك فكيف نقبل أحكاما فقهية متعلقة بالمعاملات تملء حياة الإنسان بالأوامر والنواهي وبسلطة القانون والدولة؟
9 خاتمة
إن إخراج الشيوخ من حق التدخل في السلطة التشريعية باسم الإسلام، ليس ضربا ولا إساءة للإسلام ولا المسلمين، بل هو حماية للإسلام من الجمود في قوالب وضعها شيوخ وفقهاء سابقون، عاشوا زمنهم وظروفهم، لكنهم لا يعيشون زمننا ولا ظروفنا.
الشريعة الإسلامية بأساسها هي الإيمان والاعتقاد بأسس الإيمان الإسلامي، والتمسك بالأخلاق الحسنة فيما بين البشر، وليست قوالب جامدة تجبر المسلم من يوم مولده إلى مماته أن يسير ويعمل بكل خطوة وفق ما يرى الشيوخ ويفهمونه من الإسلام. لقد أمضى المسلمون آخر ستة قرون لا ينتجون من العلوم الطبيعية شيئا مقارنة بآلاف كتب الشرح والتصنيف في مناحي المعارف الدينية المختلفة[26]، فيكفي الشيوخ ستة قرون من السيطرة على الإنتاج الفكري للمسلمين، ويكفيهم، تحت جناح السلطات الحاكمة الديكتاتورية، إعاقة لتطور المجتمعات الإسلامية نحو الحداثة وتأسيس الدول العصرية المستقرة.
19/09/2018
رابط مختصر
[1] “المهذب في علم أصول الفقه المقارن” – د. عبد الكريم النملة – مكتبة الرشد، الرياض – 1999
[2] قال ابن خلدون في مقدمته في تعريف الفقه: “الفقه: معرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين: بالوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة، وهي متلقاة من الكتاب والسنة وما نصبه الشارع لمعرفتها من الأدلة، فإذا استُخرِجَت الأحكام من تلك الأدلة قيل لها: فقه”
[3] روي عن الإمام أحمد “من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب” – كتاب “الإسلام عقيدة وشريعة”، تأليف الإمام الأكبر محمود شلتوت، دار الشروق.
[4] الإجماع: حجة ملزمة أم مغالطة فقهية كبرى
http://mena-monitor.org/ar/page1524/الإجماع:%20حجة%20ملزمة%20أم%20مغالطة%20فقهية%20كبرى
[5] المدخل فى الشريعة الإسلامية – د. الشحات إبراهيم محمد منصور – جامعة بنها – 2007
[6] دخل كثيرون من النخب العربية والإسلامية والسياسيين أيضا جدلا بيزنطيا مفتعلا قائما على افتراض الشرانية في كل منتج غربي، فألفوا كتبا وبحوثا لكي يثبتوا أن أصل شرعة حقوق الإنسان إسلامي عربي، بادعاء أن الغرب ينسبها لنفسه ولا يعترف بفضل العطاء البشري كله، وهي فرضية غير صحيحة. ممن كتب في ذلك د. منير العجلاني في كتابه “عبقرية الإسلام في أصول الحكم”.
[7] مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان
” حقوق الإنسان حقوق متأصلة في جميع البشر، مهما كانت جنسيتهم، أو مكان إقامتهم، أو نوع جنسهم، أو أصلهم الوطني أو العرقي، أو لونهم، أو دينهم، أو لغتهم، أو أي وضع آخر. إن لنا جميع الحق في الحصول على حقوقنا الإنسانية على قدم المساواة وبدون تمييز. وجميع هذه الحقوق مترابطة ومتآزرة وغير قابلة للتجزئة.
وكثيرا ما يتم التعبير عن حقوق الإنسان العالمية، وتضمن، بواسطة القانون وفي شكل معاهدات، والقانون الدولي العرفي، ومبادئ عامة، أو بمصادر القانون الدولي الأخرى. ويرسي القانون الدولي لحقوق الإنسان التزامات على الحكومات بالعمل بطرق معينة أو الامتناع عن أعمال معينة، من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية الخاصة بالأفراد أو الجماعات.”
[8] المرجع 6
[9] “البداية والنهاية” – ابن كثير – الجزء 13 – مكتبة المعارف، بيروت – 1988
[10] من القواعد الشرعية المشهورة (للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات) و (أمر الإمام يرفع الخلاف) و (أمر الإمام نافذ ظاهراً وباطناً) – “ الاجتهاد الفقهي المعاصر في السياسة الشرعية” – الباب الثاني: السياسة الشرعية بين القدامى والمعاصرين- د. حبيبة أبو زيد – دار الكتب العلمية
[11] “موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي” – القضية 3348 “تعيين القاضي” – سعدي أبو جيب – الطبعة الرابعة – دار الفكر – دمشق 2011
[12] المرجع 11– المسألة 2161
[13] ”اتفقوا على أن الخلافة لا تجوز لامرأة، ولا لكافر، ولا لصبي لم يبلغ، ولا لمجنون.” – المرجع 11 – المسألة 1362، والكافر هو حسب الاتفاق “اليهود والنصارى” – المرجع 11 – المسألة 3413
[14] المرجع 11– المسألة 2127 و2128
[15] المغني – كتاب الديات- موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة – دار إحيار التراث العربي.
[16] المرجع 11– المسألة 1606
[17] المرجع 11 – المسألة 2216 “حكم تارك الصلاة”
[18] يقول ابن تيمية في حكم الجهر بالنية قبل الصلاة: “الجهر بلفظ النية ليس مشروعا عند أحد من علماء المسلمين، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه، وسلف الأمة وأئمتها، ومن ادعى أن ذلك دين الله، وأنه واجب، فإنه يجب تعريفه الشريعة واستتابته من هذا القول، فإن أصر على ذلك قتل،…” – مجموع فتاوى ابن تيمية – المجلد الثاني – كتاب الصلاة – المسألة 143-59.
[19] مجموع فتاوى ابن تيمية – الجزء 28 – ادعى ابن تيمية أن الأئمة الأربعة وغيرهم “متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة كأرض مصر والسواد بالعراق وبرّ الشام ونحو ذلك مجتهدا في ذلك ومتبعا في ذلك لمن يرى ذلك لم يكن ذلك ظلما منه، بل تجب طاعته” ويضيف “لا نزاع في جواز هدم ما كان بأرض العنوة إذا فتحت”
[20] قد يوجد شيوخ وفقهاء يخالفون بعضا مما سنذكر، لكن هذا لا يلغي أن هناك كثيرون من الشيوخ من أقروا هذه الأحكام.
[21] المرجع 14
[22] موقع إسلام ويب – الفتوى رقم 33323 – “ الحكمة من كون شهادة المرأة نصف شهادة الرجل”
http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=33323
[23] راجع تفسير الطبري وابن كثير والسعدي للآية 54 من سورة الأعراف، كلهم قالوا “ ( فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة،”. أما البغوي فقد قال: “ أراد به في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها, ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء, قيل: ستة أيام كأيام الآخرة وكل يوم كألف سنة. وقيل: كأيام الدنيا, قال سعيد بن جبير: كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة, فخلقهن في ستة أيام”
[24] راجع تفاسير القدماء لكلمة “دحاها” في الآية 30 من سورة النازعات (وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ). وكذلك تفسيرهم ل” وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ” في الآية 34 من سورة لقمان (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). وتفسيرهم ل” عَيْنٍ حَمِئَةٍ ” في الآية 86 من سورة الكهف (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا). في كل هذه التفاسير من الواضح أن قلة علم المفسرين في زمانهم لم تمكنهم من فهم الآيات بشكلها الصحيح.
[25] لعل منهج الدكتور محمد شحرور في القراءة المعاصرة للقرآن والكتاب يشكل أهم ما قدمه مفكر في مجال تأويل النص بما يناسب الزمن، مع الحفاظ على جوهر الإيمان والعقيدة.
[26] المرجع 1








