الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

الأفيال في سوريا

05/03/2019

علاء الدين الخطيب

 

أثناء بحثي، مثل كثير من السوريين، فيما عانته سوريا بشرا وشجرا وحجرا خلال السنوات الثماني الماضية، كان هناك دائما هاجس سيطر على تفكيري، هاجس أحسست أنه موجود عند غالبية من السوريين أيضا. فمهما اختلفنا في رؤيتنا وتوصيفنا للأزمة المأساة في سوريا، هناك فكرة تحوم في كل المربعات والمعسكرات، الجميع يراها وربما كثيرون يتعلقون بها، لكن كثيرين أيضا ينكرونها أو يتغافلون عنها، مع أنها تقف دائما في مكان ما معهم، كالفيل بكل ضخامته ووقاره؛ فيل كما يبدو، سواء كان حقيقة ضخمة أو وهما كبيرا، تداخل مع خبرات كل الشعوب والثقافات.

يقول الأمريكيون “الفيل في الغرفة Elephant in the room“، ويستخدمونها عادة عندما تكون الحقيقة واضحة جلية، لكن الجميع يتجاهلها ولا ينظر لها، مثل أناس يبحثون عن فيل، يدخلون ويخرجون من الغرفة التي يقف فيها الفيل بكل ضخامته، لكنهم لا يرونه، أو يرونه ويتجاهلونه. فأين هو الفيل في سوريا؟

قبل المضي للبحث عن فيل الحقيقة السورية، لا بد من المرور بفيل كبير أتى من الحكمة الهندية. تقول القصة الهندية القديمة أن ملكا أحضر مجموعة من الأشخاص العميان، ووضعهم حول الفيل، وسألهم عما يكون أمامهم، وبدء كل منهم بلمس الفيل ليتعرف عليه، فالشخص الذي لمس خرطوم الفيل قال إنه ثعبان كبير، والذي لمس ساق الفيل قال إنه عمود ضخم، والذي لمس أذن الفيل قال إنها مروحة كبيرة، والذي لمس بطن الفيل وصفه على أنه حائط خشن. جميعهم لم يكذبوا، بل قالوا حقيقة ما لمسوه، لكنهم لم يصلوا للحقيقة حول الفيل.

عميان حول الفيل، كل يقول ما يلمسه (PIXELBAY.COM)

 

قد يغضب البعض ويقول مستهجنا، وهل نحن السوريون عميان لا نرى الحقيقة في بلدنا؟ من هنا تبدأ المشكلة، يوم يجابه بعض الناس السؤال بالغضب، بدل التبيّن من النبأ. فهذه القصة الحكيمة أطلقها شعب آخر، له تاريخ طويل أيضا من الحضارة والأمجاد والكبوات؛ ومقولة الفيل في الغرفة أطلقها أيضا شعب آخر تسود بلده العالم كله الآن. والسوريون مثلهم مثل كل شعوب الأرض، يعلمون أين هي غايتهم وحقهم، لكنهم قد يتوهون مثلما حصل مع كل الشعوب عبر التاريخ وفي حاضرنا المعاصر.

فيل الحقيقة السورية

لنتفق أن قول “السوريين” يعني ضمنا غالبيتهم، فمن المستحيل أن يتفق الكل على أي شيء، ولنرى أين تقف الحقيقة الكبرى كفيل ضخم في البيت السوري:

clip_image001    السوريون متفقون على أن التدخلات الإقليمية والدولية زادت من آلام المأساة وعمرها، وأن هذه التدخلات لم ولن توصل سوريا إلى برّ الأمان، حتى بالحد الأدنى.

clip_image001[1]    السوريون متفقون على أن سوريا هي ساحة مواجهة بين الدول المتورطة في سوريا، وصراع هذه الدول هو صراع يخدم مصالحها أولا.

clip_image001[2]    السوريون متفقون على أن هدفهم الأسمى إنقاذ ما تبقى من سوريا، وتأسيس الوطن السوري والدولة المستقرة المستقلة الموحدة التي تحمي حقوق مواطنيها وتضمن حرياتهم وكرامتهم.

clip_image001[3]    السوريون متفقون على أن لا غايتهم ولا وسيلتهم أرادت قتل أو اضطهاد أو تهجير سوريين آخرين، ولا تقسيم سوريا ولا هدمها.

 

الأوهام حول فيل الحقيقة السورية

ما يتفق عليه السوريون، هو ذاته ما يتفق عليه كل شعوب هذه الأرض حول دولهم وأوطانهم. لكن في بلد شهد هذه المأساة الأبشع في العصر الحديث، وهذه التدخلات الخارجية التي لم تحصل في أي بلد عبر التاريخ، الأوهام حول الحقيقة السورية تكاثرت بسرعة هائلة، وتشعبت وترسخت بين مكونات الشعب السوري. ولعل هذه الأوهام في تلمس الحقيقة السورية هي من أهم الأسباب التي تساهم في تصاعد الصراع، ولا تساعد على ردعه.

الفرق الأساسي بين الأوهام المتراكمة حول سوريا، وبين الأوهام المركبة حول الفيل الهندي، هي أن الناس في سوريا لم تتلمس بحر إرادتها الحقيقة، بل تداعت على آذانها وعيونها وأياديها، كل آلات الإعلام والتضليل والحروب السياسية، ناهيك عن الصواريخ والبراميل والتهجير والتفقير. أما أخطر هذه الأوهام، فيمكن تلخيصه في منهجين أساسيين سيطرا على رؤية كثير من السوريين وتفسيرهم للحال السورية:

clip_image005التفسير الطائفي للمأساة السورية، والذي يضم عدة تيارات متباينة التوجهات، لكنها متفقة على منهج التفسير. فكثيرون يعتبرون أن سبب البلاء الأساسي هو كون بشار الأسد وأبيه ونظامهما علوي، وأن إيران تدعمه لأنها شيعية. وكثير من السوريين أيضا، يرون أن السبب الأساسي هو خطر الطائفة السنية بما تحمله من بيئات إسلام سياسي، وسلفية متشددة تولد الإرهاب الداعشي والقاعدي، وأن تدخل السعودية وتركيا وقطر، الدول السنية، هو جزء من الصعود السني السلفي والسياسي. وهناك تيار أقل من الاثنين انتشارا، يقول إن السبب هو سيطرة التديّن على السوريين، وخاصة الإسلام سواء سنيا أو شيعيا، لأن التديّن هو سبب الحروب والمآسي.

كل توجه منهم يمسك بين يديه حقائق مجتزئة تدعم تفسيره. فالتيار الأول يدعمه حقيقة أن حافظ وبشار الأسد من العلويين، وأن نسبة الضباط العلويين في الجيش والأمن أعلى من نسبتهم السكانية، وأن إيران يحكمها نظام ديني إسلامي شيعي متشدد. وكذلك التيار الثاني يدعمه حقيقة أن مليشيات النصرة وداعش وأحرار الشام وغيرهم يرفعون الراية السنية الجهادية واضحة جلية، وأن الدعم أتاهم أساسا من دول يحكمها سنة. والتيار الثالث يدعم كلامه بأن مليشيات الجهاد هي التي دعمت النظام الأسدي في البقاء، سواء بسبب حجة محاربته للقاعدة وفروعها، أو من خلال المليشيات التي أدت لدعمه برايات شيعية.

 

clip_image005التفسير وفق منهج نظرية المؤامرة. وهو أيضا منهج يجمع غالبية التيارات مهما اختلفت فيما بينها، فكل تيار يتكلم عن مؤامرة كبرى داخلية إقليمية دولية ضد سوريا، التي يتخيلها هذا التيار. لعل أولهم هو النظام الأسدي نفسه الذي يتكلم، ومنذ 50 سنة، عن مؤامرة كونية ضده، لأنه مقاوم ممانع لإسرائيل، حسب زعمه، فهي مؤامرة غربية صهيونية، ومنذ 2011 أضاف لها صفة وهابية وطورانية. أما التيار المعارض الإسلامي السني بكل أطيافه فكلامه عن المؤامرة يتمحور حول أنها ضد المسلمين السنة، فهي مؤامرة صليبية يهودية بالإضافة لكونها رافضية فارسية. أما التيارات الأخرى، بما فيها كثير من الليبراليين، فيتكلمون عن المؤامرة الكبرى، لكن بعضهم يحذف التوصيفات الدينية والقومية حسب التوجه.

ولمنهج نظرية المؤامرة الكثير مما يؤيد تفسيره، فنظرية المؤامرة، رغم أنها منهج تفسير غير عقلاني وغير موضوعي للواقع والتاريخ، إلا أنها متأصلة في التاريخ البشري ومتراكمة الخبرة، بحيث أنها تستطيع انتقاء ما يناسبها من أحداث، ومن مؤامرات حقيقية، وإهمال ما يناقضها، لتقديم تفسير سهل عاطفي يخاطب الجانب الإيماني الغيبي لدى الناس.

لا يقف هاذان المنهجان وحدهما في الفضاء السوري الشعبي، لكنهما المسيطران على الغالبية السورية، بعمومها وبنخبها وبإعلامها وبسياسييها، وهما مسؤولان بشكل أساسي عن الشروخ الهائلة التي حصلت بين السوريين كشعب يرنو لهدف واحد؛ مسؤولان من حيث كونهما أدوات طيّعة في الصراع، وليس من باب أنهما مولّدا هذه المأساة. فهما لا يفسران فقط ما حدث ويحدث، بل يصدران أحكاما قطعية تدين جماعات كبيرة من السوريين، وليس فقط القادة وأصحاب القرار. جماعات تكون أحيانا مصنفة وفق الانتماء الطائفي، وأحيانا وفق الانتماء العرقي والقومي، وأحيانا وفق الانتماء أو الموقف السياسي، بل وأحيانا وفق الانتماء المناطقي.

هذه الشروخ العمودية، بغالبيتها، كانت موجودة تاريخيا بين السوريين، مثل أي شعب في العالم، لكنها لم تكن يوما بهذه الحدة والعمق والخطورة، كما هي منذ بضع سنين عجاف مقحطة إلا من دم السوريين. والمفارقة الأكثر كوميدية وسوداوية في الواقع السوري، هي أنه من بين أسباب تعمق هذه الشروخ بين السوريين، انطلاق الجميع من حبه لسوريا ورغبته بحمايتها، وفق نفس المناهج في رؤية الحال السورية.

الفيل في الغرفة (shareverything.com)

 

لن نناقش هنا الدلائل التي تثبت أن هذه الأوهام هي أوهام، فكل منها يحتاج كتبا وساعات من النقاش والجدل. لكن يمكن القول باختصار، ووفق حكمة تعلمها البشر كلهم عبر التاريخ والحاضر، إن معرفة المشكلة هو نصف الطريق لحلها. ولو كنا كسوريين اتفقنا لحد ما على توصيف المشكلة وأسبابها للَزِم أن نكون الآن في أواخر الطريق نحو الحل الدائم في سوريا.

من ناحية ثانية، هاذان المنهجان لم يثبت فشلهما فقط في تفسير المأساة السورية، بل ثبت على الأقل في تاريخنا القريب منذ ضياع فلسطين وإلى اليوم، فهما نفس المنهجين الذين تداولهما ليس فقط السوريون بل كل شعوب هذه المنطقة، وإلى اليوم لم يصلوا حتى إلى بداية طريق الحل.

لكل الشعوب أفيالها

القبول بالتفسيرات البسيطة الشكلية للأزمات، كانت سنة بشرية عامة، لكنها زادت بحدة في العقدين الماضيين، ومن سوء حظ السوريين أنهم كانوا ساحة الاختبار الأولى، والأقسى والأكثر دموية. فحتى في الدول المتقدمة الديمقراطية الغربية يتصاعد الآن هذا المنهج في تلمس حقيقة الفيل الكبير، ويولد الأوهام التي تسهل على المتشددين الوصول إلى السلطة، فصعود اليمين المتطرف للسلطة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية والشرقية، يثبت أن التحدي هو تحد عالمي. لكن السوريين يدفعون الآن ثمنه الأغلى والأصعب، وربما يكون منوطا بهم أن يقودوا بالنهاية تيار كشف الأوهام والوصول إلى الطريق الصحيح، وعقد صداقة مع فيل الحقيقة، وليس الاستمرار بالسير في دروب “ملك الزمان الفيل” كما سماه سعد الله ونوس.  

 

 

موقع بروكار برس

05/03/2019

 

 

 

 

 

قد يهمك