الخميس. سبتمبر 3rd, 2026

Alaa Alkhatib

علاء الخطيب

لا فكاك للتحالف الروسي الإيراني في سوريا

02/05/2019

علاء الدين الخطيب

لم تكن علاقات الاتحاد السوفيتي بإيران الشاه جيدة، فشاه إيران كان من أهم حلفاء المعسكر الغربي إبان الحرب الباردة. وبعد سيطرة الخميني على السلطة في إيران بعد الثورة الإيرانية، لم تتحسن العلاقات بل استمرت أقرب لعدائية عبر عنها الخميني، الذي صنف الولايات المتحدة الأمريكية “شيطانا أكبر”، بتصنيف الاتحاد السوفيتي “شيطانا أصغر”. وهذا الموقف يعود، بالإضافة إلى رؤية الخميني كرجل دين متشدد للشيوعية على أنها ضد الدين، إلى عدة أسباب أهمها، دعم السوفييت لحزب توده وغيره من اليساريين الإيرانيين في صراع السلطة الذي أعقب سقوط الشاه؛ وغزوهم لأفغانستان دعما للنظام الشيوعي مما زاد من نفور الخميني وتخوفه؛ والأهم كان دعم السوفييت لصدام حسين في الحرب العراقية الإيرانية. أما من جهة السوفييت، فقد كان لديهم خوف عميق من الأيدلوجيا الإسلامية الثورية التي طرحها الخميني، باعتبارها أكثر جذبا لشعوب وسط آسيا ذوي الغالبية المسلمة من الأيدلوجية الشيوعية.

لكن العلاقات الروسية الإيرانية، البوتينية-الخامنئية، تحسنت باطراد مع نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي الذي شهد الكثير من التغيرات الكبرى، فالحرب العراقية الإيرانية وضعت أوزارها عام 1988، والسوفييت انسحبوا من أفغانستان خلال عامي 1988و1989، والخميني توفي في العام 1989، وسقط الاتحاد السوفيتي في نفس الفترة، وظهرت روسيا الاتحادية كوارث للسوفييت، وبالتالي أصبح للعلاقات الاستراتيجية بين موسكو وطهران وزن كبير في حماية أمنهما القومي سواء من جهة وسط آسيا بالتشارك مع الصين وتركيا، أو من الشرق الأوسط بالتشارك مع إيران أيضا بالإضافة لتركيا.

بدأت روسيا بتصدير السلاح إلى إيران في بداية التسعينات، ووعدت بإكمال بناء مفاعل بوشهر النووي الإيراني، وذلك في رد وديّ على دعم إيران لروسيا في حرب الشيشان الأولى 1994-1996، فإيران نفسها كانت أيضا متخوفة من عدوى تفتت الاتحاد السوفييت، وطموح الشيشان للاستقلال. وبسبب ذات التوجهات عملت إيران وروسيا بجهد كبير على إنهاء الحرب الأهلية في طاجيكستان 1992-1997 لصالح الحزب الموالي لروسيا. كما أن الطرفان دعما القوات الأفغانية المتصارعة مع طالبان في أفغانستان.

رغم التحسن الواضح في العلاقات خلال عقد التسعينات، إلا أن المشكلة الكبيرة التي نتجت عن سقوط السوفييت وبقيت للآن مصدر عدم اتفاق بين الطرفين، كانت نشوء خمس دول متشاطئة على بحر قزوين، هي إيران وروسيا وأذربيجان وكازاخستان وتركمنستان؛ فالخلاف المستمر للآن هو حول توزيع حصص كل دولة في هذا البحر الغني بمصادر النفط. أما مصدر التوتر الثاني فقد كان عقد اتفاقية غور-شيرنوميريدن 1995، بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، التي نصت على تحجيم تصدير التقنيات النووية إلى إيران.

مع بداية الألفية الثالثة، برز بوتين كحاكم قوي لروسيا الجديدة، فابتدأ بالتملص من اتفاقية غور-شيرنوميريدن، ووعد باستئناف التعاون النووي مع إيران. لكن الأمور لم تسرّ بتحسن مطرد، بسبب دخول النزاع الإيراني الأذربيجاني حول مياه قزوين مرحلة أكثر توترا، مما اضطر أذربيجان للتوجه ناحية الأمريكيين والأتراك، وهذا ما أزعج بوتين الذي أتى للسلطة حاملا لاستراتيجية تقوم على تعزيز سيطرة روسيا على كل الدولة المجاورة لها، ليشكل قاعدة جيوسياسية تمكنه من التوسع لاحقا إلى ما يعتبره إرث روسيا من الحقبة السوفيتية؛ بالإضافة لانزعاجه من سياسة الرئيس الإيراني خاتمي القائمة على إصلاح العلاقات الإيرانية الغربية.

رغم انفراج العلاقات مرة ثانية مع قدوم أحمد نجادي لرئاسة إيران، مدعوما بالتيار المحافظ الإيراني، إلا أن حاجة بوتين لعلاقات أوثق مع الغرب، وكذلك سياسة الصين الأكثر توددا للغرب، دفعته لمسايرة المساعي الغربية في لجم مشروع إيران النووي. هذه المسايرات ظهرت ضمن سلسلة من قرارات مجلس الأمن أزعجت الإيرانيين، وأبقت العلاقات متأرجحة بين البلدين، فلم تصعد لمستوى التحالف والثقة، ولم تنهار لمستوى التنافر. فقد ماطلت روسيا كثيرا في دعمها لإكمال بناء محطة بوشهر النووية، وتوافقت مع الصين على مسايرة سياسة أوباما تجاه إيران للحد من قدراتها النووية؛ لكنها في نفس الوقت دعمت نجادي في وجه الثورة الخضراء الإيرانية 2009. والأهم أن بوتين متمسك بقناعة أن حلفه مع نظام إيران الإسلامي ضرورة استراتيجية لأمن روسيا القومي، لأن البلدين مع الصين وايضا تركيا لا يملكون خيار الدخول بصراع مباشر، فأي صراع حقيقي سيؤدي لانفجار وسط آسيا بوجه الجميع؛ ولأن بوتين يعلم أن صداقة الغرب لا تعني أبدا المصداقية، وأن علاقاته مع الغرب ليست مستقرة، بل عرضة للتقلبات سواء من جهة الغرب أو من جهة تضارب المصالح الروسية الغربية.

حدث التغيّر الكبير والدراماتيكي على علاقات البلدين بعد اندلاع الربيع العربي 2011، وسقوط النظامين التونسي والمصري، ثم نظام القذافي تحت وابل النيران الغربية، وتصاعد الأزمة السورية وبروز خطر حقيقي يهدد بقاء النظام الأسدي في سوريا.

لقد كان واضحا منذ العام 2011 بالنسبة لروسيا والصين، بأن انتشار موجة المطالبات الشعبية بالديمقراطية والحرية تتسارع، خاصة باتجاه الشرق، فنجاحها في سوريا سيؤدي حكما إلى انتقالها إلى إيران، التي واجهت محاولة ربيع إيراني في 2009، وهذا سيؤدي بالتالي لوصولها إلى دول وسط آسيا، التي تشكل الخاصرة الأضعف والأكثر تهديدا لطموحهما الامبراطوري في القرن الواحد والعشرين؛ وفي أحسن الأحوال، من وجهة نظر مصالح روسيا والصين، حتى لو تمكنت إيران من صد موجة الثورات الشعبية، فإنها ستصبح في وضع جيوسياسي معقد وخطير جدا. فسقوط نظام الأسد في سوريا، سيؤدي غالبا إلى انتقال سوريا إلى الحلف الغربي الخليجي بشكل كامل، مما يعني حصر إيران من الشرق عبر الباكستان وأفغانستان المسيطر عليهما غربيا، ومن الغرب عبر دول الخليج العربي وسوريا المتحالفين مع الغرب، وحتى تركيا ذات العلاقة الممتازة مع إيران ربما تجد مصالحها باتجاه آخر. هذه الحسابات دفعت روسيا والصين، وفي مرات لم تحصل تاريخيا، لاستخدام حق النقض الفيتو مزدوجا ثلاث مرات في العام 2011 لمنع أي قرار أممي حاسم تجاه سوريا.

أما إيرانيا، فإن العزلة التي فرضها الغرب ودول الخليج العربي عليها، وبسبب كابوس الحرب العراقية والدعم الاستراتيجي الذي تلقته من حافظ الأسد فقد أصبح الممر الغربي عبر العراق وسورية وصولا إلى لبنان والبحر المتوسط ضرورة أمن قومي إيراني. لذلك كان القرار الإيراني واضحا في العام 2011، لا يمكن لإيران التخلي عن كون سورية حليف استراتيجي تابع أو متعاون، وهذا غير ممكن بدون النظام الأسدي.

ما أشيع حول أن دافع إيران في سوريا هو كون الطاغية السوري من الطائفة العلوية، أو أن طمعها بسورية هو لتشكيل هلال شيعي، يقع ضمن التفسيرات الشعبوية في أي حرب أو صراع بين الدول، التي رد عليها النظام الإيراني بدعاية إعلامية مقابلة تقول إنه يقف ضد المشروع الوهابي التكفيري الذي يريد السيطرة على المنطقة. كما أن الزعم بأن إسرائيل تستطيع إجبار روسيا على إخراج إيران من سوريا، لا يخرج عن كونه تفسيرا وهميا من تفسيرات نظرية المؤامرة، فإسرائيل ضمن موازين الصراع الدولي مجرد دولة صغيرة لا تستطيع تغيير اتجاهات هذا الصراع المعقد، مهما بلغت قوتها النسبية في المنطقة.

بالإضافة للربيع العربي فرضت عدة تطورات جيوسياسية على العلاقة الروسية الإيرانية أن تتوجه لتحالف أكثر قوة بحكم الضرورة، وليس بحكم الانسجام السياسي، وأهم هذه التطورات كانت:

1.     الأزمة الأوكرانية في نهاية 2013، والتي قصمت ظهر المحاولات المتعثرة طوال عقدين بين روسيا والغرب للخروج من أشباح الحرب الباردة، وكان احتلال روسيا لجزيرة القرم في بداية 2014 أول أسفين في نعش التقارب الروسي الغربي.

2.     توسع حلف الناتو باتجاه دول أوروبا الشرقية، ونشر صواريخ وقواعد عسكرية غربية في دول البلقان.

3.     العودة لسياسة العقوبات الاقتصادية الغربية ضد روسيا، بالإضافة لأزمة أسعار النفط 2015 التي زلزلت الاقتصاد الروسي والإيراني، والتي يعتقد الروس أن الأمريكيين والسعوديين كانوا وراءها.

4.     انتقال روسيا لاستراتيجية حروب السايبر ضد الغرب، وتعالي الإدانات الغربية لتدخل روسيا في اللعبة السياسية الداخلية للدول الغربية، سواء في دعم التيار اليميني المتطرف الأوروبي، أو الانتخابات الأمريكية الرئاسية 2016.

5.     انسحاب ترامب، أو تلميحه بالانسحاب، من كثير من الاتفاقيات الدولية، بما في ذلك اتفاقيات الحد من انتشار أسلحة التدمير الشامل، واتفاقية تجميد مشاريع الحرب الفضائية. بالإضافة لانسحابه من اتفاقية إيران النووية وزيادة الضغط الأمريكي على إيران.

كل هذه التطورات الجيوسياسية الدولية فرضت على روسيا وإيران حقيقة أن أي تصادم جوهري بينهما، سيؤدي إلى إضعاف موقفهما أمام الغرب، كما أنه سيشعل منطقة وسط آسيا بما يهددهما داخل حدودهما. وبما أن سوريا، منذ ثماني سنين، هي ساحة صراع الجميع ضد الجميع، فإن أي خلاف جوهري روسي إيراني يعد تهديدا كبيرا لمصالحهما الاستراتيجية، وبالتالي فلا خيار أمامهما سوى التنسيق والعمل معا. وبما أن كلا البلدين يدركان أهمية بقاء القوة الإيرانية في سوريا كداعم وحامل لنظام الأسد، فإن روسيا لا يمكن أن تعمل على إخراج إيران من سوريا.

لذلك فإن السيناريوهات المقترحة بأن روسيا ستتصارع مع إيران في سوريا من أجل بضعة مشاريع هنا أو هناك، أو من أجل بضع عشرات أو مئات ملايين الدولارات في مشاريع إعادة الإعمار، أو حتى من أجل ميناء عسكري على البحر المتوسط هي نظرة تبسيطية للواقع الجيوسياسي الدولي، ولتوازن القوى الدولي، وافتراض سذاجة وغباء لدى الروس والإيرانيين لا يستقيم مع تاريخ النظامين الطويل.

 

 

بروكار برس

 

قد يهمك