
29/05/2017
علاء الدين الخطيب
أهم ما أثبتته ثورات العالم العربي الأخيرة، أن المشكلة ليست فقط في السلطة السياسية، بل أيضا في السلطة الدينية، وفي السلطة النخبوية. وهنا يهمني السلطة النخبوية، التي تعني طبقة ما يسمى المثقفون العرب أو النخبة التي احتكرت منابر الإعلام منذ عقود طويلة، حتى من كان منها يغط في سجون السلاطين. منذ سنين وأنا أقرأ بعض الصحافة العربية وأطالع مجبرا بعض الفضائيات أسأل السؤال البديهي: كيف يصح أن يبقى نفس القلم والصوت مسيطرا على الإعلام العربي قبل وبعد 2010؟ بعد ذاك التاريخ كل قلم وصوت توجه بقسوة ضد أحد السلطات العربية، فلم تنجو سلطة عربية من قلم وصوت مشهور يفكك أسس قوتها، فماذا كانوا يفعلون إذا قبل 2010؟ سألت هل كان الحال نفسه قبل وبعد 1967؟ سألت كبار العمر، عدت لبعض ما تيسر من تواريخ، فكان الجواب الصادم: نعم، بقوا هم أنفسهم قبل وبعد نكسة حزيران، ما عدا مذيع عبد الناصر المفضل أحمد سعيد؛ فكيف ذلك؟ كيف تكون أنت نخبة وتدعي أنك تقود وتوجه مسيرة وعيي كشعب، ثم تبقى أنت نفسك قبل وبعد الزلازل والهزائم؟ كان الجواب في 1967، إنها المؤامرة الإمبريالية الصهيونية، فأيامها لم يكن للإسلاميين صوت عال ليضيفوا صفات الصليبية واليهودية ويوزعونها ما بين سنة وشيعة؛ لكن ماذا حول الزلزال الأكبر: ثورات الشعوب العربية منذ سبع سنين؟ الأجوبة تعددت كثيرا.
بعضهم اختار البقاء في بلاط السلطان، فلم تختلف شياطين شعره كثيرا، فما زال مدّاحا للقائد الخالد، ونوّاحا على المؤامرة الكونية، وسبّابا لجموع الهمج الذين تطاولوا على قائده. وبعضهم اختار مسار الشعب، لكنه نقل عقال ناقته إلى سلطان بلد آخر ما بين ضفاف الخليج العربي وضفاف بحر إيجة، فتغيّر اللون لكن بقي المنتج بنفس المذاق. وبعضهم اختار مسار الشعب، وترك ناقته بعقالها، فتفجرت طاقاته في تتبع سذاجة المقولات الشعبية، والتفسيرات الشكلية، فغاص بتاريخ الطوائف والملل والنحل والقبائل والعروق، وأبدع مصطلحات العلوية السياسية، والهلال الشيعي، والمد الوهابي، ولم يعط مساكين الشارع غير ترداد ما يسمعوه على فضائيات العرب في اتجاهاتهم المعاكسة بين تجار الشعارات.
بعضهم مثل أدونيس، لم يملكوا ناقة أساسا، فهي من رموز البداوة، بل رابطوا عند أثداء عشتار واستظلوا بأجنحة زيوس ورقصوا على ملحميات جلجامش؛ وقد فاجأهم الشارع العربي البدوي المتخلف، الذي لا يستطيع فهم شعرهم وكلامهم: كيف يتحرك مئات الآلاف قبل أن يطرقوا أبوابهم؟ لقد كان زلزلا أيقظهم من خشوع الطقوس الفلسفية، وأخرجهم من سكرات تحليلات العقل العربي، ليجدوا أنهم خارج الزمن والمكان.
فانقض أدونيس منذ 2011 يهاجم من يصيح الله أكبر، بدل أن يصيح “يا ملكة السماء، العارية على أرداف الوديان الحبلى”. ثم عاد بعد سنين يحاول التبرير بعد أن زاد غبار المعارك، فيتبرأ من السلطان، لكن نظره لا يستطيع أن يرى أبعد من بعير داعش، تحمل الرؤوس المقطوعة والجواري الحلال. ثم بعد صمت طويل عاد أدونيس يتكلم عبر جريدة الحياة، ينسف كل شيء، ويصيح بالناس: أيها المتخلفون، يا من أنتجتم السلطة من وعيكم، دمرتم كل شيء، أيها الهابطون الذين لا ترون صفصافتي الفاتنة، كيف سرقتم ظلها، يا من أنتجتم الاستبداد، فأخرجتم الأرض من حلمها بين أثداء الشمس، باحثة عن ألم الماء في ولادة الزبد.
لنبتعد عن أسلوب أدونيس، الذي قال هو عنه عندما سألوه لماذا يكتب بأسلوب صعب لا يفهمه القارئ العادي: لن أنزل لعند القارئ العادي، هو من يجب أن يرتقي إلي؛ ولنسأل السيد أدونيس أسئلة بسيطة مباشرة لا تحتاج لأوراقه الكثيرة الواردة بمقالته:
السؤال الأول: ماذا قدمت للإنسان العربي والسوري خصوصا، كمثقف مشهور يصنفوك كشاعر عبقري؟ أنت تعلم أن كلامك وكل منتوجك لا يصل إلى كثير من المتعلمين، فكيف بعموم الناس؟ وأنت تعلم أن نصف من يصفق لك على الأقل لا يفقه من كلامك شيئا، سوى أنها ضرورة البريستيج في صالونات الثقافة؛ فما هو الوعي أو الفكرة التي حاولت أن تصل بها لقلوب أو عقول الناس خلال عمرك المديد؟
السؤال الثاني: ما هي جملة مقارنتك؟ بمن تقارن الربيع العربي؟ هل شاهدت كيف صوّت نصف الشعب في أغنى وأقوى دولة عبر التاريخ، وهي الولايات المتحدة الأميركية لشخص عنصري جشع وأحمق مثل ترامب؟ هل شاهدت كيف أن تراجعا في المستوى الاقتصادي لا يتعدى واحد بالمئة في الشارع الأوروبي، دفع اليمين المتطرف إلى الواجهة السياسية وأخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟ هؤلاء لم يحكمهم جلاد مثل بشار وأبيه ومبارك والقذافي وصدام وغيرهم من ظلام العرب، ولم يعانوا من الفقر والظلم اليومي، ولم ينقصهم التعليم والترف والرفاهية، ومع ذلك في أول ريح اهتزوا، فبمن تقارن يا أدونيس؟ أتقارن بشعوب السوفيات السابق، لا أحسب ذلك، إلا إن كنت تعتبر بوتين مؤسس الدولة الفاضلة بين فقراء روسيا.
السؤال الثالث: بما أنك تطالب الناس أن تقرأ قبل أن تكتب، فهل فعلا أنت قرأت؟ هل قرأت عن الجموع البشرية يوم تتحرك باتجاه غاية واحدة، كيف تهددها الفوضى إن غابت النخب والقيادات؟ هل قرأت عن صناعة الرأي العام في القرن 21، وكيف استطاع اليمين المتطرف في الغرب القفز إلى واجهة العمل السياسي، لأن معايير التحكم بالمعلومات دخلت بعصر الفوضى الهدامة، والنظام العالمي الجديد الذي سبب الأزمة المالية العالمية، واتفاقيات تحرير التجارة فرضت حتميات هي لا تستطيع التحكم بها.
السؤال الرابع: بما أن الناس يهبطون كما تراهم لأنه هوايتهم في ورقتك 18 هي الهبوط، هل صعدت أنت لتملك نظرة علوية بمعنى نظرة شاملة ترى العالم، وتسبر أغوار الصراع الدولي فوق سورية، وتفهم أسبابه ومصالحه وأدواته وأهدافه، ثم تحاول بعدها ملاحقة هذا “الهابط” الذي تراه؟ أم أنك ترى نفسك أساسا في الأعلى منذ أن عشقت عشتار أدونيس؟
السؤال الخامس: بما أنك لا تحب الشرانق في ورقتك السادسة، فما هي الشرنقة التي حطمتها منذ أن أصبح اسم أدونيس مشهورا؟ أم أنك لم تجد في مواقفك منذ 40 سنة شرنقة؟ ألم تحرك بك المآسي شكا في بعض شرانقك؟ من بينها، هل كوني إنسان لا ديني يعني أن الناس يجب أن تصير مثلي قبل أن أعترف بحريتها وأفكارها؟
السؤال السادس: معك كل الحق في استهجان قطع الرؤوس والرايات السود وقوافل الجواري وسيطرة الكهان الإسلاميين على الناس، وأنا لست متأكدا إن كنت ترى كهان الشيعة مثل كهان السنة، ففي تاريخك ما يقول إنك صفقت لكبير كهان الشيعة الخميني؛ بكل الأحوال، ماذا فعلت أنت لتقف أمام هذه السلطة الجشعة باسم الدين؟
السؤال السابع: من تبكي أيها الشاعر العظيم الحداثي؟ ففي أوراقك لا نرى سوى فرد عربي، حتى أنك عندما تسميه إنسانا، تفرغه من إنسانيته إلا دمه، وتضعه ضمن قالب فارغ، هوايته الهبوط؛ فهو من ولد السلطة، وهو من هدم المدن العربية؛ فمن تبكي إذا؟ إذا كنت لا ترى الإنسان، ولا تحترم حتى حرمانه في معسكرات اللجوء، بل تراه خيبة وتسولا، فلماذا تبكيه؟ أتبكي إنسانا في خيالك؟ يمكنك بكل بساطة إن لم ترَ بشرا إنسانيين، بل أعدادا من القوالب الهابطة أن تنساهم، وتتركهم بحالهم، فمن لا يستطيع فهم الناس ولا الإحساس بهم، ولا التواصل معهم، الأفضل أن يعتزلهم؛ واسم بحجم اسمك سيجد كثيرا من صالونات بريستيج النخبة في الغرب والشرق ممن سيمجدون أعماله “الإبداعية”.
الجواب الأخير
الشعوب العربية وغير العربية في أرض الأنبياء النازفة، هي أكثر الشعوب يتماً وفاقةً؛ فسلاطينها ساطوا جلدوها، ونخبتها الليبرالية تعالوا عليها واحتقروها، وشيوخها ورجال أديانها تاجروا بصكوك جنتها وجحيمها، ومفكروها ومحللوها حولوها لطوائف وأعراق، ورسموها وفق هلال شيعي وعلوية سياسية، وأعراق خائنة وأعراق مظلومة؛ وزعماء معارضاتها سراق ثوراتها باعوها في مزادات الدول والحكومات؛ فقل عقلا يا أدونيس، أو اصمت، أو بأسوء الأحوال ارجع إلى أفروديت وغازلها فهذا أثوب عند الله وأكثر أجرا.









