الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

هل سورية بلد اصطناعي؟ بين بريجنسكي وترامب

10/04/2019

علاء الدين الخطيب

عاد إلى ذاكرتي برنامج كان قد أذاعته قناة NBC news الأمريكية في بداية شهر نيسان من عام 2013، وهو برنامج “صباح جو“. في تلك الحلقة جرى نقاش حول عدة أزمات عالمية في كوريا الشمالية وإيران وبالإضافة لسوريا. ضم النقاش توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا سابقا، و زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد جيمي كارتر. منحوا الموضوع السوري 5 دقائق من نقاشهم، لكن ما أثار غضبي جملة قالها بريجنسكي في معرض تحليله لأسباب الأزمة وفق عقلية الرجل الكاوبوي الأمريكي الأبيض “سورية بالواقع بلد اصطناعي منذ سايكس بيكو” وهنا علق ضيف آخر ضاحكا: “يجب أن نلوم المملكة المتحدة لإعادة رسم الخرائط في كل مكان”، فشاركه بلير، شريك جورج بوش بالحروب الدموية، الضحك مؤكدا ما قال. ما يثير الغضب هو هذه العقلية الأمريكية المتعالية المنتشرة بين كثيرين من السياسيين الأمريكيين، والنابعة من نزعة تعالي العرق الأبيض التي ما زالت الثقافة الأمريكية لم تتطهر منها.

فبريجنسكي المسكون بعقل المنتصر يتكلم من دولة ليست فقط اصطناعية، بل مؤسسة تاريخيا على مجازر إبادة جماعية نالت عشرات الملايين من سكان أمريكا الأصليين. وفي العصر الحديث يقوم اقتصاد هذه الدولة على سرقة كل إنسان وطفل على هذه الأرض مهما بلغ خواء معدته. فكل إنسان بالعالم يساهم دون علمه بربع مصروف المواطن الأمريكي الذي أيضا لا يعلم أنه يقتات على جوع فقراء العالم، بل يعيش مخدوعا بوهم “المعجزة الأمريكية”.

ما أثار هذه الذكرى لدي، كان قرار ترامب الأخير حول الاعتراف بضم إسرائيل للجولان. فترامب كما يتفق غالبية عقلاء الأمريكيين والغربيين، يجسد أسوء نماذج الانتهازية السياسية وانعدام القيم الأخلاقية، وكذلك أوقح أنواع العنصرية. وما كان لهذا الغرور أن يوصل شخصية مثل ترامب إلى البيت الأبيض، لولا وجود جذور لها بين العديدين من صناع القرار الأمريكي قبله. فالكثيرون يعتبرون بريجنسكي من عقلاء كبار الساسة الأمريكيين، فهو كان يعمل مع جيمي كارتر، الذي يُعتبر الأكثر قربا للعرب والفلسطينيين، وهو أيضا كان من كبار معارضي غزو العراق وسياسات جورج بوش الابن.  مع ذلك فأنا أفهم أن بريجنسكي هو بالمحصلة ابن دولة هي الأقوى والأغنى عبر التاريخ البشري، وهي التي ساهمت في تحقيق أهم المنجزات العلمية التي حققتها الإنسانية خلال القرن الماضي، فقد يكون لغروره أسباب واقعية، وقد يكون لجهله بسوريا أيضا أسباب معقولة. بكل الأحوال هذه دولتهم، وهذه مصالحهم، وهم يلعبون لعبتهم.

لكن المثير للألم أن كثيرا من الأقلام والعقول السورية تنطلق من نفس الرؤية حول سوريا، فتتبنى كلام السيد الغربي، أو تغرق في ردود الفعل العاطفية السوداوية، للهروب من مواجهة المشكلة، فكلما “دق الكوز بالجرة”، كما يقول السوريون، وضعوا ساقا فوق ساق، وكرروا: “سوريا نتاج سايكس بيكو”، فمنهم من يتابع سردية نظرية المؤامرة الكونية، ومنهم من يتابع جلد الذات، مما يدفع الإنسان للتساؤل، “علامَ إذا البكاء إن كنا نرى بلدنا دولة اصطناعية، أو ضحية لمؤامرة كونية لا راد لها؟”.

قد يكون من المؤسف أن نعيد ما يعرفه الكثيرون من السوريين، لكن كما يبدو أن ذاكرتنا انتقائية، فلا بد من إيقاظ بعض الأساسيات التي لا يختلف عليها اثنان.

سوريا، كإقليم يضم سوريا ولبنان وفلسطين والأردن حاليا، قائمة كأول حضارة بشرية منذ 12 ألف سنة، ليس بسبب بركات من الآلهة، ولا لأسباب جينية، بل بسبب الموقع الجغرافي وطبيعة الأرض والمناخ، فنهضت بعدها بقليل حضارات وادي النيل، وحوض الرافدين الفرات ودجلة. ولأن سوريا أم الحضارة الإنسانية فقد استوطن، وعبر، وأقام، وهاجر، وعاد، وغزا، وتاجر، وعاش، ومات، على وفي ومن أرضها وتحت سمائها غالبية عروق البشر وأفكارهم وأديانهم وطوائفهم وقبائلهم. سوريا باختصار أهم تجمع بيولوجي وفكري وعاطفي للبشر على هذه الأرض بهذه الأصالة التاريخية، وهذا ليس من باب الرومانسية بل هي حقائق التاريخ.

هذا التاريخ فرض على سورية وأهلها أن يرحبوا بالزائر والسائح والتاجر وعابر السبيل ويستوعبوا الغازي والمحارب.  فلم يشهد تاريخ سورية كله أي مجزرة أو تطهير عرقي أو ديني على يد أهلها يمكن أن نقارنه بما حصل لسكان أمريكا أو أستراليا الأصليين؛ أو بالمجازر المليونية بين البروتستانت والكاثوليك، وغيرها من حروب داخلية حتى منتصف القرن العشرين في أوروبا.

بل لا يمكن مقارنته بما حصل من اضطهاد ديني في المنطقة. فبعد أن كان شمال إفريقيا ذو غالبية مسيحية اختفت المسيحية منه، باستثناء مصر التي بقي بها حوالي عشرة بالمئة فقط من المسيحيين. وكذلك اختفت المسيحية واليهودية تماما من شبه الجزيرة العربية؛ ويذكر التاريخ أن مصر بدلت مذهبها الإسلامي مرتين خلال 300 سنة، من مذهب سني إلى مذهب فاطمي شيعي، إلى مذهب سني، قبل وخلال وبعد نشوء الدولة الفاطمية؛ أما العراق مع إيران وتركيا فقد دخلوا متاهة حروب لم تنته منذ نهايات العصر العباسي ونشوء الدولة العثمانية والصفوية.

هذا التمايز التاريخي يعود بأسبابه إلى الموقع الجيوسياسي أساسا، وليس من باب التفاخر أو التماهي العاطفي مع الوطن. والمقارنة نسبية بطبيعة الحال، فلم يخل تاريخ سوريا من نزاعات بين سكانها، واضطهادات دينية بين أهلها، لكن حجم ما حصل بالنسبة لعدد السكان لا يمكن مقارنته بكثير من بلدان العالم والمنطقة. والدليل أن مقارنة عدد الطوائف والأعراق في سوريا في عصرنا الحالي، مقارنة بحجمها مساحة وسكانا، وبغناها ومستواها الاقتصادي، يكاد يكون نادرا في كل دول العالم.  ففي سوريا يتواجد ما يقارب الخمسين طائفة دينية وأكثر من عشر قوميات. يوجد بفرنسا ربما ألف طائفة لكن هذا التنوع حصل لأن فرنسا كانت امبراطورية حكمت ربع العالم، ولأنها من بين الأغنى دوليا منذ مئة سنة، ومن هاجر أتى للمال والأمان؛ ومثل فرنسا قد تكون بريطانيا والولايات المتحدة وغيرهم من دول غربية. كذلك تحوي الهند ألف دين، لكن الهند قارة قائمة بحد ذاتها، هي أكبر من سوريا بستين مرة حجما وسكانا.

سوريا الطبيعية، ورغم أنها لم تشهد نشوء امبراطوريات تقارب حجما امبراطوريات مصر والعراق وتركيا وإيران، أي الفراعنة والبابليون والرومان والفرس وغيرهم، إلا أنها عرفت دولا أقدم أثْرت الحضارة الإنسانية. ومع ذلك بقيت سوريا في مراحل ضعفها الطويلة إقليما جغرافيا واضحا، فلا هي جزء أصيل من امبراطورية الآشوريين أو الفرس، ولا جزء أصيل من امبراطورية الفراعنة أو الرومان؛ وحتى خلال عهود تقاسم السلطة في الإمبراطورية الإسلامية كانت دائما مثار نزاع بين من يحكم مصر ومن يحكم العراق أو من يحكم تركيا.

قد تكون سوريا الآن أصغر مما كانت، لكنها بالتأكيد كانت قبل أن يصل جدود بريجنسكي إلى ضفاف الأطلسي، وقبل أن يحرق النازيون ستة ملايين يهودي، وقبل أن ينتج النظام الأمريكي المريض رئيسا عنصريا أهوجا كترامب. سوريا كانت قبل أن يسرق اسمها الطاغية الأب ويحوله إلى “سوريا الأسد”، وقبل أن يتدفق عليها شذاذ الآفاق من جهاديي السنة والشيعة، ليشعل الطاغية وإياهم حربا دموية لم تشهد مثلها خلال آلاف السنين.

كانت سورية دائما كما هي الآن تشمل هذا الفردوس الممتد من قامات طوروس، إلى نهود البحر المتوسط، لتلامس أنامل البحر الأحمر، وتحتضن خواصر الفرات. وكونها خضعت للتقسيم ما بين سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، لا يعني أنها دولة اصطناعية، أو متجر قطع غيار يتاجر بها طاغية دموي، وشيخ تعصب طائفي، وامبراطور أمريكي مجنون؛ ولا يعني ذلك أن المطلب هو إعادة توحيدها بقديم خريطتها، ولا يعني طبعا التخلي عن جولان سوريا، خاصرة الوطن الأغلى، بل على الأقل ألا يساهم ألمنا في إنكار حتى اسمها، وقبول متاجرة العنصري والطائفي والامبراطوري بجسد سوريا.

 

 

بروكار برس

 

قد يهمك