20/10/2019
علاء الدين الخطيب
يروي الهمذاني في حكاية عيسى بن هشام عن لسان أبي الفتح السكندري: “أنا يُنبوعُ العَجائِبِ.. في بِلادِ اللهِ ساربٌ.. أغْتَدي في الدَّيْر قسّيساً.. وفي المَسجدِ راهبٌ“. فيجيبه صاحب مقامات الحريري عن لسان أبي زيد السروجي: “إنْ يكُنِ الإسكَنـدَريُّ قـبْـلـي.. فالطّلُّ قـد يبْـدو أمـامَ الـوَبْـلِ.. والفضْلُ للـوابِـلِ لا لـلـطّـلِّ“؛ وما بين مقامات الهمذاني ومقامات الحريري، يتدفق السجع والبديع المتصنع، ويتوالى الطباق والمجانسة. لكن الدكتور شوقي ضيف يرى في مقامات الهمذاني أنه: “ليسرف في تجميل كل مقامة بأوسع طاقة ممكنة من الزخرف والزينة والتنميق، ومن ثم ينصرف عن الموضوع إلى الأسلوب“.
حضرتني هذه المقامات، ولكل منها مقالات، وأنا أتابع مخاض ما يُسمى لجنة دستورية سورية، وأسترجع ما مضى من سنين عجاف، ما بين هذا المعارض وذاك، والحيص بيص ما بين مجلس وهيئة وائتلاف ومنصة وتيار، فالحريري ينشد مهللا للجنة الانتصار، والهمذاني يندب كرسيا قد طار؛ فأحاول استخلاص العبرة أو الحقيقة، متلهفا لقحطٍ يحبس أمطار القنابل والبراميل، وليباسٍ يحبس الدماء عن ريّ أرض سوريا لبضع سنين.
الإعلام والسياسيون وكثير من المعارضين يقولون: إن هذه اللجنة هي أقصى ما يمكن فيما هو كائن، تحت سقف مبادئ الثورة “العالي”. وآخرون من معارضين يقولون: إنْ هي إلا خدعة، ووسيلة لتقنين سرقة الثورة، وإبقاء الفرعون السوري على عرشه.
أما من يُفترض أن يطربوا أو يتحمسوا أو يحلموا لسماع المقامات، من غالبية سوريين لا ترحمهم أرض ولا سماء، فما عاد للسجع وطبول الحماسيات في أرواحهم مكان. لسان حالهم يقول: سمعنا وشهدنا وصدّقنا وكذّبْنا الكثير، وما زلنا ننزف دما وأطفالا، فلا يهمنا صورة من يتربع خلف الشاشات، ومن يعتلي كرسي الحكواتي أو قارع الطبول. فها هي تسع سنين تمضي، ولا مؤسسةً معارضةً أقنعتنا بأدائها، ولا شخصيةً معارضةً تقدمت للناس باعتذار ونقد ذاتي، قبل صبّ سهام النقد وربما التخوين على الآخرين.
قد يقول صاحب مقاماتٍ: وأنَّى لهم المساكين الحرية والاستقلال بين براثن حكومات الإقليم والعالم، وكيف يقاومون كل هذه الضغوط؟ فارحموا من هم على طاولات المفاوضات، ولسان حالهم يقول قول الهمذاني في القزوينية: “قد تركت وراء ظهري حدائق وأعناباً. وكواعب أتراباً. وخيلاً مسومة. وقناطير مقنطرة. وعدة وعديداً. ومراكب وعبيداً. وخرجت خروج الحية من جحره. وبرزت بروز الطائر من وكره”. هلّا نظرتم للتاريخ، ألم يكن التفاف الشعوب خلف قادات ثورتها مفتاح التحرر من الاستعمارات؟ ألم يكن التفاف الهنود خلف غاندي والجنوب إفريقيين خلف مانديلا لسنين وسنين طريق الحرية والخلاص من الظلم؟
إذا على ما يبدو أنه يجب أن نرجع البصر كرّتين، لعل وعسى أنّ يأسنا ليس في زمانه ومكانه. لكن من هو المختار أو غاندي أو مانديلا بين من ملؤوا شاشات الفضائيات باسم السوريين؟ فكل ما سمعناه من تسع سنين أنهم كلهم أشبه إما بغيفارا أو ابن حنبل في محنتيهما.
يأتينا الجواب مهرولا: كلا أيها الشعب العظيم، إننا نعيش في الألفية الثالثة، والشعوب هي الحكم والبطل، ولذلك فقد بذلنا الفكر والتفكير والتخطيط وبعض الدعم المادي الدولي الصديق، على منابر ومنصات إعلامية، وفضائيات رنّانة، ومراكز بحوث ودراسات علمية مؤصلة، ومؤسسات سياسية، ديدنها الديمقراطية ومحرابها الحرية، وللصندوق والانتخاب سلطته، فإن زمن الزعيم الأبدي قد ولى؛ أتحسبوننا مثل فرعون سوريا، نحرق الزرع والضرع، كي تبقى أبواق التابعين تصدح يا أسداً يا سبع؟
وهنا يرتد البصر إلينا خاسئا وهو حسير. ظلمتم الإمام أيها السادة والرفاق، إنما هي مناضد وطاولات، والكراسي حولها لها ألوان واتساعات؛ ولتجنب المنكرات من الحشو والانزلاق، لا بد من البحث وفق المقاسات.
إذا لربما أخطأنا أيها السوريون، فرغم أن هذه القيادات المعارضة لم تحقق شيئا فيما مضى، سوى الاجتماعات بعد الأغدية وقبل الأعشية، إلا أننا يجب أن نحسن الظن، ونتجاوز أمر الإخفاقات الشكلية، ولكم بين المُنْطَوين تحت رداء اللجنة، والمُتَطيِّرين منها الاختيار، وفي هذا الاختيار الديمقراطي انتصار.
فالعمل يتم تحت رعاية روسية وتركية وإيرانية، ومعهم رقابة أممية، والغاية وضع دستور ضمن آليات واضحة؛ بغض النظر الآن عن الإشكالات القانونية، وإلى أي قرار من قرارات الأمم المتحدة يستند المشروع.
ولربما فعلا لا أقدر من هؤلاء السادة والرفاق والإخوان والجهاديين، رجالهم ونسائهم، على إدارة العملية، وخوض ساحات التفاوض المرهقة القاسية.
أليس إنجازا هائلا أنهم أجبروا الطاغية أن يشاركهم بلجنة دستورية، أي أنه اعترف بهم، وبالتالي لربما يعترف بعد ذلك بالملايين الهاربة من آلات قتله. ولا يغرنّك قول المُوَسوسين بإن ذلك اعتراف منهم بشرعية بشار كرئيس لسوريا، فما ذلك إلا تهويل وطعن بالوطنية.
ولننظر إلى شروط التصويت، لا ينفذ أي قرار إلا بنسبة 75%، أي أنه فيما لو حاول نظام الطاغية تمرير سمومه من تحت الطاولة، وحتى لو صوّت معه الخمسون ممثلا للمجتمع المدني، فلن يستطيع بلوغ هذه النسبة، أي أن يده مغلولة لعنقه.
يقفز هنا شيطان الشك ليسأل: لكن ألا يعني هذا أيضا أنكم لو أردتم ملء الطاولة عسلا، وبتأييد الخمسين ممثلا للمجتمع المدني، لن تستطيعوا بلوغ هذه النسبة أيضا؟ ألا يعني ذلك أن اللجنة لن تستطيع إصدار أي شيء مهم وجوهري؟
فيأتيه الجواب المُفحِم القاطع: لكل مقام مقال، هنا يأتي دور الأمم المتحدة والدول الراعية. هم من سيضغطون على نظام الطاغية كي لا يمنع تمرير ما نريد. حتى لو أن هذه القوى الدولية لم تستطع سابقا إجباره على إطلاق سراح حتى سجين واحد، أو عدم رميّ برميل واحد.
والأهم أن الروس قد وعدونا بالحيادية، لأن همهم الأكبر الوصول لحل يرضينا، فعلى ما يُروى أن بوتين يشعر بالإحراج لأنه لم ينفذ وعده للشعب الروسي بإعادة القوات الروسية سريعا إلى روسيا، ويشعر ببعض القشعريرة لأنه لم يحفظ وعوده لحليفه الرئيس التركي بمنع الهجوم على إدلب، فالمؤكد أنه سيحفظ لنا وعوده، خاصة وأنا طالبناه بإمساك شاربه، وفق تقاليد باب الحارة.
وهنا همس أحدهم: إلا إذا مارسوا الضغط علينا لنوصل ما يريده نظام الطاغية إلى 75%، فعندها إن الضرورات تبيح المحظورات. وقد لا يكون أمامنا عندئذ سوى أن نتقاذف الاتهامات؛ وبهذه، كما تعلمون، نحن ذوو خبرات وجولات.
لكن أبا عيشة العربيني يصرخ: إذا أنتم لن تتفقوا مع النظام في لجنتكم الموقرة، إلا على الحواشي والفروع، لإن شرط إقرار القرار مستحيل، عندما يتعلق السؤال بالجوهر والأساس؛ وعندها سيتقدم راعي اللجنة القيصري، ليحسم الجوهر بما يراه له أنسب. وهل أنسب له من دستور بشار؟
لن تفرغ جعبة الراوي على أية حال، فقد فرد البساط وقال: من يَحْتَج علينا، هو بالواقع يغار منا، ومن كان أفضل منّا كهيئة أو شخص فليتقدم، فكل أبوابنا مشرعة.
وبهذه يبدو ألا حجة لنا عليهم، بغض النظر من نحن ومن هم ومن أولئك، إن هي إلا بضع عشرة اسما، تداولناها وحفظناها، فلماذا التغيير والتبديل. فمؤسسات المعارضة هي إعداد نموذجي لمؤسسات الدولة. ومتخصصي اللجنة الدستوريين والقانونيين لم يتركوا حالة بالتاريخ المعاصر مشابهة للحالة السورية إلا أشبعوها بحثا وتحليلا، حتى أن برنامج الأمم المتحدة للتنمية UNDP، والمعهد الدولي للديمقراطية والدعم الانتخابي IDEA يطلبون دعمهم لتحديث مكتبتهم الضخمة من تقارير رصدية لعمليات إعادة البناء الدستوري في دول ما بعد الأزمات.
رحم الله الحريري البصري في مقامة القهقهرية إذا لخص حال اللجنة العلية بقوله: “فمَن ساقها هذا المساق، فلا مراء ولا شقاق، ومنْ رامَ عكسَ قالَبها، وأن يردّها على عقِبِها، فليقل: الأسرارُ عندَ الأحرار، وجوهر الوفاء، ينافي الجفاء، وقبحُ السُّمعة، ينشرُ الشُنعَةَ“.











