الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

الحجاب وسيلة وليس غاية

14/01/2017

علاء الدين الخطيب

 

عادت قضية الحجاب في أوروبا للظهور كإشكال سياسي في النمسا مؤخرا، عندما اقترح وزير الخارجية والاندماج سيباستيان كورز، وهو من حزب الشعب النمساوي ÖVP، مشروع قانون يحظر الحجاب في المدارس والقضاء، بما يشكل تمهيدا ممكنا لحظره من أماكن العمل الحكومية، ويمنح القطاع الخاص أيضا صلاحية منعه. أثار الاقتراح ضجة إعلامية كبيرة في النمسا، وجوبه باعتراضات كبيرة من قبل الشارع النمساوي وكثير من السياسيين والرموز الدينية المسيحية واليهودية والإسلامية.

بعد أزمة اللاجئين المستمرة منذ 2015 والتي صاحبها صعود كبير نسبيا لليمين المتطرف ممثلا في حزب الحرية النمساوي FPÖ، توجه كورز وعدد من قيادات حزب ÖVP لمحاولة المزاودة على اليمين المتطرف في تبني عدد من الشعارات الشعبوية لاستمالة ذلك الجزء من الشارع النمساوي الواقع تحت تأثير الخوف المفتعل من الإسلام ومن الاتحاد الأوروبي ومن الأجانب. فالنمسا تقدم ملجأ لأكثر من 140 ألف لاجئ، بينهم حوالي 30 ألف سوري، وهي بذلك تحقق ثاني أكبر معدل في أوروبا للاجئين مقارنة بعدد السكان بعد السويد، من ناحية ثانية فالنمسا من أوائل الدول الأوروبية التي اعترفت بالإسلام كدين رسمي في بدايات القرن الماضي.

مناقشة أسباب صعود أفكار اليمين المتطرف الغربي تحتاج لمقالات طويلة، لكن ما يهمنا هنا وفي موضوع الحجاب تأكيد عدد من الحقائق التي تغيب عن تناولنا العربي لهذه الأزمات. فاليمين الأوروبي المتطرف حقق صعودا كبيرا نسبيا منذ بداية هذه الألفية في أوروبا والنمسا بالذات، كردة فعل على انطلاق الاتحاد الأوروبي واليورو، الذي صاحبه مشاكل اقتصادية حتمية؛ ثم كانت الأزمة المالية العالمية عام 2008 دفعا كبيرا لهذا اليمين، ونحن نرى نتائجه الخطيرة على الغرب بخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي وصعود ترامب لرئاسة الولايات المتحدة.

اليمين المتطرف الأوروبي مثله مثل أي فكر متعصب يقتات على زرع الخوف من الآخر المختلف، سواء مختلف عرقيا أم دينيا أم قوميا أم ثقافيا، فإن لم يجد توجه ضد الفقراء والمرأة؛ ففي النمسا كمثال، ويوم لم يكن الحضور الأجنبي كبيرا في البلد طرح مؤسس حزب FPÖ المتطرف يورج هايدر في عام 2004 مشروعا لنقض أهم أسس النظام الأوروبي الغربي، وهو حجب المساعدات عن العاطلين عن العمل، وطبعا هم نمساويون أصلا وفصلا، ونفس هذا الحزب ما زال للآن يعارض بشدة رغبة الحكومة النمساوية بكتابة اللوحات الطرقية بلغتين الألمانية والسلوفينية في مقاطعة كرينسيا على حدود سلوفينيا؛ ومع تزايد أعداد المهاجرين من أوروبا الشرقية بعد انضمام بعض دولها للاتحاد الأوروبي، وجه هذا الحزب هجومه على الأجانب، وهم أوروبيون مسيحيون بالإضافة للأتراك المسلمين؛ بعد أزمة اللجوء الأخيرة وجد هذا اليمين ضحيته الدسمة في المسلمين اللاجئين، خاصة مع تصاعد الخوف من الإرهاب الإسلامي، الخوف الذي قدم له الإسلام المتعصب ما يكفي من مبررات.

إذا الإشكالية ليست فيما يسميه الإعلام العربي والإسلامي “عداء الإسلام”، لاستنفار مشاعر المسلمين عبر تزييف الحقائق، إنها حرب سياسية ضمن الدول الغربية بين الأحزاب السياسية، وأيضا جزء من الصراع الدولي الأوسع الذي يحتاج لكل الأدوات المتوفرة لتغطية أسباب ووسائل الصراع الحقيقية في السوق العالمي.

السؤال المطروح: ما هو موقف الجالية العربية والإسلامية في الغرب؟ الغالبية من هذه الجالية تعيش بسلام وهدوء ودون ضجيج، وأيضا بسلبية أمام النسبة القليلة من المسلمين المتعصبين، التي تقدم لليمين الأوروبي المتطرف ما يلزمه من مبررات لطروحه الشعبوية؛ فليس من النادر الآن أن نرى في شوارع الغرب ومدارسه أطفالا بعمر الخمس سنوات يرتدين الحجاب، كذلك أصبح منظرا مألوفا أن ترى المنقبات، وليست قليلة هي حالات الزواج الإجباري بين الجالية المسلمة، وكثير من مظاهر التعصب القولية والفعلية. هذا التطرف الإسلامي المقابل نما وينمو تحت ضغط عوامل كثيرة، لعل أهمها سيطرة نظرية المؤامرة الكونية -الخرافية- ضد المسلمين على عقول الأهل والشيوخ ودعم الإعلام العربي لهذه النظرية المتطرفة؛ بل حتى أن غالبية من ممثلي المسلمين المعروفين يطرحون خطابهم انطلاقا من هذه المؤامرة، مما أضعف حجتهم وقوتهم السياسية والإعلامية، وزاد من قوة انتشار الإسلام المتطرف في الغرب، أضف لذلك تقصير الحكومات الغربية تقصيرا كبيرا في وضع سياسات اندماج واعية استراتيجية.

الحجاب إشكالية موجودة ببلادنا أصلا وليست إشكالية غربية، وقد تعمقت هذه الإشكالية مع صعود قوة الإسلام السياسي بكل توجهاته، لإن الحجاب بالذات هو أسهل الأدوات استخداما في تجييش العواطف الشعبية الذكورية، فالإسلام السياسي لا يستطيع مجابهة الفساد والكذب والانتهازية الناتجة عن الظلم السياسي والاجتماعي والديني والفروق الطبقية، لأنه وطبقة رجال الدين جزء من هذه التركيبة الظالمة في بلادنا؛ والمرأة تبقى هي الطرف والضحية الأضعف التي يمكن على ظهرها تعويض الشعور بالذنب الذي يصاحب التعصب الديني دائما؛ كما أن الحجاب يفرض منظرا شكليا للمجتمع يساهم في تعزيز السلطة الدينية سواء تصالحت أم تصارعت مع السلطة السياسية الديكتاتورية.

الجالية المسلمة والعربية في الغرب نقلت معها هذه الإشكاليات، ولإن غالبيتها عاشت بعزلة عن المجتمع المحيط، وفي عصر الإنترنت والإعلام الفضائي زاد تأثير دعاة التعصب الديني، فظهرت مشكلة الحجاب في الغرب كعقدة تختصر الأزمة الثقافية والمنهجية التي تعاني منها الشعوب عموما وبشكل أكبر شعوبنا العربية والإسلامية.

إن الحجاب وغيره من الإشكاليات هي وسيلة صراع بين المتعصبين من كل الجهات، أكثر منه محاولة جادة وواعية لتحقيق الحقوق الإنسانية الأساسية.

 

 

 عن شبكة جيرون

 

قد يهمك