الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

كلام حول رسالة معاذ الخطيب لـفرعون سوريا

01/04/2019

علاء الدين الخطيب

 

بث الشيخ معاذ الخطيب، رئيس الائتلاف الوطني سابقا، رسالة فيديو على موقعه على اليوتيوب تحت عنوان “حوار هادئ مع فرعون سوريا“، في 28 آذار الحالي، استغرقت 38 دقيقة. وحسب قناة الشيخ معاذ فقد وصل عدد المشاهدات خلال يومين إلى أكثر من خمسين ألفا، وهذا رقم كبير في الفيديوهات السياسية السورية، مما دفعني إلى كتابة هذا النقاش لما قاله الشيخ معاذ، فالكلمة لم تمرّ مرورا عابرا مثل أي مقابلة مع أيا من سياسيي أو مشاهير المعارضة السورية.

توضيح أساسي

النقاش هنا هو لكلام الشيخ معاذ، ومعه كشخصية معروفة عامة، يسمعها الكثيرون سواء اتفقوا معه أم لا؛ ولا يحمل النقاش أي ضرب بالنوايا أو القلوب أو اتهامات بأي شبهة أو تقييم أخلاقي للشخص نفسه.

الهدف من الرسالة

كما قال الشيخ معاذ فالهدف هو إيجاد حل نهائي لمأساة السوريين، والطريق هو توحيد السوريين في خندق واحد، وأحد الوسائل هي الحوار أو التفاوض مع نظام الأسد، لتشكيل حكومة تكنوقراطية، بدون شروط مسبقة، مع القبول باحتمالية تخلي بشار الأسد عن منصبه.

الهدف والطريق نحوه نبيلان ولا شك، وأعتقد أن غالبية السوريين متوافقون عليهما، مهما كانت حالهم أو توجهاتهم. والوسيلة المُقترحة مطروحةٌ منذ سنوات طويلة، أي التفاوض، وباشرها النظام الأسدي وهيئات معارضة كثيرة، فلا غبار مبدئيا على الفكرة.

من هو مُرسل الرسالة؟

الشيخ معاذ لم يعرف نفسه في الرسالة، من يمثل برأيه هو، بغض النظر عن آراء الآخرين. هل هو يتقدم بهذه المبادرة أو الرسالة باسمه الشخصي فقط؟ أم أنه يمثل السوريين المعارضين لبشار الأسد؟ أم أنه يمثل جزءا من هيئات المعارضة السورية؟ هل هو سياسي في دعوته أم شيخ أم مواطن سوري عادي؟ احتمالات كثيرة، يمكن لأي كان الإجابة بما شاء. لكن يمكننا من خلال الإشارات المبهمة التي تكلم بها الشيخ معاذ عن الروس والأمريكيين، وضمير “نحن” الذي ورد بكلامه، أن نستنج أنه يتكلم باسم مجموعة سورية معارضة، والتي يبدو أنها خارج هيئة التفاوض، لأن الأخيرة لا تعجب بعملها الشيخ معاذ. بكل الأحوال ومن الناحية التقنية السياسية، إن لم يُعرِّف الشخص نفسه من حيث التمثيل أمام الطرف الآخر سياسيا، فلا أحد سيأخذ كلامه جديا، حتى لو كان الشيخ معاذ الخطيب.

طابع الرسالة

غلب على الرسالة الطابع العاطفي، والاستشهاد بأمثلة عن أشخاص حقيقيين عانوا الأمرين؛ وهو أسلوب معروف في الخطابات السياسية الشعبية. والسؤال، إذا كانت الرسالة موجهة فعلا إلى بشار الأسد، وهو الذي يملك كل المعلومات والأرقام تصله من رجالات نظامه، ومن حلفائه الإيرانيين والروس، فهل سينفع معه هذا الاستجداء العاطفي؟ (بالرغم من تلميحات ضمن الفيديو حول أن بشارا قد لا يكون عالما بكل شيء). أما إن كانت موجهة لجمهور النظام الأسدي المصدق أن بشارا ورجالاته سيعيدون الأمان لسوريا، فهل هذا الجمهور يعيش خارج سوريا ولا يرى، ولا يعاني، ولا يلمس هذه المعاناة؟ إن العاطفية المبالغ بها لا تنفع في حل مشكلة خناقة بين عائلتين في نفس الحي، فكيف ستنفع في الكلام عن مصير بلد؟

التوازن المختل في الطرح

بدأ الشيخ معاذ كلامه بما يمكن تسميته بطريقة ما نقدا ذاتيا، لخطايا بعض الفصائل المسلحة المصنفة كمعارضة لنظام الأسد، وندد بما مارسوه من سرقات وجرائم، وهذه شجاعة تُشكر عند الشيخ معاذ، إلا أن إغفاله لما مارسته مليشيات النظام سواء المكونة من سوريين، أو مرتزقة غير سوريين، من سرقات وجرائم أبشع، يجعل المستمع يشعر بأن النظام لم يستخدم المليشيا الفوضوية المسلحة في صراع الثماني سنوات، هذا بغض النظر عن ممارسات الجيش النظامي، فيما اشتهر تحت اسم “التعفيش”؛ بل هو خلال الدقائق الأولى يعتب على النظام لأنه عمّم صفة العمالة والتخوين على كل من ثار ضده، بسبب من سرق الآثار والنفط (من فصائل تعربشت على الثورة)، وكأن النظام ما زال حَكَما، وقد أخطأ هذا الحَكَم بحكمه.

أعتقد أن الشيخ معاذ لم يقصد هذا المعنى، لكن مجريات الكلام، وسياق الرسالة يوحي بهذا المعنى، فمن المفترض أنه منح الرسالة قبل تسجيلها ما يكفي من تفكير وترتيب، وقد كان واضحا وجود ورقة أمامه. أما تكرار جملة أن النظام هو المسؤول الأول عما جرى في سوريا، وانتشار الفساد والمعاناة اليومية بين السوريين في مناطق سيطرة النظام، في مواضع أخرى من الفيديو، فلا تكفي لتوضيح اللبس واللغط في سياق الكلام.

لو كانت الرسالة موجهة لجمهور الثورة السورية، لوجب طبعا التركيز على الأخطاء والخطايا من قلب الثورة والتي جرت باسمها؛ لكن بما أن الرسالة موجهة لبشار الأسد أو جمهوره، فلا يجوز ألا تكون المقارنة واضحة بين جرائم مليشيات النظام وحلفائه، وبين جرائم المليشيات التي سرقت اسم الثورة.

الوعي السياسي عند الشيخ معاذ

ما زالت نفس المشكلة تلاحق الشيخ معاذ الخطيب منذ العام 2011، فهو من أهدر ثلاث دقائق من أصل خمسة عشر دقيقة مُنحت له ليتكلم في مؤتمر مراكش لأصدقاء الشعب السوري في نهاية العام 2012 وأمام ما يزيد عن مئة دولة، في الدفاع عن جبهة النصرة، بدل أن يستغل هذا التجمع العالمي الذي قلّ نظيره، لكي تصل الرسالة الصحيحة للثورة السورية إلى العالم. أما في رسالته هذه، وبعد أن أشعرنا أنه سيبوح بسرّ خطير في بداية كلامه عن اللعبة الدولية، بعد أن تكلم عما يراه تناقضا بين ضرب إسرائيل لإيران في سوريا واحتلال الجولان وبين تحالف روسيا مع النظام، فإذ به يخبرنا بأن دوائر التحالفات الدولية معقدة ومتعاكسة أحيانا، فكان مثل من فسر الماء بعد الجهد بالماء.

Image result for ‫مؤتمر مراكش لأصدقاء الشعب السوري‬‎

ثم يشير خلال كلامه إلى استهداف سوريا ربطا بخوف إسرائيل من أي قوة بالمنطقة، واستهداف ليبيا والعراق واليمن، وفي موقع ثانٍ يثني على كلام بشار عن المؤامرة، بل يتفاخر أنه يعلم ما لا يعلم بشار، ويقول إن القائد الصحيح يعلم كيف يفرز العميل الحقيقي من غير الحقيقي، وكأن خطأ بشار ونظامه كانت فقط في تحديد من هو العميل الحقيقي.

من حق الشيخ معاذ أن يؤمن بنظرية المؤامرة، ولن أناقش خرافيتها هنا، لكن يوم يضعها ضمن هذا السياق، حتى لو بدى أنه تخطيئ لسلوك النظام، يؤدي بالمحصلة لدعم حجة النظام الأسدي الدعائية حول المؤامرة الكبرى.

المظلوميات

التحريض والتسعير الطائفي والقومي في المأساة السورية هو أكثر الأدوات والأسلحة فتكا، وتم استخدامه من قبل جميع المتحكمين بالصراع، سياسيا وإعلاميا وعسكريا ودينيا، وهذا الموضوع لا يجوز تناوله وفق طريقة طرح الشيخ معاذ للمظلوميات، التي لا يمكن تجنب وصفها بالساذجة. فهو كما يبدو يشارك القناعة السائدة، المبنية منذ قرون، والتي رسخها حكام العرب والمسلمين سنة وشيعة، حول التحاقد الطائفي، فيتكلم عن المظلومية الشيعية والمظلومة العلوية تاريخيا، وكل همه أن يعلن وفق رؤيته موقف “أهل السنة والجماعة”، وبراءة عامة المسلمين السنة من الظلم الذي وقع على العلويين سابقا، ويصف هذا التقاتل التاريخي بالحماقة؛ لكنه يوم ينتقل لمظلوميات العصر الحالي لا يجد سوى مظلومية الإخوان المسلمين في سوريا ليقدمها كبرهان؛ التي كما يبدو أنه أراد من خلالها نقد، وربما التنديد، بسلوك الإخوان المسلمين في المعارضة السورية، ليمايز نفسه عنهم؛ ثم يشير إشارة غير مباشرة أيضا للفكرة المغلوطة والسائدة عند البعض، والمغرضة عند الإعلام، عن مظلومية السنة حاليا في سوريا، مؤكدا بذلك أن الصراع في سوريا صراع طائفي، دون الإشارة لضرورة وعي الفرق الهائل بين النظام السلطوي المُستغِل للطوائف والعرقيات، وبين الطبقات الشعبية، على الأقل من باب المقابلة في كلامه.

ألم يكن الأحق والأعقل أن يتكلم عن المظلومية السورية المعاصرة أمام نظام ديكتاتوري فاشي دموي، بدلا عن لوم “حماقة تعلق طائفتين بمظلومية تاريخية مضت”، وتركيز المظلومية الحالية على الإخوان المسلمين فقط، والإشارة للسنة كمظلومين حاليا؟ إنها مظلومية ذاق مرّها وألمها كل السوريين، وهو ظلم استغل في استمراره وتوحشه التنوع والإرث الطائفي والقومي في سوريا، لترسيخ الشروخ بين السوريين.

لا أريد مناقشة المشكلة الطائفية في سوريا الآن، فهي من أكبر المشاكل والصعاب القائمة، لكنه موضوع طويل ليس هنا مكانه. إن تناول الشيخ معاذ هذا الموضوع بهذه الخفة، ووفق القراءة السطحية الشعبوية المنتشرة للواقع السوري، لا تقدم للسوريين نظرة متوازنة عميقة للوطن والدولة السورية، التي من المفترض أن يحملها الشيخ معاذ وهو يقدم مبادرة يُفترض أن تكون مبادرة وطنية جامعة لإنقاذ الوطن السوري.

ليسوا نصارى

خلال حديثه، يشير الشيخ معاذ للمسيحيين السوريين بكلمة “نصارى”. متى سيدرك شيوخ المسلمين أنه لا حق لهم إنسانيا ووطنيا تسمية غيرهم بما شاءوا من أسماء؟ المسيحيون هم المؤمنون بالديانة المسيحية نسبة للسيد المسيح، وليسوا نصارى بما تحمله تاريخيا ومشيخيا من معاني سلبية، ومن نظرة فوقية يجسدها كلام الشيوخ وأدعيتهم. والأهم من ذلك المواطنون السوريون المسيحيون لا يحبون ويكرهون أن يتم وصفهم بالنصارى، فبأي حق يقول لهم من يقدم مبادرة وطنية سورية أنتم نصارى؟ حتى على المستوى الشعبي السوري، لم يكن غالبية السوريون يقولون عن المسيحيين سوى مسيحيين.

أما من وجهة نظر إسلامية، بافتراض غير مقبول أنه يحق لنا في الوطن السوري تبني وجهة نظر دين من أديان سوريا، ألا يعلم الشيخ المسلم معاذ أن واجبه أن يدعو الناس بما تحب، وليس بما يؤمن هو به.

المبادرة الصحيحة

لا أريد الآن الدخول في تفسيرات غيبية ومؤامراتية حول صاحب القرار في سوريا، لكن من أسس الوعي السياسي بالصراع الدولي الحاصل فوق سوريا، والصراع داخل سوريا، هو إدراك حقيقة أن مصير سوريا ليس متعلقا بقرار يصدره بشار الأسد، لأنه مجرد رأس لهرم سلطوي معقد متداخل ومتناقض، وعاجز بنيويا عن سلوك أي سلوك مخالف لما مارسه خلال السنين الماضية. وقرار قيادة هذا الهرم مرتبطة عضويا واستراتيجيا بالنظامين الروسي والإيراني أولا، وهما عاجزان ذاتيا وموضوعيا عن حل مشاكل بلديهما فكيف لهم حل مشكلة سوريا، خصوصا بوجود معسكر دولي مقابل يتصارع معهم فوق سوريا.

وإن كان قصد الشيخ معاذ التوجه للسوريين، فبالتأكيد ليس هذا هو الخطاب الجامع الذي يقدم رؤية مختلفة جديدة لسوريا الوطن والدولة المرجوة، لا بهذه العاطفية الدرويشية، ولا بهذه الرؤية المسكونة بالتفسير الطائفي الغير متوازن، والقائمة على منهج نظرية المؤامرة.

نعم، إن الواقع الدولي يفرض حقيقة هي أنه من المستبعد جدا وصول المقايضات الدولية حاليا فوق سوريا لحل نهائي، وبالتالي فالحل الوحيد الممكن هو توحيد جزء كبير من الشعب السوري خلف خريطة طريق واحدة، كما أشار الشيخ معاذ، لكن السؤال الذي فشلت هذه المبادرة في الإجابة عليه هو كيف؟ لذلك كان يجب على الأقل أن يكون عنوان الرسالة ووجهتها “حوار صادق بناء موضوعي صريح مع المواطنين السوريين”؛ وأن تقوم أولا على تقديم رؤية عملية موضوعية ترتكز لفهم عميق للصراع الدولي فوق سوريا، وأسلحة هذا الصراع من تجييش طائفي وقومي وسياسي، وأدوات هذا الصراع من إعلام وشائعات وفرق تشبيح وتشويش، وأموال وطبقات أغنياء وأمراء حرب؛ وتقديم ركائز الحل التي ستستغرق سنينا صعبة.

إن نقد ما قدمه الشيخ معاذ الخطيب، كشخصية عامة معروفة على نطاق واسع، مهم بسبب شهرته كواحد من بضع شخصيات سورية عامة عرفهم السوريون أكثر من غيرهم. فالشيخ معاذ ليس وحده من فشل في تقديم الرسائل الصحيحة للسوريين بل يشاركه أيضا السادة برهان غليون، وهيثم مناع، وجورج صبرا، وميشيل كيلو، وقادات التيار الإسلامي السياسي، باعتبار أنهم حظوا بأوسع شعبية بين السوريين، سواء عند من وثقوا بهم وأحبوهم، أو عند من عادوهم، فهذه الشهرة في الحال السورية مسؤولية كبرى، لم يحسن أيا منهم استغلالها، وحمَّلوا هم وغيرهم كل الأخطاء والخطايا على الآخرين، بدون أي نقد ذاتي شجاع.

السوريون ليسوا بحاجة لمن يبكي عليهم، ولا لمن يصرخ من أجلهم، ولا لمن يتعالى عليهم من أبراج نخبوية متثاقفة، ولا لمن ينافق مشاعرهم الجمعية، بل لمن يخاطبهم بصدق ووعي عميق للصراع الدولي، ولبنية الشعب السوري، ومشاكله الذاتية والموضوعية.

 

بروكار برس

 

 

قد يهمك