
15/07/2019
علاء الدين الخطيب
أجرى عالم النفس الأمريكي إبراهام لوشينز في العام 1942 تجربة معروفة باسم “اختبار إبريق الماء” أو “أبريق لوشينز ولوشينز”. تتلخص التجربة بما يلي:
يتم عرض مشكلة حسابية بسيطة على عينات الاختبار (أشخاص)، حيث يُطلب منهم استخدام ثلاث أباريق مياه فارغة هي: “أ”، “ب”، “ج”، وذات أحجام محددة، للحصول بالنهاية على كمية معينة من الماء. ومن حق الشخص استخدامها بأي ترتيب أو شكل. وتكرر التجربة عدة مرات، وبكل مرة تتغير الأحجام والكمية المطلوبة من المياه. مثلا في أول تجربة، الإبريق “أ” حجمه 21، والإبريق “ب” حجمه 127، والإبريق “ج” حجمه 3. والمطلوب الحصول على حجم مياه قدره 100. والحل هو ملء الإبريق “ب”، ثم إفراغ ماء منه في الإبريق “أ” حتى يمتلأ “أ”، ثم إفراغ ماء منه في الإبريق “ج” حتى يمتلأ “ج”، وتكرار العملية مع “ج” مرة ثانية. وبالتالي يبقى في الإبريق “ب” حجم الماء المطلوب، وهو 100. أي أن الحل هو: ب – أ – 2ج.
يتم تكرار التجربة مع نفس الشخص، بتغيير أحجام الأباريق وكمية المياه المطلوبة، لكن بحيث أن طريقة الحل السابقة تبقى صالحة دائما.
بعد تكرار التجربة عدة مرات، يُعطى الشخص اختبار يمكن حله بطريقة مختلفة، بل وأبسط، مثلا أحجام الأباريق هي: 23 و49 و3، والمطلوب كمية ماء تساوي 20. الحل البسيط هو ملء الإبريق “أ”، ثم إفراغ ماء منه يملء الإبريق “ج”. المفاجئ كان أن الغالبية لم تستخدم الحل البديل، بل فضلت استخدام الحل الأكثر تعقيدا الذي استخدمته سابقا عدة مرات.
هدفت هذه التجربة النفسية لاختبار ما يسمى تأثير الإعدادات الثابتة Einstellung effect، والتي لها دراسات واسعة في علم النفس. لكن ما يهمنا هنا هو أنها تفسر سلوك الأشخاص أمام المشاكل الجديدة أو الطارئة بما اعتادوا عليه في الماضي، أو بما تم زرعه بهم من سلوكيات وأفكار. ومن بين نتائج البحث المثيرة للاهتمام، أن تأثير الإعدادات الثابتة كان يتزايد مع تزايد العمر، ولم يبرز علاقة واضحة مع المستوى التعليمي أو الذكاء.
يمكن ملاحظة تأثير الإعدادات المسبقة على سلوك وتفكير الأفراد في حياتنا اليومية، فكثيرا ما يفضل الشخص الحل أو الفكرة أو الممارسة المجربة مسبقا، من قبله أو من قبل غيره؛ ومن ذلك قولهم “من يجرب المُجرَّب، عقله مُخرَّب”.
أما في واقعنا السوري والإقليمي، فكما يبدو فإن نتائج تجربة أباريق لوشينز ولوشينز ما زالت صحيحة.
أباريق سوريا
رغم ضخامة ما حصل في سوريا والدول الإقليمية منذ العام 2011، والذي يشكل ربما أول ثورة شعبية ضد الحاكم الظالم في هذه المنطقة، إلا أن هذه الثورات لم تنتج ما يوازيها على مستوى منهج التفكير والرؤية لدى العامة والخاصة من الناس، فغالبية من النخب والمثقفين، وغالبية الناس لم تستطع إطلاق نفس الثورة في نمط ومنهج تفكيرها المتوارث والتقليدي.
يمكن الزعم من خلال استطلاع كل وسائل الإعلام الكبيرة والصغيرة، ومنصات التواصل الاجتماعي، والكتب المنتجة خلال السنين والعقود والقرون الماضية، أن غالبية التفسيرات السائدة لأسباب المأساة التي يعيشها السوريون تتمحور حول بضعة تفسيرات ومنهجيات في فهم حركة تاريخ وواقع الحركة البشرية:
1- التفسير الغيبي: أي أن ما يجري هو إرادة الله، وغالبا هو عقوبة للبشر، وأن لا شيء يمكن فعله سوى العودة إلى الدين والإيمان الصحيح. وهذا تفسير يقدمه كثير من رجال الدين سواء الإسلامي أو المسيحي، ومن كل الطوائف والمذاهب؛ وهو منهج ضارب القدم تاريخيا عند طبقة الكهانة الدينية المتحالفة مع السلطة الحاكمة، لأنه يبرر كل أشكال ظلم وفساد وتجبر السلطة الحاكمة بابتعاد عامة الناس عن الدين الصحيح.
هذا التفسير منتشر في سوريا بين طبقة رجال الدين ومريديهم الذين بقوا تحت ظل النظام الأسدي، بغض النظر إن كانوا عاطفيا مع أو ضد النظام.
كما أن هذا التفسير انتشر أيضا بين معارضي النظام الأسدي، ممن يدفع باللوم على التيارات العلمانية أو الديمقراطية أو الحداثية “الفاسقة” وأحيانا “الكافرة” التي شاركت بالثورة.
2- التفسير الطائفي: منذ بداية الثورة السورية، أعلن النظام الأسدي أنها حركة تمرد شريرة طائفية، واستخدم كل أدواته لنشر هذه القناعة داخليا وخارجيا، وبتناسق ودعم كامل من حليفيه الأساسيين روسيا وإيران. واستمر التفسير الطائفي يتضخم بسرعة وبقوة من جهة النظام، ويدفع باتجاه التخندق الطائفي، محذرا من “الشر الوهابي أو الإخواني السني الكبير”.
بدأت الأصوات تعلو أيضا من جهات ادعت دعم الثورة ضد الظلم، لتقول إنها “ثورة سنية ضد النظام العلوي” منذ صيف 2011، وخلال عام واحد سيطرت هذه الأصوات على إعلام ما يُفترض أنه إعلام معارض أو إعلام مؤيد لثورة السوريين، حيث أفردت كبريات الفضائيات العربية مساحات ضخمة لنجوم التحريض الطائفي باسم الثورة السورية، كذلك فإن كتائب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي حملت نفس الرسالة، ومارست حربا معنوية قمعية ضد من يعارضها.
هذا التسعير الطائفي تلاقى طبعا مع الحرب الإعلامية المشتعلة بين حكومات المنطقة على ضفاف الخليج العربي، وتماشى مع حرب التجييش ما بين معسكرين كل منهما يتهم الآخر بحمل مشروع طائفي مدمر، مشروع “هلال شيعي”، أو مشروع “وهابي سني”.
هذه التفسيرات الطائفية أيضا ضاربة القدم في هذه المنطقة، كما كانت ضاربة القدم في كثير من دول العالم، فحلف الدين والحاكم لم يتوقف تاريخيا، والحروب التي نشبت باسم الدين والطوائف تملء صفحات التاريخ. فهي تفسيرات مجربة على مدى قرون طويلة من الخبرة البشرية المتراكمة.
3- التفسير القومي والعرقي: برزت أصوات خجولة في السنين الأولى للثورة تتبادل التهم ما بين المكونات القومية للسوريين، خاصة ما بين العرب والأكراد، وذلك عند عمليات تفصيل وترقيع هيئات المعارضة السورية وحصص كل فريق. لكن منذ تشكيل قوات الحماية الشعبية الكردية، وتوسعها لتصبح قوات سوريا الديمقراطية، اشتعلت حرب الاتهامات بالتخوين والسعي نحو التقسيم، أو نحو ترسيخ الظلم على الأكراد ما بين الطرفين.
يلتقي هذا التفسير مع التفسير الطائفي من حيث المنهج، وإن كان أقل وضوحا منه في الحركة التاريخية الأقدم، حين ساد التوصيف الديني والطائفي على العرقي.
4- تفسير نظريات المؤامرة: تجتمع المنهجيات الثلاثة السابقة على نفس المنهج، وهو منهج نظرية المؤامرة. التي تقوم على الإيمان بوجود طرف سري شرير يخطط ويتآمر منذ عقود، وربما منذ قرون “ضدنا نحن”.
ضميري “نحن” و”هم” في نظرية المؤامرة مرنان ويناسبان كل الأطراف والخنادق، ويمكن التنقل بين هذه النظريات بسهولة ببعض الاستبدال الشكلي لبعض الكلمات فيما بينها.
ففريق النظام الأسدي وحلفائه يتكلم عن مؤامرة إمبريالية صهيونية شريرة تضم معها السنة والوهابيين لضرب الممانعة والمقاومة؛ ويستبدل الجزء حامل الشعار الديني منهم التوصيفات بكلمات النواصب واليهود والصليبيين.
وفريق معارض للنظام الأسدي وحلفائه يتكلم عن مؤامرة صهيونية إيرانية روسية، تريد ضرب العرب السنة؛ وكذلك يستبدل الجزء حامل الشعار الديني منهم التوصيفات السابقة بكلمات الروافض والمجوس واليهود والصليبيين.
عند تأمّل هذه التفسيرات، سنجد أنها نفس المنهجيات التي سادت تاريخنا كله تقريبا بين عامة وخاصة الناس. وإذا ضيقنا مجال المقارنة إلى المرحلة الممتدة منذ اغتصاب فلسطين حتى وقتنا الحاضر، فسنجد أن فهمنا ومنهجنا في تفسير كل ما لحق بشعوب ودول هذه المنطقة من مشاكل وكوارث ومآسي لم يغادر هذه المنهجيات في فهم التاريخ والواقع والمستقبل.
إنها نفس الأباريق التي اعتدنا ملء ربعها أو ثلثها وسكبها فوق بعضها، والتي ما زلنا نعيش في متاهة مياهها الساكنة الداكنة التي لم تقدم يوما قطرة ماء صافية لعقولنا كي نرى طريق الحل والمستقبل الأفضل. فهي منهجيات وجدنا عليه آباءنا وللآن ما زلنا لا نملك شجاعة وأدوات تحطيمها.










