
17/05/2017
علاء الدين الخطيب
ألهمت كلمات ترامب الغير مألوفة منذ عامين شعراء التحليل السياسي غربيا وعربيا، فأقبلوا على بناء أوهام حول ما سيفعله هذا الكاوبوي البرتقالي في الاستراتيجيات الأميركية، لكن وبعد شهور طويلة تبيّن أن أقصى ما يستطيعه هذا البرتقالي هو أكل كلامه، ليس كلامه قبل ولوج البيت الأبيض فقط، بل ما يقوله البارحة. فما بين ما كسره الحداد بين السعودية وقطر، وما بين اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب سورية بين بوتين وترامب، تصاعدت الخيالات التحليلية العربية بدون حدود.
في هذه النظرة السريعة سأعود لهاذين الحدثين من باب المقارنة بالحقائق والأرقام، كي نتجنب مقولات، “هذا رأيي، وذاك تحليلي”، فالأرقام عندما تتعلق ببلايين الدولارات لا يمكنها أن تكذب، وتشرح المصالح بوضوح.
هل اشترت السعودية ترامب وإدارته؟
قيل الكثير في كون السعودية اشترت ترامب ببضعة اتفاقيات تجارية وصلت قيمتها إلى 500 بليون دولار (البليون يقابل 1000 مليون أو مليار كما هو شائع)، فهل فعلا هذا ما حصل؟
قد يكون ترامب كشخص نهما للمال، وهذا بكل الأحوال مشكلته كشخص، لكنه كرئيس للولايات المتحدة الأميركية لا مكان لنهمه أو لعفته، إنها المصالح المحسوبة ضمن استراتيجيات وسيناريوهات للمستقبل، مرسومة بعلمية وموضوعية، حققت للولايات المتحدة عقدين من الانتصارات المتواصلة، منذ منتصف تسعينات القرن الماضي إلى اليوم.
ترامب مثل كل زعماء العرب، ومثل قرينه بوتين، يستخدم الشعارات والخطاب الشعبوي، وهذا ما أوصله للبيت الأبيض، ولن يتخلى عنه؛ والشعبوية هي إخبار الجماهير ما يحرك عواطفها ويضخم أوهامها عن طريق الكذب والتزوير؛ فكان ترامب أكثر من طنطن لقيمة هذه الصفقات التجارية مع السعودية، واهما الشارع الأميركي أن حقق فتحا عظيما؛ لكن لنضع ما تم إعلانه تحت المجهر قليلا:
أولا، هذه اتفاقيات بحروف أولى على مدى عشر سنوات قادمة، أي أنها ليست نهائية، ولطالما تم الغاء صفقات تجارية بين دول العالم وبين الشركات.
لننظر للأرقام بين الولايات المتحدة والسعودية: بلغ التبادل التجاري الأميركي السعودي (مجموع الصادرات والواردات بين البلدين) خلال العشر سنوات الأخيرة، ما بين 2007 و2016 ما قيمته 537 بليون دولار، منها 424 بليون دولار في عهد أوباما. فأين الإعجاز وأين الجديد في هذه الطنطنة الإعلامية؟ بالمناسبة الأرقام من مكتب التعداد الأميركي التابع للحكومة الأمريكية U.S. Census Bureau وليس فبركة مؤامرة قطرية.
كذلك كثر الكلام عن صفقة السلاح الضخمة بين السعودية والولايات المتحدة، التي بلغت قيمتها حسب رويتر 110 بليون دولار على مدار 10 سنين أيضا، وهي فعلا من الصفقات العسكرية الاضخم عالميا، لكن هل هي فعلا صفقة استثنائية بهذا الشكل المتوَهم؟ الشكل المرفق يبين حجم صفقات الأسلحة بين الطرفين من العام 2000 إلى العام 2015، والتي تصل بمجموعها إلى 102 بليون دولار؛ مع ملاحظة أن ما تم تسليمه خلال نفس الفترة كان فقط ما يقابل 26 بليون دولار.
من الواضح في الشكل المرفق، أن صفقات الأسلحة لم تتراجع مع إدارة أوباما، رغم كل ما قيل، وبلغت بمجموعها 78 بليون دولار.
إذا الصفقة المعلنة هي فعلا صفقة كبيرة، تشتري أكثر قليلا خلال عشر سنوات مما اشترته السعودية خلال 15 سنة، لكنها ليست كبيرة بحيث تقلب الموازين، أو كما أحب ترامب أن يوهم الشارع الأميركي إنها إنجاز تاريخي، أو كما استنتج الإعلام العربي بأن ترامب قلب المعايير.
من باب المقارنة ولكي نستطيع إدراك معنى هذه الأرقام، في العام 2015 أبرمت الولايات المتحدة اتفاقيات تصدير أسلحة بقيمة 91 بليون دولار، كان لليابان منها 20 بليون دولار، ثم السعودية 13 بليون دولار؛ الأسلحة التي تم تسليمها في 2015 كانت بقيمة 26 بليون دولار. لكن قيمة صادرات الولايات المتحدة في العام 2015 كانت 1502 بليون دولار، أي أن تصدير السلاح يشكل 6% مما تصدره الولايات المتحدة الأميركية.
أرقام صفقات الأسلحة من قسم مراقبة دعم الأمن التابع لمركز السياسة الدولية الأميركي Security Assistance Monitor– Center for International Policy.
اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب سورية بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية
بعد القنبلة الإعلامية لزيارة ترامب للسعودية، ظهرت أيضا قنبلة صوتية حول اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين بوتين وترامب في جنوب سورية، على هامش قمة العشرين؛ وأيضا انطلقت الأوهام تتصاعد حول مشاريع تقسيم، ودور أردني أميركي في الجنوب السوري وربما إسرائيلي، ومناطق آمنة؛ فما هي أحقية هذه الاستنتاجات ضمن الواقع والأرقام؟
أيضا هذه الاتفاقية وحسب نصها وإعلانها رسميا من قبل الطرفين الأميركي والروسي، قالت إنها اتفاقية وقف إطلاق نار، وإعادة توزيع للقوى العسكرية، ولم تقل أبدا أنها مناطق آمنة. إذا ما الهدف من هذه الاتفاقية؟
· الطرفان الأميركي والروسي، بوتين وترامب، بحاجة لبعض الانتصارات الإعلامية في سورية أمام شارع بلديهما؛ فبوتين يهمه أن يقنع الروس أنه ليس صانع حروب بل أيضا صانع سلام، وترامب يريد بعض الكفارة إثر تصريحاته وتوعداته النارية بعد جريمة النظام الأسدي الكيماوية في خان شيخون، هذا عدا عن مشاكله الضخمة في الداخل الأميركي والفضائح التي تلاحق طاقمه وعائلته.
· الطرفان ملتزمان بحماية استقرار حدود إسرائيل، وهذا الالتزام معروف ولا داعي للتفاصيل حوله، سوى أن استقرار هذه الحدود يقتضي إعادة ضبط لحركة السلاح في الجنوب السوري.
· الهدف الأميركي والذي لا تمانعه روسيا بل تحبذه أيضا، هو حماية استقرار الأردن الحليف التاريخي للولايات المتحدة الأميركية، وضبط حدوده الشمالية، وهذا التعهد ضمنه أوباما منذ اندلاع الثورة السورية، وظهور بوادر حرفها لتكون حربا أهلية في سورية.
إذا هذه الأهداف كما هو بيّن لا تقتضي مناطق آمنة كما نفهمها كسوريين، أي غطاء جوي صلب ومنع كامل للاشتباكات العسكرية، بل هي مجرد إعادة توزيع للقوى العسكرية في الجنوب. لماذا أجزم بهذا الطرح؟
الهدفان الأولان بينان وواضحان للكثيرين ولا حاجة للمزيد في الكلام حولهما. الهدف الثالث المتعلق بالأردن سأقارنه وفق الأرقام الرسمية الأميركية:
وفق تقرير حديث معدّ في الكونغرس الأميركي من قبل Congressional Research Service، في شهر حزيران 2017، حول العلاقات الأميركية الأردنية، وبعنوان Jordan: Background and U.S. Relations نجد الأرقام التالية المعبرة:
في عهد اوباما في 2012 تم رفع قيمة المساعدات الاميركية السنوية للأردن لتكون أكثر من بليون دولار. وحسب نفس التقرير بلغت مساعدات الولايات المتحدة الأميركية للأردن من 1946 إلى 2011 تقريبا 12,655 مليون دولار، اي وسطيا حوالي 200 مليون دولار سنويا؛ لكن من عام 2012 لم تنخفض المساعدات عن 1000 مليون دولار سنويا (بليون). فهي من 2012 الى 2016 حوالي 6,642 مليون دولار.
هذه الزيادة الكبيرة هدفها الاساسي ضمان ما تعهد به اوباما والسياسة الاميركية استراتيجيا بالحفاظ على استقرار الاردن. ومن الواضح أن أي مشروع مستقبلي يحوي أكثر من مجرد ضبط توزع القوات العسكرية في جنوب سورية، يقتضي حكما زيادة كبيرة وهائلة في قيمة المساعدات الأميركية للأردن، لكي يستطيع الأردن التجاوب الفعّال مع أي خطة، وضمان استقراره وأمنه، فهذه المشاريع إن كانت مقررة لن تكون سهلة ومجرد ورقة وتوقيع، بل يجب أن يسبقها تهييئ أكثر كلفة للاقتصاد والقدرة العسكرية الأردنية.
بالإضافة لذلك، وحسب مركز السياسة الدولية، فإن الميزانية الأميركية للعام 2018 تضمنت من بين ما تضمنته تخفيضا على ميزانية ما تسميه واشنطن محاربة الإرهاب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 35% مقارنة بالعام 2017. أي أن لا وجود لنية تحرك عسكري فاعل حول سورية يحقق ما انتشر في الإعلام حول المناطق الآمنة أو التقسيم أو غير ذلك، فذلك يتطلب على الأقل تمهيدا ماليا في الميزانية العسكرية الأميركية، فالولايات المتحدة ليست قبيلة تتخذ قرارات التحرك العسكري الكبير بين ليلة وضحاها، وسورية ليست قرارا صغيرا أميركيا بكل الأحوال.









